لولا دا سيلفا.. هل من معركة لم يربحها الثمانينيّ الشقيّ منذ الولادة؟
يبلغ الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا غداً الثلاثاء الحادية والثمانين من عمره، وسيحكم بين 2027 و2030 أمام كونغرس يمتلك فيه الحزب الليبرالي بزعامة آل بولسونارو، أكبر كتلة منذ عقود، وفي ظل دين عام كبير وصل إلى أكثر من 80% من دخل البلاد، وراء هذا الرجل رحلة إنسانية وسياسية معجونة بالشقاء والمعاناة والإنجاز.
تعمق أكثر
من الأغريستي إلى ساو باولو
وُلد لويس إيناسيو دا سيلفا في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1945 في كايتيس، التي كانت وقتها تتبع إلى بلدة غارانهونس بولاية بيرنامبوكو في الشمال الشرقي للبرازيل. وكان سابع ثمانية أبناء لمزارعَين عانيا المجاعة في واحدة من أفقر مناطق الأغريستي شمال شرق البرازيل، وهم أريستيدس إيناسيو دا سيلفا ويوريديسي فيريرا دي ميلو، المعروفة بدونا ليندو.
وكان لولا في السابعة من عمره عندما جمعت الأم أبناءها وقطعت بهم مسافة 13 يوماً على متن شاحنة مفتوحة تعرف بـ"باو دي أرارا"، ليصلوا إلى منطقة جواروجا، حيث اكتشفوا أن الأب، الذي كان سبقهم إلى ساو باولو في ديسمبر/كانون الأول 1952، كون أسرة ثانية. وقد توفي الأب في العام 1978. عمل لولا وقتها بائعاً متجولاً وماسح أحذية ومساعداً في مصبغة وساعي مكتب، وتعلم القراءة في العاشرة من عمره، على الرغم من أن والده رأى أن العمل أولى من التعليم. ودخل لولا سوق العمل بدوام كامل في الثانية عشرة من عمره، وكانت أول شهادة تعليمية في حياته في الخراطة الميكانيكية من معهد "سيناي". وفقد في مطلع شبابه الأصبع الصغير من يده اليسرى في حادث مكبس بمصنع.
انقلاب يصنع زعامة
بعد الانقلاب العسكري في البرازيل عام 1964 تنقل لولا بين مصانع عدة، حتى استقر في مصانع الصلب في سان برناردو دو كامبو، قلب الصناعة البرازيلية في منطقة "ABC" بولاية ساو باولو. وفي 1969 انتخب عضواً مناوباً في مجلس نقابة عمال المعادن في سان برناردو وديادما، بتأثير من شقيقه خوسيه الناشط في الحزب الشيوعي البرازيلي. وفي 1972 ترك المصنع ليتفرغ للنشاط في نقابة "بريتانيكا" للناشئة، إذ انتخب رئيساً لها في 1975، ثم أعيد انتخابه في 1978.
قاد لولا بين 1978 و1980 موجات إضرابات أعادت الطبقة العاملة إلى قلب السياسة البرازيلية
في الفترة ما بين 1978 و1980 قاد لولا موجات إضرابات أعادت الطبقة العاملة إلى قلب السياسة البرازيلية بعد أكثر من عقد على الانقلاب العسكري. وفي مارس/آذار 1979 شل إضراب نحو 170 ألف من عمل المعادن الإقليم. وكانت الجمعيات العمومية تحشد عشرات الآلاف في ملعب فيلا إيوكليديس الذي انطلقت منه حملته الانتخابية الرئاسية الأخيرة، وفي 19 إبريل/نيسان 1980 اعتقل لولا بموجب قانون الأمن القومي، وبقي قيد الاحتجاز لنحو شهر.
حزب العمال والهزائم الثلاث
في 1980، شارك لولا في تأسيس حزب العمال إلى جانب نقابيين ورجال دين ومثقفين وناشطين يساريين، وترأسه بين 1980 و1988. وفي 1982 ترشح لحاكمية ساو باولو، وخسر بنحو 11% من الأصوات، ثم انتخب عام 1986 نائباً اتحادياً بنحو 650 ألف صوت. خسر الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات في 1989 في جولة الإعادة أمام فرناندو كولور دي ميلو، وعامي 1994 و1998 أمام فرناندو هنريكي كاردوزو. وفي 2002 فاز للمرة الأولى بمنصب الرئاسة بنحو 61.3% على منافسة آنذاك جوزيه سيرا، ليتولى الحكم في الأول من يناير/كانون الثاني 2003 كأول عامل يصل إلى رئاسة البرازيل.
وجمع لولا في هذه العهدة الرئاسية بين انضباط اقتصادي تقليدي وتوسع اجتماعي. وقد بلغ نمو الاقتصاد في المتوسط أكثر من 4% سنوياً بين 2004 و2011، وانتقل ملايين العمال إلى الاقتصاد الرسمي. وأطلق عام 2003 برنامج القضاء على الجوع "Fome Zero"، ثم دمج خلال عام واحد عدة تحويلات نقدية في "بولسا فاميليا" أو منحة الأسرة، وبلغ عدد العائلات المستفيدة من المشروع أكثر من 12 مليوناً بنهاية 2010، وهو ما أشاد به البنك الدولي.
تراجع في عهده معدل الفقر من نحو 40% من السكان في 2003 إلى أقل من 20% في 2012. وغادر لولا الحكم مطلع 2011 بتقييم إيجابي لحكومته بلغ 83.4% وشعبية شخصية 87% في استطلاع لتخلفه مرشحته للرئاسة ديلما روسيف. وكانت أبرز بقعة داكنة في ولايته الأولى فضيحة منسالاو في العام 2005، التي اتّهم فيها أعضاء في حزبه بالرشوة والتمويل الانتخابي غير المشروع. وألقت بظلالها على حملته عام 2006، إذ فاته الحسم من الجولة الأولى بفارق ضئيل قبل أن يعاد انتخابه بنحو 60.8% (58.3 مليون صوت) على جيرالدو ألكمين.
مأساة عائلية متكرّرة
عاش لولا حياة عائلية مضطربة، فقد توفيت زوجته الأولى ماريا دي لوردس في 1971 بعد عامين من زواجهما، وتوفيت زوجته الثانية ماريسا ليتيسيا في 3 فبراير/شباط 2017، وتزوج في مايو/أيار 2022 من روزانجيلا، المعروفة باسم جانجا دا سيلفا. وفي 2011 شُخّص بإصابته بسرطان الحنجرة بعد مغادرته الحكم، وتلقى علاجاً كيميائياً وإشعاعياً، وأعلن شفاؤه التام في 2012. وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2024 سقط في حمامه فأصيب في رأسه، ثم أجريت له جراحة طارئة في 10 ديسمبر/كانون الأول 2024 لنزيف داخل الجمجمة، وغادر المستشفى في 15 ديسمبر/كانون الأول، فيما أعلن الأطباء أنه لم يُصب بتلف دماغي.
فضيحة "لافا جاتو"
تعرض لولا عام 2016 إلى أزمة قانونية كادت تقضي على مستقبله السياسي، بعدما تحولت ما تُعرف بفضيحة "لافا جاتو"، أو غسيل السيارات، في شركة البترول الحكومية "بتروبراس" إلى أخطر محنة سياسية وقضائية في مسيرته. وفي يوليو/تموز 2017 حكم عليه القاضي سيرجيو مورو بالسجن تسع سنوات وستة أشهر بتهمتَي الفساد السلبي وغسل الأموال. ورُفعت العقوبة في الاستئناف في 2018 إلى 12 سنة وشهر. واحتمى لولا بمقر نقابة العمال قبل أن يسلم نفسه في 7 إبريل 2018، وقضى 580 يوماً في مقر الشرطة الاتحادية بكوريتيبا جنو البرازيل، وحرم من خوض انتخابات 2018 بموجب قانون الصحيفة النظيفة، وأفرج عنه في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بعد حكم للمحكمة العليا ضد التنفيذ المسبق للعقوبة. وفي 8 مارس 2021 ألغى القاضي إديسون فاشين الإدانات، لأن محكمة كوريتيبا لم تكن مختصة، وأيدت المحكمة العليا القرار في 15 إبريل بأغلبية ثمانية أصوات مقابل ثلاثة. وقبل ذلك، في 23 مارس، رأت المحكمة بأغلبية ثلاثة أصوات مقابل اثنين أن القاضي مورو الذي لم يكن محايداً.
عودة لولا
عاد لولا بعد استعادة حقوقه السياسية إلى الساحة الانتخابية، وفاز في جولة 30 أكتوبر 2022 بنحو 50.9% مقابل 49.1% لجايير بولسونارو، وهي أضيق نتيجة في تاريخ الانتخابات الرئاسية البرازيلية. وكان نائبه جيرالدو ألكمين، خصمه السابق في 2006. وأعقب ذلك اقتحام أنصار بولسونارو مباني البرلمان والمحكمة الفيدرالية العليا والقصر الرئاسي في يناير 2023. وأدين بولسونارو لاحقاً بمحاولة الانقلاب، وحكم عليه بالسجن 27 عاماً.
لعل أبرز ما حققه لولا هو مسحه البرازيل من خريطة الجوع العالمية في 28 يوليو 2025
لعل أبرز ما حققه لولا هو مسحه البرازيل من خريطة الجوع العالمية في 28 يوليو 2025، بعد أن هبط سوء التغذية المزمن دون 2.5% وهي المرة الثانية بعد 2014، إذ كانت عادت إليها بعد 2018، إذ تشير تقارير إلى أن أكثر من 40 مليون شخص خرجوا من انعدام الأمن الغذائي في عامين. كما تراجعت البطالة من أكثر من 9% في الربع الثاني من 2022 إلى 5.4% في الربع الثاني 2026. وانحصرت إزالة الغابات لأدنى مستوى لها منذ بدء الرصد عام 1988 بعد قفزة نحو 60% في عهد بولسونارو الأب، كما رأست البرازيل مجموعة العشرين في ريو دا جانيرو عام 2024، وأطلقت التحالف العالمي ضد الجوع والفقر بتأييد 82 دولة، ثم رأست وشاركت بتأسيس مجموعة "بريكس" في 2025.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗