المحكمة تقرّر إغلاق "مدى مصر" وتغرّم لينا عطا الله 3 ملايين جنيه
قضت الدائرة التاسعة في محكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة المستشار محمد مبارك، بإغلاق موقع "مدى مصر" وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله 3 ملايين جنيه في ختام جلسة محاكمتها بتهمة إدارة موقع من دون ترخيص، الثلاثاء.
واحتجزت قوات الأمن عطا الله عقب صدور الحكم، إذ ستظلّ قيد التوقيف إلى حين دفع الغرامة، وفي حالة عدم دفعها ستحوّل إلى السجن.
وفرضت المحكمة الحد الأقصى للغرامة المقرّرة قانوناً لهذا الاتهام، في حكم يهدّد بإغلاق واحدة من أبرز المنصات الصحافية المستقلة في مصر، بعد سنوات من النزاع بشأن طلبات ترخيص الموقع، التي تقول إدارته إنها قدمتها إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منذ عام 2018 دون أن تحصل على ترخيص.
وقال حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي حضر الجلسة، لـ"مدى مصر"، إنّ المحكمة رفضت طلبات الدفاع الإجرائية، بما فيها الحصول على وقت كافٍ للاطلاع على أوراق القضية وضم مستندات أو سماع شهود، قبل أن تطلب من المحامين تقديم مرافعتهم.
وبحسب روايته، تمسك فريق الدفاع، المكون من ثمانية محامين، بعدم المرافعة في ظلّ عدم الاستجابة لطلباته، فقرر رئيس المحكمة انتداب محامٍ للدفاع عن عطا الله، رغم وجود محامييها الأصليين داخل القاعة. واعترض أعضاء الفريق على هذا الإجراء، كما أعلنت لينا عطا الله نفسها رفضها أن يتولى محامٍ منتدب الدفاع عنها، لكنّ رئيس المحكمة رفض، وفقاً لبهجت، إثبات اعتراضها في محضر الجلسة. وأضاف أن رئيس المحكمة شرع بنفسه في تسجيل طلبات المحامي المنتدب في محضر الجلسة، قبل أن يتلو حكم الإدانة، وسط اعتراضات فريق الدفاع. وعقب الحكم، أحاط أفراد الأمن بعطا الله وحملوها إلى خارج القاعة.
تعود القضية إلى تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا مع لينا عطا الله في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، التي استمرت أكثر من ستّ ساعات، بشأن ادعاءات شملت إدارة موقع دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة. وأمرت النيابة بإخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه، قبل أن تحيلها في اليوم التالي إلى المحاكمة بتهمة تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، محدّدة جلسة اليوم لنظر القضية.
ولم يتضمن قرار الإحالة اتهام نشر الأخبار الكاذبة، وفقاً لما نشره "مدى مصر" ومحاموها. لكن سرعة إحالة القضية، بعد ساعات من انتهاء التحقيق، أثارت انتقادات حقوقية وصحافية، خصوصاً مع تحديد أولى جلساتها بعد أقل من أسبوع.
وقالت إدارة "مدى مصر" إنها تقدمت بطلب ترخيص في أكتوبر 2018، ثم أعادت التقدم في أغسطس/ آب 2020 بعد صدور اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الصحافة والإعلام. ولم تتلقَّ رداً على الطلبَين، بحسب روايتها، قبل أن تعرف في عام 2022 أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رفض طلبها، دون إخطارها بالقرار على النحو الواجب.
وطعنت المؤسسة على قرار الرفض أمام مجلس الدولة في 2022. وخلال نظر الدعوى في العام التالي، أبلغ المجلس الموقع بأن الطلب لم يستوف بعض البيانات والمستندات المطلوبة، فتقدم "مدى مصر" بطلب جديد يتضمن المستندات الإضافية في يونيو/ حزيران 2023، من دون أن يتلقى أي رد حتى اليوم.
ويمنح قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 المحكمة، بموجب المادة 105، سلطة فرض غرامة تتراوح بين 1 مليون و3 ملايين جنيه على المخالفات التي تشمل تشغيل موقع دون ترخيص، إلى جانب إغلاق الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة، كما ينص القانون على مضاعفة الغرامة في حالة تكرار المخالفات.
وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد طالبت، قبل جلسة المحاكمة الثلاثاء، السلطات المصرية بإسقاط القضية، معتبرةً أن إحالة لينا عطا الله للمحاكمة تمثل "تصعيداً جديداً ضد الإعلام المستقل". وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، بسام خواجة: "لا ينبغي لأي صحافي أن يواجه ملاحقة جنائية بسبب أداء عمله"، محذراً من أن القضية تثير مخاوف بشأن استخدام متطلبات الترخيص لتقييد وسائل الإعلام المستقلة.
وأشارت المنظمة في بيان إلى أنّ القانون المصري لتنظيم الصحافة والإعلام يلزم المواقع بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكنه يثير، بحسب تقديرها، إشكالات عندما لا تستجيب السلطات لطلبات الترخيص أو ترفضها دون إخطار واضح، ثم تستخدم الوضع القانوني الناتج عن ذلك أساساً للملاحقة.
جاءت محاكمة لينا عطا الله بعد سلسلة من الإجراءات التي طاولت "مدى مصر"، الذي أشار إلى أن هذه سادس قضية يواجهها الموقع وصحافيوه خلال السنوات الست الماضية. كان آخرها في أغسطس 2025، حين أخلت نيابة أمن الدولة سبيل عطا الله مقابل كفالة قيمتها 30 ألف جنيه، بعد أن وجّهت لها اتهامات بـ"إذاعة أخبار كاذبة" و"استخدام موقع بدون ترخيص"، بسبب نشر الموقع تقريراً تضمّن شكاوى بشأن انتهاكات مزعومة داخل سجن بدر 3.
كذلك، استدعت جهات التحقيق عطا الله وصحافيين من الموقع في سبتمبر/ أيلول 2022، في قضية تضمنت اتهامات بنشر أخبار كاذبة والإضرار بالمصلحة العامة، كما استدعاها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للتحقيق في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.
وتزامنت القضية الجديدة مع تصاعد الضغوط على منصات صحافية مستقلة أخرى؛ إذ لا يزال ستة صحافيين من منصة متصدقش رهن الحبس الاحتياطي منذ القبض عليهم في أواخر سبتمبر الماضي، وفق "هيومن رايتس ووتش"، التي أشارت إلى أن الملاحقة القضائية لعطا الله تأتي ضمن سياق أوسع من التضييق على الإعلام المستقل. ودعت المنظمة السلطات المصرية إلى إسقاط الاتهامات الموجهة إلى عطا الله، ومنح "مدى مصر" الترخيص الذي تقول المؤسسة إنها سعت للحصول عليه مراراً، وإنهاء الملاحقات المرتبطة بالعمل الصحافي.
وعبّر العديد من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية عن تضامنها مع لينا عطا الله، وسط تساؤلات بشأن استخدام إجراءات الترخيص في ملاحقة مؤسسة صحافية تقول إنها تقدمت بطلبات متكرّرة للحصول على ترخيص دون أن تتلقى رداً حاسماً.
وتحوّلت المحاكمة إلى محور تغطيات ومواقف تضامنية نشرتها منصات ومواقع صحافية، من بينها "الموقف المصري" و"أحوال مصرية" و"القصة"، إلى جانب مؤسسات حقوقية، في مقدمتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ولجنة العدالة، ولجنة حماية الصحافيين.
وفي تحرك دولي بارز، وقعت 119 منظمة ومؤسسة إعلامية وحقوقية من أنحاء العالم نداءً مشتركاً ضدّ إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة، معتبرين ذلك "تصعيداً غير مسبوق يهدّد مستقبل الصحافة المستقلة" في مصر. وضمت قائمة الموقعين منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ولجنة حماية الصحافيين، ومنظمة المادة 19، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومنظمة القلم الدولية، إلى جانب مؤسسات حقوقية وإعلامية مستقلة من مصر والمنطقة العربية ودول أخرى.
وطالب الموقعون السلطات المصرية بإنهاء ملاحقة عطا الله، ومنح "مدى مصر" الترخيص وفقاً للقانون، ووقف استهداف المؤسسات الإعلامية المستقلة، والإفراج عن الصحافيين المحتجزين بسبب عملهم.
وكان "مدى مصر" قد أشار إلى اجتماع عقد في نقابة الصحافيين، السبت الماضي، بمشاركة صحافيين مستقلين وأعضاء في الجمعية العمومية للنقابة، للتضامن مع الموقع وإدانة ما وصفوه بـ"الهجمة على الصحافة المستقلة". كذلك، أعلن موقع خط 30 المستقل تضامنه مع عطا الله وفريق الموقع، معتبراً أن محاكمة المؤسّسة بسبب عدم حصولها على ترخيص، بعد سنوات من تعثر الاستجابة لطلباتها، تهدّد العاملين في الصحافة المستقلة عموماً.
وتأتي هذه المواقف في وقت تواجه فيه منصة متصدقش قضية منفصلة بعد القبض على كامل فريقها الصحافي في سبتمبر الماضي. ويربط بعض المدافعين عن حرية الصحافة بين القضيتَين في سياق المخاوف من تصاعد الضغوط القانونية على المؤسسات التي تنشر تحقيقات وتغطيات تتعلق بالشأن العام.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗