26 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/32201

بعد شكر غازي العريضي قطر وعزمي بشارة

شكر الوزير اللبناني السابق غازي العريضي، في مقاله في "العربي الجديد" (13/10/2026) قطر وعزمي بشارة على مشروع نشر الوعي والأمن المعرفي، الذي مكّن من زعزعة استقرار المخطّطات الصهيونية الإسرائيلية الأميركية في العقل الغربي. ولو أردنا شرح أبعاد هذا الإنجاز الذي حققه، ويحققه، هذا المشروع العربي، عبر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في بريطانيا مثلاً، ذات الصلة التاريخية والراهنة بما يعتمل في منطقتنا، لاحتجنا إلى كثيرٍ جدّاً من الوقت والأوراق والأقلام.

أشار العريضي إلى الهستيريا والجنون والانفعال في إسرائيل ضدّ بشارة ومشروعه، وهو محقّ. وهذا ما يجعل من الإنصاف أن يُشكر الإسرائيليون على موقفهم من بشارة وزملائه، الذين يستندون، كما قال العريضي، إلى "القناعة والإرادة والعزيمة والتجربة والخبرة العملية". ومردّ الشكر أنه يصفع كل مثيري اليأس والإحباط والاستسلام للأمر الواقع في عالمنا العربي على وجوههم العارية من الكرامة، المجرّدة من الثقة بالنفس، الذين دأبوا على ترويج أفكارٍ من قبيل أنّ قطار الحضارة والمعرفة قد فات العرب منذ زمن طويل، وعليهم التعايش مع مرارة واقعهم المهين، وأننا مضطرّون لقبول إسرائيل.

ومع كل التقدير لما قيل عن اعتراف نتنياهو ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي رونالد لودر عن خسارة إسرائيل معركة الوعي، الزائف الذي تروّجه الصهيونية في الغرب بشأن فلسطين، هناك معركة ليس من المبالغة الظن بأنها أكثر أهمية، وهي الوعي لدى العرب. فبدون كسب معركة الوعي العربي لن يُترجم أي انتصار في معركة تصويب الوعي وإيقاظه في الغرب إلى إنجاز يلامس واقع فلسطين ودول المنطقة التي ترتجف أمام إسرائيل، رغم كلّ خسائر الأخيرة حاليّاً على الساحة العالمية. وعي العرب، كل العرب، ليس حكّاماً فحسب، بل مؤسّسات وجيوشاً ومنظمات شعبية وجماعات فكرية، يقلق إسرائيل وأنصارها في أميركا أكثر. لنتصوّر مثلاً ماذا كان يمكن أن يحدث لو أنّ المظاهرات المليونية في بريطانيا (مثلاً)، التي فيها أكبر حركة مؤيدة لفلسطين في العالم كله، قد وجدت صدىً في الشارع العربي، الذي هو أولى بفلسطين وبمقاومة فيروس إسرائيل، فخرج في مظاهرات مماثلة؟ مظاهرات بريطانيا أجبرت حكومتها، على الأقل، على تغيير لهجتها والإقرار بأنّ تطهيراً عرقيّاً ترتكبه إسرائيل في فلسطين، وبأنّ الاحتلال غير شرعي.

رغم المرارة التي يشعر بها أي عربي سوي التفكير من كلام الرئيس السيسي، فإنّه يستحقّ الشكر أنْ وعّانا بهذا النزر اليسير الكاشف عمّا كان يدور

لو كانت مظاهرات مماثلة قد خرجت في شوارع العرب لما مُكّنت إسرائيل من مواصلة الإبادة، ولاضطرّت بريطانيا وغيرها إلى ترجمة التغيير في اللهجة إلى وقفٍ فعليٍّ للسياسات المتواطئة مع إسرائيل ومشروعها. لكن كيف يحدث هذا ولا يزال هناك من يخدع نفسه، بعد كل ما حدث ولا يزال يحدث، بأنّ إسرائيل، بكل ما لديها من قدرات وخطط معلنة وخفية، ليست خطراً. وقد سمعنا أخيراً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ما يشي بأنّ مصر لا ترى في الدولة العربية خطراً عليها. وفي مناسبة لها مغزاها، وهي احتفالات أكاديمية الشرطة بيوم خرّيجيها، قال السيسي: "طوال السنين اللي فاتت من 2013 وأنا في لقاءاتي مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، كان كلامي معاه على أن فرصة إقامة دولة فلسطينية هتعود علينا كلنا باستقرار حقيقي، وهيصحل دمج حقيقي لإسرائيل في المنطقة... هو ما كانش مقتنع... في الآخر هو مسؤول عن دولته. وهو يعلم كويس أوي أن مصر عمرها ما تمثل تهديد. مرّة سألني، أمال بتسلح ليه؟ قلت له: أنا عمري ما شفت قوة إسرائيل تهديد لي. وأتصور أنك كمان محتاج تتعامل معانا على أن قوة مصر مش تهديد ليك".

الخلاصة الواضحة من هذا الكلام أنّ على مصر، مجتمعاً وشعباً ومؤسّسات وجيشاً، أن تغير قناعة، رسختها في الوعي المصري عقودٌ من مرارات الاستيطان الصهيوني في فلسطين، بأنّ العدو هو إسرائيل، وبأن هذا العدو، الذي يقترف جرائم الإبادة الجماعية على حدود مصر وفلسطين، لن يكون جاراً أو صديقاً يمكن التعايش معه. ورغم المرارة التي يشعر بها أي عربي سوي التفكير من كلام الرئيس السيسي، فإنّه يستحقّ الشكر أنْ وعّانا بهذا النزر اليسير الكاشف عمّا كان يدور. وربما لا يزال يدور، بينه وبين نتنياهو، وفشله في إقناعه بأن تكون إسرائيل كائناً طبيعياً يقبل التعايش مع الآخرين، والتخلي عن مخططات الهيمنة والسيادة على كل من حولها. فالسيسي، الذي تولى رئاسة مصر في 8 يونيو/ حزيران 2014، ظل يحاول، حتى منذ كان وزيراً لدفاع مصر، إقناع نتنياهو، بلا جدوى، بفكرة التعايش مع الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه. ورغم جرائم الإبادة الإسرائيلية التي بدأت يوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين أول عام 2023، أي بعد مرور عشر سنوات على محاولاته مع نتينياهو، فإنّ الرئيس، لا يزال يرى أملاً في إسرائيل وأنها لا تشكل تهديداً. ومن المحزن المؤلم أن ينظر عربي إلى إسرائيل هذه النظرة، بينما شرع الناس في الغرب، بفضل تضحيات الفلسطينيين الجسام وتأثير تيار عزمي بشارة في نشر الوعي، في النظر إليها تهديداً للعالم وليس للشرق الأوسط فقط.

لا يُمكن أن يرى إلّا الأثر السلبي لهذا النهج، المصري الرسمي، في التعامل مع إسرائيل وتصويرها على غير حقيقتها على وعي العرب

الأمثلة على أن إسرائيل تهدّد العرب وأمنهم، جميعاً، أكثر من أن تحصى. غير أن كاتب هذه المقالة، وبمناسبة إشارة الرئيس السيسي نفسه إلى سيناء، وإشارة الوزير العريضي إلى الوثائق باعتبارها أحد وسائل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مقتنع تماماً بعكس ما لدى الرئيس من تفاؤل بشأن خطط الإسرائيليين تجاه هذه القطعة الاستراتيجية من أرض مصر. فالوثائق البريطانية، ولديّ الكثير منها، تؤكّد، بل تحذر، من أن سيناء ستظل حلماً لن تتنازل عنه إسرائيل التي أعادتها إلى مصر، بعد احتلال دام 15 سنة، وفق شروط تجعل شبه الجزيرة الاستراتيجية مطمعاً يظنّ الإسرائيليون أنه يسهل "استعادته" لأنّ مشروع الهيمنة الصهيوني لن يكتمل بدونه.

لا يُمكن أن يرى إلّا الأثر السلبي لهذا النهج، المصري الرسمي، في التعامل مع إسرائيل وتصويرها على غير حقيقتها على وعي العرب، خصوصاً الجيل الشاب الذي أُغرق بأوهام أنّ السلام يجب أن يظل خياراً استراتيجياً حتى لو تنكّر له العدو، وأنه لا انتصار على إسرائيل إلّا بالسلاح الذي ليس في حوزتنا ولن يُسمح لنا بحيازته. ومن المحزن أنه لا يزال هناك ليس فقط من يروّج هذا النهج، بل يعادي مقاوميه، في دولٍ عربية كثيرة، مرّة بخرافة أنّ إسرائيل أقل خطراً من إيران، وأخرى بوهم أنها أفضل من تركيا التي تدعم الإسلام السياسي، وثالثة بكذبة أنه ليس بإمكان العرب إلّا أن يتحلوا بالواقعيّة وأن يقرّوا بخيبتهم، إلى أن ينتشلهم القدر منها.

والسؤال: هل من الصواب حقن وعي العرب بمثل هذه الأساطير الميئِّسة، وإقناعه بأن حال العرب وصل إلى قاع الحضيض، ولا أمل في انتشالهم منه؟ الإجابة بالقطع هي: لا. والدليل هذا العداء الإسرائيلي اللدود لقطر وبشارة ومشروعهما.

نعم شكراً لقطر ولبشارة. وشكراً، أيضاً، للإسرائيليين الذين أقرّوا بقدرتنا، نحن العرب، على الفعل وتغيير المسارات، بدون تزييف وأسلحة فتاكة كأسلحتهم، إن أردنا. وأخيراً، شكراً للرئيس السيسي أنْ نبّهنا إلى ما ينبغي أن تعيه أجيال العرب الشابة في النظر إلى مشروع إسرائيل.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.