ماكرون يعترف بإخفاق أمني في تظاهرات فرنسا ويعد بالاستجابة للمطالب
وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الاثنين، باتخاذ قرارات "ملموسة وواسعة النطاق" للاستجابة إلى مطالب الحراك الطلابي والاجتماعي الذي تشهده فرنسا منذ أكثر من شهر، مقرّاً بأنّ السلطات الفرنسية أخفقت في تقدير حجم أعمال العنف والنهب، التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ولم تنشر قوات أمنية كافية للتعامل معها. وفي موازاة الوعود الحكومية، أكّد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز استمرار فرض حظر التجول والقيود على التظاهر في عدد من المدن، وسط استعدادات لجولة احتجاجية جديدة السبت المقبل.
تعمق أكثر
وجاءت تصريحات ماكرون خلال زيارة أجراها، ظهر الاثنين، إلى مقرّ بلدية مرسيليا جنوبي فرنسا، الذي تعرّض للاقتحام والتخريب خلال احتجاجات 17 أكتوبر، حيث التقى عمدة المدينة اليساري بنوا بايان، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة للاستجابة لمطالب تحسين ظروف التعليم ومواجهة غلاء المعيشة، إلى جانب انتقادات لطريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع التظاهرات.
وقال ماكرون إنّه طلب من الحكومة الاستجابة إلى "المطالب المشروعة" التي يرفعها المحتجون، وإنّ رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو سيعلن قرارات بهذا الشأن، تشمل إجراءات تحدث تغييراً فورياً وإصلاحات يجري العمل عليها خلال الفترة المقبلة. ومن المقرّر أن يستقبل لوكورنو، بعد ظهر الاثنين، ممثلي تلاميذ المدارس الثانوية وطلاب الجامعات، قبل مؤتمر صحافي لعرض الإجراءات الحكومية على أن تشمل المشاورات اللاحقة النقابات العمالية ومنظمات أرباب العمل.
ورفض الرئيس الفرنسي مقارنة الاحتجاجات الحالية بالاضطرابات التي شهدتها البلاد صيف 2023، عقب مقتل الفتى نائل مرزوق برصاص شرطي في نانتير قرب باريس، موضحاً أن الحراك الراهن يحمل طابعاً "اجتماعياً وسياسياً"، ويرتبط بمطالب طلابية وغضب متزايد من ارتفاع تكاليف المعيشة وهو ما يستدعي، بحسب قوله، استجابة سياسية واجتماعية تتجاوز المعالجة الأمنية.
إقرار بإخفاق أمني واستمرار القيود
وفي حديثه عن أحداث 17 أكتوبر، أقرّ ماكرون بأنّ السلطات لم تستعد بالقدر الكافي لمواجهة أعمال العنف التي شهدتها عدة مدن فرنسية، قائلاً: "في مرسيليا، كما في أماكن أخرى، لم تكن هناك قوات كافية"، مضيفاً: "لم نتوقع إطلاقا ما حدث". ولم يحدد الرئيس الفرنسي الجهة المسؤولة عن هذا الإخفاق، لكنه دافع عن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة لاحقاً، معتبرا أنها ساعدت على ضبط الأوضاع من دون الحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ مع عدم استبعاد اللجوء إليها إذا تدهورت الأوضاع.
تعمق أكثر
وجدد ماكرون اتهام مجموعات من "أقصى اليسار" بالانضمام بكثافة إلى الاحتجاجات وتنفيذ أعمال عنف في عدد من المدن، معتبراً أن التعامل مع هذه المجموعات يستدعي رداً أمنياً. كما تحدث عن مشاركة أشخاص في عمليات نهب وتخريب، وانتقد دور شبكات التواصل الاجتماعي في تشجيع العنف وحشد المشاركين في مواقع الاعتداءات خلال احتجاجات 17 أكتوبر.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، اليوم الاثنين، أن السلطات ستواصل فرض القيود على المظاهرات في عدد من المدن، تحسباً لتجدد أعمال العنف. وقال في مقابلة مع شبكة "بي إف إم تي في" إن الوضع الأمني خلال الأيام المقبلة لن يختلف كثيراً عما شهدته البلاد أخيراً، مؤكداً أن قرارات تمديد حظر التجول ستتخذ محليا بالتنسيق بين المحافظين والعمد.
وأوضح نونيز أن السلطات ستواصل تقييد المظاهرات في مراكز بعض المدن، بسبب ما تعده أخطاراً على الأمن العام، مشيراً إلى أن الإجراءات المتخذة خلال الجولة الأخيرة من الاحتجاجات ساعدت على تجنب تكرار مشاهد العنف الواسعة التي وقعت قبل أسبوع.
وبحسب الأرقام التي أعلنها وزير الداخلية، أوقفت قوات الأمن 1435 شخصاً خلال احتجاجات السبت الماضي، 24 أكتوبر، فيما أصيب 267 من عناصر الشرطة والدرك و150 متظاهرا، بينهم ثلاثة تعرضوا لإصابات خطيرة نسبياً. ورغم هذه الحصيلة، وصف نونيز الجولة الأخيرة بأنها كانت تحت السيطرة، مؤكداً عدم تسجيل حوادث خطيرة بحجم ما شهدته البلاد في 17 أكتوبر.
وكانت السلطات الفرنسية قد فرضت حظر التجول في مناطق من عدة مدن، بينها باريس ومرسيليا وليون، إلى جانب تقييد مسارات المظاهرات ومنع بعض التجمعات في مراكز المدن. وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الممتلكات والأشخاص ومنع تكرار عمليات النهب، فيما تواجه انتقادات بسبب تأثير القيود الأمنية في الحق بالتظاهر.
احتجاجات جديدة وضغوط على الحكومة
وحذّر ماكرون من أنّ السبت المقبل 31 أكتوبر، سيكون بدوره "محفوفا بالأخطار"، في ظل دعوات أطلقتها حركة "السترات الصفراء" وجهات طلابية وعمالية إلى جولة جديدة من الاحتجاجات على غلاء المعيشة ودفاعا عن الحريات العامة، وسط انتقادات من الحركة لما وصفته بـ"المنعطف السلطوي" في تعامل الحكومة مع الاحتجاجات.
وأكّد نونيز أن السلطات تستعد لنشر ترتيبات أمنية مشددة خلال الجولة المقبلة، مشيراً إلى استمرار العمل بالإجراءات الوقائية التي تتيح للمحافظين تقييد بعض مسارات التظاهر أو فرض حظر التجول عند الضرورة.
وفي موازاة ذلك، دعت "الكونفدرالية العامة للعمل" إلى جانب منظمات عمالية أخرى إلى إضراب واسع في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، للضغط على الحكومة وأرباب العمل من أجل الاستجابة للمطالب الاجتماعية وتحسين الأجور وظروف العمل والخدمات العامة. وتأتي هذه التطورات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في وقت دعا فيه ماكرون إلى أن تكون الأشهر المتبقية مناسبة للنقاش الديمقراطي وتقديم المقترحات بشأن مستقبل البلاد، محذّراً من أن تؤدي أعمال العنف والتخريب إلى تعطيل هذا النقاش.
وتضع الاحتجاجات الحكومة الفرنسية أمام مسارين متوازيين، يتمثل أولهما في تقديم استجابات سياسية واجتماعية لمطالب الطلاب والعمال والمتضررين من ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما يتعلق الثاني بالإبقاء على الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد أعمال العنف، وسط استمرار الخلاف بشأن حدود هذه الإجراءات وتأثيرها في الحريات العامة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗