ضرب آخر واحات الأمان لمسيحيي المشرق
من يلوم المسيحي في المشرق العربي إذا صرّح بخوفه من طلقة رصاص تأتيه غفلةً، أو تفجير يطاول فرحه أو عزاءه؟ ومن بات يملك القدرة على طمأنة المسيحيين الذين تعرّضوا لضربات غدر في دمشق وبغداد والكرك، بأنّ الدول والحكومات وأجهزة الأمن والوحدة الوطنية قادرة على حمايتهم؟ على ذلك، هل سيطلب المسيحي إذناً بالخروج من منزله، ويحدّد مسار طريقه، لتؤمّن له الحكومة الحماية اللازمة؟ وهل سنرى في وقت قريب نزول قوات حكومية إلى الكنائس وصالات الأفراح والعزاء، بل وحتى المدارس والجامعات؟
لنعترف بأنّ في المشرق العربي خلايا إرهابية عديدة نائمة في المدن والأرياف؛ فسنوات الصراع الماضية، والتي لا يختلف أحدٌ على أنها اتخذت طابعاً دينيّاً إلى حد كبير، أنتجت هذا الكم من المخاطر، أو لنقل بصورة أكثر دقة، الكراهية الدينية، وقد تكفلت وسائل التواصل الاجتماعي بتضخيم هذه القضية وتحويلها إلى حربٍ علنيةٍ وكراهيةٍ مقيتة، لكنها أنتجت أسوأ أنواع التطرّف، ولا سيّما التطرّف الإسلاموي الذي نهل من فتاوى ونصوص، يجرى انتزاعها من سياقاتها التاريخية وتوظيفها لقتل الآخر المختلف واستباحته.
من قال إنّنا في المشرق، كل المشرق، لا نحتاج عيادة نفسية بعد مخاض الحرب التي شهدت انقسامات واصطفافات واضحة على أسس دينية وهوياتية؟ ومن قال إنّ الشفاء سيأتي وحده، وإنّ الأمور ستجري في مساراتها الطبيعية، وإنّه لا حاجة، بالتالي، إلى برامج توعوية وتثقيفية، لأنّ هذا قد يسلط الضوء على المشكلة وقد يزيد من تفاقمها؟ ولعلّ هذا ما تفكّر به الحكومات والأجهزة الأمنية في المنطقة، ويبدو هذا جليّاً من محاولات الابتعاد عن إيجاد علاجات وحلول لمشكلة طافحة على سطح العلاقات المجتمعية في المنطقة، من دون مواربة أو تشذيب.
ماكينة صنع السياسات في المنطقة تذهب صراحةً إلى توظيف البعد الهوياتي والطائفي لمصالح سياسية آنية في أحيان كثيرة
في حرب السنوات الأخيرة، التي جرى الجزء الأكبر من معاركها في العراق وسورية، وفي سبيل شدّ عصب الجماعات والطوائف، أُنتجت آلية خطيرة تقوم على إبراز إيجابيات الذات وسلبيات الآخر. ووفق هذه الآلية، يجري تضخيم إيجابيات الثقافة أو الهوية التي ننتمي إليها، ولصق كل الصفات الجيدة بها، من الشجاعة والأخلاق والثقافة والعصرنة، مشفوعةً بالمظلومية التي يمارسها الآخر علينا، المتخلّف والمتوحش والكاره لنا.
المشكلة أن هذه الآلية لا يتوقف عملها عند حد إنتاج هذا التمييز، فهذه مجرّد بنية أولى وبسيطة مقارنةً بما ستتكفل الديناميكيات بإنتاجه، إذ سنصبح "نحن" فقط من يملك حق الانتماء إلى الهوية الوطنية، فيما يجب نزع الآخر من هذا السياق وتجريده من الانتماء الذي يجعل وجوده شرعيّاً وأخلاقيّاً في وطنه، تمهيداً لإلغاء وجوده نفسه في الحياة، الأمر الذي يجعل إصدار قرار القتل يبدو سهلاً، بل وينطوي على قيم أخلاقية ووطنية لدى الذين تعرّضوا لآفة المبالغة في تطهير الذات وتشويه الآخر.
ليس مستغرباً أن تصبح أسماءٌ من قبيل "الزرقاوي" و"أبو الدريل" زعاماتٍ، وأحياناً مراجعَ فكريةً وأخلاقيةً في هذا المشرق التعيس؛ ذلك أنّ ماكينة صنع السياسات في المنطقة تذهب صراحةً إلى توظيف البعد الهوياتي والطائفي لمصالح سياسية آنية في أحيان كثيرة، أو من أجل شرعنة سيطرة أصحابها على مجتمعات المشرق التي باتت خاضعةً بدرجة كبيرة لزعماء الطوائف وأمراء حروبها. وهذا الوضع بتنا نراه مشخصاً بوضوح في سورية والعراق ولبنان.
اتّباع مقاربة جديدة، ليس لحماية المسيحيين، بل لحماية الوجه الحضاري للأردن بالدرجة الأولى
يتوجب الاعتراف بأنّ الأردن، لأسباب داخلية ومجتمعية وسياسية، خارج هذه اللعبة الجهنمية، لعبة الفرز والتصنيف، وخارج لوثة الكراهية. ورغم أن تداعيات حروب المنطقة والظاهرة التكفيرية التي انتشرت في المشرق على نطاق واسع قد طاولت الأردن بوضوح، بانخراط عديد من الشباب في تنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيَّين، في العراق وسورية، إلّا أن هذا الأمر ظل بعيداً عن الوضع الداخلي، والمقصود بذلك تحويل طاقة منتسبي هذه التنظيمات للعبث بالنسيج الداخلي واستهداف المكوّن المسيحي. وحادثة الكرك، بحسب ما يذكر رئيس تحرير "العربي الجديد" معن البياري، في مقالته الاثنين الماضي، تُسجّل بوصفها الحادثة الأولى من نوعها.
في السابق، طالما طرح بعضهم السؤال: كيف أدار الأردن هذه المسألة باقتدار، واستطاع تجنيب الداخل تداعيات هذا الصراع المجنون الذي ضرب مجتمعات المشرق برمتها؟ ربما الجواب أبعد من القدرات الأمنية، على الرغم من مهارة أجهزته. وربما يرجع تفسير هذا الأمر إلى أسباب عديدة، منها التعايش الحقيقي في المجتمع الأردني، ووجود روابط مشتركة بين الأردنيين، مثل الإحساس بالخطر الصهيوني وإدراكهم واقع بلدهم الواقع في منطقة ملتهبة، تحيط به النيران من أركانه الأربعة.
ما الذي تغيّر في هذه المعادلة إذاً؟ لا تشير الوقائع الأردنية إلى وجود أي خلل في العلاقة بين مكوّنات المجتمع الأردني. وعلى العكس، بكى الأردن، من شماله إلى جنوبه، ضحايا قرية حمود. المتغيّر الوحيد توسّع دائرة انتشار التطرّف، وبحث الإرهابيين عن أهداف سهلة، واشتياقهم إلى رؤية الدماء بعد أن وضعت الحرب الكبرى في المنطقة أوزارها. وهذا ما يستدعي اتّباع مقاربة جديدة، ليس لحماية المسيحيين، بل لحماية الوجه الحضاري للأردن بالدرجة الأولى.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗