29 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/44853

مقاربات متعسّفة لجريمة الكرك

الأردن غاضب، وهذا مفهوم، فجريمة الكرك المروّعة تنتهك ركنين أساسيين في بناء الدولة: أنها قامت على تعايش إثنيات وديانات، وأن الأمن مكوّن تأسيسي في بناء البلاد نفسها، فالاستقلال وتعريب الجيش لاحقاً ارتبطا عضوياً بتحوّلها إلى دولة حقيقية.

لا نقول هنا إن الأمن كان سابقاً على المجتمع بل مؤسّس للدولة، ما يفسّر المكانة الاستثنائية للجيش في البلاد، فهو الدولة بالنسبة للشعب، والقاطرة التي انتقلوا عبرها من البداوة والفلاحة إلى التمدين فالدولة الحديثة. لم تتحوّل البلاد رغم ذلك إلى دولة جيش أو بوليسية، رغم أن بعض مدنها االكبرى، ومنها الزرقاء، نشأت على هامش معسكرات الجيش.

على أن قوة الأردن ونجاته من عواصف المنطقة لا تعودان إلى قوته العسكرية وحسب، بل إلى حيوية مجتمعه أيضاً (جزئياً بالطبع)، وإلى منظومة أمنه المجتمعي المتماسكة، وهي عابرة للمكوّنات، فعلى خلاف دول مجاورة لا يتم تعريف المواطن من زيّه أو لهجته باعتباره مكوّناً منفصلاً، كما لا توجد أحياء "مغلقة" لمكوّن دون غيره. وحتى الأحياء المسيحية، وهي موجودة، إلا أنها مختلطة بطبيعتها، ولو زرتها فإنك لن تستطيع تمييز أحد سكانها من غيره بزيٍّ أو لهجة.

وقد كشفت جريمة الاعتداء على الكنيسة بعضاً من كيمياء هذه المعادلة النادرة، فالاسم الأول لأحد الضحايا المسيحيين هو محمد، ناهيك عن أنهم، في عمومهم، من عائلاتٍ عُرفت بعروبتها ويساريّتها، ولم تعرّف نفسها بمسيحيتها. كما أن المنطقة التي تقع فيها قرية حمود التي شهدت الجريمة المروّعة، وأقصد مدينة الكرك وجوارها، عُرفت ببعض عادات عشائرها اللافتة، ومنها أن يتصدّر وجيه مسيحي أو رجل دين جاهة عرس أو صلح عشائري، وما إلى ذلك من ظواهر تعتبر نادرة في مشرق عربي يعاني تاريخياً من الانقسامات ويتخبط فيها.

أين المشكلة إذن؟... ثمة من يعيدها إلى المناهج الدراسية، و/ أو صعود تيارات التطرّف في العقود الأخيرة، أو إلى البطالة والفقر، وسواها من أسباب، غير أن هذه المقاربات تحتاج إلى تمحيص أكثر، فبعضهم استسلم للسهولة والتنميط، وربما إلى جلد الذات، ملقياً اللوم على ثقافة المجتمع وإلى الدين نفسه (الإسلام)، وممثليه سياسياً (الإخوان المسلمون)، وفي هذا عسف كبير، من شأنه استعداء فئات متضرّرة أصلاً من صعود التطرف في المنطقة.

فالإخوان مثلاً، حركة سياسية في المقام الأول رغم "دعويتها"، وكان مؤسّس الأردن، الملك عبد الله الأول، قد افتتح بنفسه أول مقر للحركة عام 1946، ومنذ ذلك الوقت قامت العلاقة بين الدولة والإخوان على التحالف والتعالق البنيوي. وطبعاً ثمة أخطاء لـ"الإخوان"، ومنها نزعتهم الاستحواذية وشعبويتهم، لكنها تصدر عن حركة "معتدلة"، يعتبر بقاؤها "حاجزاً" يحول دون التطرف.

وبالنسبة للمناهج الدراسية، وثمّة من وجّه بنادقه إليها، ليست على السوء الذي صُورت به، ومشكلتها ليست فيما يُدرّس، بل فيما لا يُدرّس، مثل الفلسفة والمسرح أو فنون الفرجة والأديان، ولا علاقة للإخوان المسلمين بذلك. ... صحيح أن أحد رجالات الحركة (إسحق الفرحان) كان وزيراً للتربية والتعليم، مطلع السبعينيات، لكنّ تحميله مسؤولية ما تُسمى "أخونة التعليم" مجرّد تكييف أيديولوجي متعسف لمحاولة فهم ما حدث اليوم في ضوء ما يعتبر أخطاء الأمس. تولى الرجل الوزارة نحو عامين فقط في مطلع السبعينيات، وتولاها بعده أكثر من 20 وزيراً بينهم مسيحي بالمناسبة (وجيه عويس)، ما يعني أن تحميله تلك المسؤولية تصفية للحسابات مع الإخوان بأثر رجعي، وليس تقييماً منصفاً لحقبته وأدائه. فليس هو من ألغى تدريس مادة الفلسفة مثلاً من المناهج منتصف سبعينيات القرت الماضي، بل أُلغيت في الفترة التي تولى فيها الوزارة واحد من أهم وزرائها (ذوقان الهنداوي) وأحد رؤساء الوزراء لاحقاً (عبد السلام المجالي)، والاثنان ليسا من "الإخوان".

هذا لا يعني أنهم ملائكة، بل يعني ضرورة التعامل معهم باعتبارهم حزباً سياسياً، نختلف أو نتفق معهم، لكن من دون أن نسعى إلى إخراجهم من المعادلة، فمن شأن شيطنتهم واستئصالهم إنتاج التطرّف لا القضاء عليه، والتضييق على الحريات، وهي تتراجع أصلاً من دون أي سبب مقنع.

الغضب مشروع بل مطلوب، لكن التبصّر والأناة مطلوبان أكثر، فثمة مشكلاتٌ لا تُحل بقرار بل بإجراءات وتفكيك حواضن وتغيير مفاهيم، فإذا من ظنناه "مشكلة" يصبح جزءاً من الحل، لو تعلمون.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.