28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/37071

في سورية... رحل الذي يكرهنا وبقيت الكراهية بيننا

قد تنهار الأنظمة في يومٍ واحد، لكن الكراهية التي تزرعها تبقى كامنةً في النفوس، تتوارثها الذاكرة جيلاً بعد جيل. فإعمار المدن المهدمة قد يستغرق سنوات، بينما إعمار الإنسان الذي أثقلته الضغينة يحتاج زمناً أطول بكثير. وهي لا تأتي من السماء، بل تُصنع على الأرض؛ في السجون، وخطابات التحريض، وسياسات التمييز، والجروح التي تُترك بلا إنصاف.

في جلسة علاجية بمركز للاجئين في برلين، روى شاب سوري كيف تغيّر والده الهادئ فجأة عند حاجز تفتيش على مدخل قريتهم. احتقنت عيناه، وارتجفت قبضتاه، ثم صرخ في وجه الجندي بصوت لم يسمعه من قبل: "كلب... لو كان معي سلاح لجعلتك تتخبط في دمائك". لم يصدق الابن أن هذا الرجل هو والده. لكنه أدرك لاحقاً أن الكراهية تتسلّل إلى النفس ببطء، طبقةً فوق أخرى، حتى تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فتغيّر ملامحه قبل أفعاله، ولغته قبل قراراته.

هذه الحكاية مدخلٌ إلى سؤال أكبر: لماذا تبقى الكراهية حيّة حتى بعد سقوط الأنظمة التي غذّتها؟ ولماذا تبقى بعد رحيل من زرعوها؟ ... ليست الكراهية دائماً صراخاً أو عنفاً ظاهراً؛ قد تكون نظرة احتقار، أو صمتاً بارداً، أو رغبة في محو شخص. هي تنمو ببطء، متخفيةً بثياب الخوف أو الجرح أو التعصب، حتى تتحول إلى قناعة، ثم إلى سلوك، وربما إلى كارثة.

ومنذ أن بدأ الإنسان رحلته فوق هذه الأرض، وهو يحمل تناقضه الأبدي، قلباً قادراً على الحب والرحمة، وفي الوقت نفسه مستعداً للكراهية والتدمير. فالإنسان الذي كتب أجمل قصائد الحب، هو نفسه من أشعل الحروب وبنى المقابر الجماعية.

ومن يكره غالباً ما يكون متألماً أكثر مما يحتمل؛ يبحث عن "عدو" يحمّلونه هشاشته، ويلوذ بالتعصب درعاً يمنحه إحساساً مؤقتاً بالأمان. هذا يفسر الكراهية دون أن يبررها. فهي تؤلم صاحبها قبل أن تؤذي غيره.

ما يحدث اليوم استمرارٌ لسياسةٍ ممنهجةٍ، قامت على توظيف الكراهية في الحكم. فقد أرسى النظام البعثي، على مدى عقود، بنيةً نفسيةً مأزومة، تقوم على تقسيم السوريين

بعد التحرير... حين بقيت الكراهية حيّة

بعد سنوات الدم والدمار والنزوح، امتدّ الخراب من المدن إلى النفوس، وصار كثيرون يرون المختلف عنهم خصماً قبل أن يروه إنساناً. والأكثر إيلاماً أن الكراهية، بدلاً من أن تنتهي بسقوط النظام الذي زرعها، تحوّلت إلى أشكال جديدة. فما كان يمكن أن يكون فرصةً لتضميد الجراح، تحوّل إلى صراع على الغنيمة.

في الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام، خرج السوريون إلى الشوارع يبكون فرحاً، ظناً منهم أن عهد الجلاد قد انتهى. وسرعان ما تبددت الآمال؛ إذ اكتشف السوريون أن الجلاد كان منظومةً كاملةً من الكراهية الممنهجة، وأن خطاب الحكم الجديد جاء بروح الغلبة، بعيداً عن روح المواطنة.

حلَّ الجيش والشرطة والأمن، وحلَّ الأحزاب، وعُطّل العمل بالدستور، وكأن الدولة بأكملها كانت مجرد وهم يحتاج إلى محو، بدل أن تكون مؤسسات تحتاج إلى إصلاح. وجرى تسريح آلاف الموظفين على أساس الانتماء السياسي أو الطائفي، وتعيين آخرين وفق معيار الولاء لا الكفاءة، ما جعل كثيراً من العائلات تشعر بأنها أصبحت مواطنة من الدرجة الثانية. كما رافقت المرحلة رؤية ضيقة للتنوع السوري في المناهج والإعلام، تعاملت مع سورية كأنها بلد أحادي الهوية، على الرغم من أن التنوع هو ثراؤها.

وشهدت مناطق الساحل وجرمانا والسويداء، ثم حلب ودير الزور، موجات عنف ومجازر تحت غطاء خطاب طائفي وقومي، فأعادت تعميق الشروخ الاجتماعية التي كان السوريون يأملون أن تندمل. وإلى جانب نزيف الدم، فاقمت الأزمة الاقتصادية والجوع معاناة السوريين، في بيئة خصبة لازدهار خطاب الكراهية.

ما يحدث اليوم استمرارٌ لسياسةٍ ممنهجةٍ، قامت على توظيف الكراهية في الحكم. فقد أرسى النظام البعثي، على مدى عقود، بنيةً نفسيةً مأزومة، تقوم على تقسيم السوريين إلى "مُوالٍ" و"خائن"، و"ثوري" و"مرتزق". واستثمر القومية في إقصاء الأقليات، والدين في تأليب الطوائف، والأمن في بث الخوف.

مع اندلاع الحراك عام 2011، تحوّل هذا الخطاب إلى أداة حرب ممنهجة: إعلام النظام وصف المحتجين بـ"الإرهابيين التكفيريين"، وفصائل المعارضة وصفت النظام بـ"النظام المجوسي العميل لإيران". في كلتا الحالتين، كان الهدف واحداً: إلغاء الآخر إنسانياً قبل قتله عسكرياً. وهذه الآلية واصلت إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة: خطاب ديني يختزل الهوية في طائفة، وخطاب قومي يرى في الآخر تهديداً وجودياً، وإعلام محموم يُروّج الشائعات وكأنها حقائق.

ربما يكون مفتاح الخروج من دوامة الكراهية بهذه البساطة: أن نرى في الآخر إنساناً. غير أن تحويل هذا الإدراك إلى واقع يحتاج إلى إرادات سياسية تؤمن بأن الوطن لا يُبنى بإلغاء أحد

العدالة الانتقالية بين الإنصاف والانتقام

في جنوب أفريقيا، وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994، أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة التي استمعت إلى آلاف الضحايا والجُناة، وربطت بين كشف الحقيقة ومنح عفو مشروط لمن يعترف بجرائمه. وفي رواندا، التي شهدت إبادة جماعية عام 1994، اعتمدت محاكم "الغاشاشا" المحلية، التي نظرت في نحو مليوني قضية، وأجبرت الجناة والضحايا على العيش في قرى مختلطة، فاكتشفوا أن الجار ليس وحشاً كما صوّره الألم.

أثبتت هذه التجارب أن العدالة الانتقالية عمليةٌ متكاملة تشمل كشف الحقيقة، والاعتراف بالألم، وتعويض الضحايا، والمصالحة المجتمعية، ولا تقتصر على المحاكمات. غير أن أخطر ما يهددها في سورية هو تحوّلها إلى انتقام طائفي؛ عندما تهيمن السلطة الانتقالية على مسارها، وتُحصر المحاسبة بانتقائية تطاول طرفاً دون آخر، وتعامل مكونات بوصفها خصوماً لا شركاء. عندئذٍ تغدو العدالة أداةً لتغذية الكراهية، بدلاً من أن تكون جسراً للمصالحة.

على الرغم من قتامة المشهد، تثبت تجارب سورية أن الإرادة البشرية أقوى من ميراث الانقسام. ... في حمص، خلال ذروة الأزمة، أطلقت مجموعة من الشباب والصبايا من خلفيات دينية مختلفة مبادرة "جيران" لإعادة بناء منازل المتضررين. كان الفريق الواحد يضم متطوعين ومتطوعات من سنّة وعلويين ومسيحيين، يعملون جنباً إلى جنب، ليكتشفوا أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم. في تلك اللحظات، كانت المطرقة والمسامير تصنع ما عجزت عنه الخُطب.

وفي مناطق النزوح، فتحت أسرٌ من مختلف الطوائف أبوابها لنازحين فرّوا من القصف، في مواقف تجاوزت الانقسامات. مواقف كهذه، وإن لم تتصدر نشرات الأخبار، أسهمت في حماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوري. لكنها تبقى هشة، مثل شمعة في عاصفة، ما لم تتحول إلى سياسات عامة تحميها.

قد يكون من المستحيل اقتلاع هذه المشاعر نهائياً، لكن الحدّ منها ضرورةٌ لبقاء أي مجتمع. ويتطلب ذلك خطواتٍ متكاملة: قانوناً يجرّم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، ويضمن محاسبة الجميع دون استثناء؛ ودستوراً جديداً يؤسس للمواطنة المتساوية، ويعترف بالتنوع ركيزةً للوحدة الوطنية؛ وحكومة وحدة وطنية تطلق مؤتمراً شاملاً للحوار؛ ومناهج تعليمية تُنشئ جيلاً يرى في الاختلاف ثراءً لا تهديداً؛ وإعلاماً مهنياً مستقلاً يواجه الشائعات بدل أن يروّجها، ويتصدى لمخاطر التزييف العميق والذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى التحريضي؛ ومراكز للذاكرة توثّق الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف بعيداً عن الانتقائية؛ وبرامج مصالحة مجتمعية تعالج الجروح النفسية، فمن لا يتعالج من صدمته يظل عرضة لتحويل ألمه إلى عداءٍ للآخرين. غير أن هذه الإجراءات لن تؤتي ثمارها ما لم يؤمن السوريون بأن المستقبل يُبنى على الإنصاف لا الانتقام، وعلى إدارة التنوع لا إلغاء الاختلاف.

حين محت طفلة الجدار

في أحد مراكز الإيواء بشمال سورية، كانت طفلة تلوّن رسماً. سألتها المتطوعة: "ماذا ترسمين؟" أجابت: "بيتي القديم"، ثم رفعت يدها الصغيرة: "هنا… كان الجدار بيننا وبين جيراننا". توقفت لحظة، ثم قالت: "لكنني محَوتُه… لأنهم الآن في الخيمة نفسها بجانبنا".

ربما يكون مفتاح الخروج من دوامة الكراهية بهذه البساطة: أن نرى في الآخر إنساناً. غير أن تحويل هذا الإدراك إلى واقع يحتاج إلى إرادات سياسية تؤمن بأن الوطن لا يُبنى بإلغاء أحد. سورية، بعد كل ما خسرته، تستحق رؤيةً تعيد للإنسان كرامته، وللوطن معناه. وربما كانت تلك الطفلة، وهي تزيل الجدار من رسمها، ترى ما عجز الكبار عن رؤيته: أن الجدران التي تفصل بين السوريين ليست قدراً، وأن الوطن يبدأ من اللحظة التي يقررون فيها أن يعيشوا معاً.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.