ليبيا واقتصاد الموقع
ابتعدت كثير من القراءات المتابعة للجدل الإقليمي الذي رافق إقرار مجلس النواب الليبي الاتفاق البحري الموقع مع تركيا، عن إدراك مستويات أعمق في الحدث، يمكن أن تكشف عما يظهره من تحولات في مفاهيم الاقتصاديات الحديثة. مِما غاب عن تلك القراءات أن الجدل، وإن كان موجهاً في أغلبه إلى تركيا، تصاعد مع إقرار الاتفاق من الجانب الليبي، رغم إقراره تركياً منذ توقيعه عام 2019. فالخلاف يبدو متعلقاً بما يمكن أن تمنحه الخطوط المرسومة في البحر للدول من حقوق ومصالح ونفوذ، ما جعل الإقرار الليبي كاشفاً عن قيمة الجغرافيا في عالم الجيوسياسة والاقتصاديات الجديدة.
يمكن أن نطلق على هذا البعد في الحدث تعبير اقتصاد الموقع، وهو مفهوم يتخطى في معناه الاستفادة من الموارد الطبيعية إلى استثمار المكان نفسه الذي يصل بين الأسواق وممرات النقل والطاقة ومصالح الدول المتجاورة. فليبيا، التي تمتد سواحلها على أكثر من ألفي كيلومتر، تقع عند نقطة اتصال بين أوروبا وشمال أفريقيا وعمق القارة، وتملك فرصة للاستفادة من التحولات الدولية الناشئة عن الحروب الجارية في الخليج وأوكرانيا. يجعل ذلك موقعها أساساً لاقتصاد متنوع بدلاً من ارتباط أهميتها أساساً بما تستخرجه من النفط في باطن أرضها.
هذا التصور له جذوره التاريخية، فقد ربطت موانئ برقة وطرابلس البلاد بشبكات التجارة المتوسطية منذ العصور القديمة، ثم أدت الطرق التجارية بين بنغازي ووداي (في تشاد) دوراً في وصل الساحل بعمق أفريقيا. كل ذلك كان يؤكد على مدار التاريخ قيمة الموقع الليبي وقدرته على وصل عوالم اقتصادية متباعدة. في الجدل الحالي، يفتح الاتفاق البحري مع تركيا باباً يتجاوز السؤال عن المكاسب التي قد تجنيها أنقرة أو الاعتراضات التي تبديها أثينا والقاهرة، وهي اعتراضات قد تتغير قريباً، خصوصاً من الجانب المصري، إلى سؤال أعمق يتمثل بما تستطيع ليبيا أن تفعل بموقعها إذا امتلكت رؤية اقتصادية موحدة. فحقوق الاستكشاف البحري قد تمنحها فرصاً استثمارية، لكن أهمية الاتفاق تتصل أيضاً بالموقع الذي كشفت الاعتراضات الإقليمية أنه يمثل نقطة التقاء لمصالح أطراف متعددة.
صحيح أن تبعات هذا البعد في القضية الراهنة تضع على ليبيا مسؤولية أكبر، إذ تتوقف زيادة رصيدها من اقتصاد الموقع على قدرتها في بناء شبكة موانئ فاعلة وتطوير النقل وغيرها من اللوجستيات المهمة. لكن هناك مكاسب يبدو أنها تتجه في اتجاهين، الأول أن يتحول الاتفاق إلى مدخل لفض الاشتباك الإقليمي إن أحسنت ليبيا توظيف اقتصاد الموقع لربط المصالح المتعارضة، فتتحول إلى عقدة وصل بين الخصوم لا ساحة لتنافسهم. أما الثاني فهو أن يصبح مدخلاً لتوحيد الخلافات الليبية فهو ما أظهره التوافق على الاتفاق بين أطراف من الشرق والغرب، ما قد يفتح المجال لتجاوز بعض حدود الانقسام السياسي القائم في البلاد.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗