مضيق هرمز: حربٌ على الناقلات... والكابلات أيضاً
في عالمٍ باتت فيه مليارات الدولارات تتحرّك عبر نبضات إلكترونية لا تراها العين المجرّدة، لم تعد أحدث الطائرات المقاتلة وأكثر الأسلحة تطوّراً وحدها ما يحسم المعارك، بل أصبحت القدرة البسيطة على قطع الشبكات التي تُدير الاتصالات العالمية سلاحاً لا يقلّ فتكاً.
تعمق أكثر
فحين أعلن الحرس الثوري الإيراني، في العشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، أنّ طهران ستستهدف كابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر وبحر العرب إذا عاودت الولايات المتحدة الحرب على إيران، لم يكن يُطلق تهديداً عسكرياً تقليدياً، بل كان يلوّح بسلاحٍ اقتصادي قادر على شلّ عصب التجارة الرقمية العالمية.
فالكابلات البحرية، التي يظنّ كثيرون خطأً أنّ الأقمار الصناعية تُغني عنها، هي الشريان الخفيّ الذي يضخّ أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية. وقطعُها لا يعني انقطاع مقاطع الفيديو الترفيهية فحسب، بل قد يعني توقّف تحويلات مالية بمليارات الدولارات، وتعطّل سلاسل إمداد تمتدّ من الخليج إلى أوروبا وآسيا. إنّه تهديد يجعل من قعر البحر ساحة معركة جديدة، ومن الاقتصاد الرقمي رهينةً في يد من يملك مقصّاً قادراً على قطع أوتار العالم.
ويكمن جوهر الخطورة في أنّ هذا التهديد لا يستهدف منشآت عسكرية، بل البنية التحتية الرقمية التي تقوم عليها اقتصادات دول الخليج بأكملها. فدبي وأبوظبي، اللتان تحوّلتا إلى مركزين ماليين عالميين، تعتمدان على اتصالٍ لحظي دائم بالمؤسسات المالية في نيويورك ولندن وهونغ كونغ وسنغافورة وشنغهاي.
وإذا تعرّضت الكابلات المارّة عبر مضيق هرمز لقطعٍ متزامن، فقد تجد المصارف الإماراتية نفسها عاجزة عن إتمام عمليات التحويل والتسوية المالية في الوقت الفعلي، فيما تنقطع شركات التداول والاستثمار عن الأسواق الخارجية التي تتنفّس منها، وتتعثّر خدمات الحوسبة السحابية التي تعتمد عليها آلاف الشركات في عملها اليومي. ولا يتوقّف الأمر عند حدود الإمارات، بل يمتدّ إلى السعودية وقطر والبحرين والكويت، حيث ستكون أنظمة الدفع الإلكتروني والحجوزات الجوية في مرمى الاضطراب، فضلاً عن التجارة الدولية التي تربط المنطقة بأسواق العالم.
والأخطر من ذلك، أنّ قطاع النفط والغاز نفسه، وإن استمرّت منشآته الإنتاجية في العمل، ستبقى معاملاته المقدّرة بمليارات الدولارات عالقة في دوّامة التأخير؛ لأنّ تصدير النفط والغاز يحتاج إلى قنوات اتصال دولية تُمرَّر عبرها العقود والوثائق المالية وبيانات الشحن، وتُصان من خلالها حلقة الوصل بين الموانئ وشركات التأمين.
وحتى موانئ الخليج لن تسلم من هذا التهديد غير المسبوق، إذ قد تشهد اختلالاً في أنظمة الحجز والتخليص والشحن وتراكماً للحاويات، ما سيؤدّي حتماً إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ضمن سلسلة من الارتدادات التي تضرب الاقتصاد الحقيقي، لا الافتراضي فحسب. أمّا الولايات المتحدة، فحساباتها في هذه المعادلة أعقد بكثير ممّا يبدو للوهلة الأولى. ففي منطقة الخليج استثمارات رقمية ضخمة لشركات أميركية كبرى، مثل أمازون وغوغل ومايكروسوفت وأوراكل، تقدّم خدماتها السحابية لمؤسسات مالية وحكومية وتجارية على حدٍّ سواء.
وإذا قُطعت الكابلات، فقد تجد هذه الخدمات نفسها معزولة عن شبكاتها الدولية، أو عاجزة عن الاتصال بالعالم الخارجي، وهو ثمنٌ قد تدفعه أطراف من خارج المنطقة أيضاً. وممّا يزيد الطين بلّة أنّ قطع كابلات الإنترنت في البحر الأحمر، أحد أهمّ الممرّات البحرية لنقل البيانات بين أوروبا وآسيا، بالتزامن مع مضيق هرمز، سيجعل الضرر يتخطّى العواصم الخليجية ليطاول شركات التكنولوجيا والبنوك في أوروبا ودولٍ آسيوية أخرى.
غير أنّ ما يفوق القطع ذاته خطورةً، تعقيد عملية الإصلاح. فالكابلات البحرية لا تُستعاد بلمسة واحدة، بل تتطلّب سفناً متخصّصة وتجهيزات مكلفة وخطوات معقّدة لتحديد مواضع القطع وانتشال الكابلات وإصلاحها. وإذا استمرّت الحرب وما يرافقها من استهداف للكابلات، فلن يعود الحديث عن أيام من الاضطراب، بل عن أسابيع من الأزمة قد تمتدّ إلى أشهر. وحتى لو حُوِّل بعض الاتصالات عبر مسارات بديلة، فإنّ قدرة هذه المسارات على استيعاب حركة البيانات ستتعرّض لضغط هائل إذا قُطعت عدّة مسارات رئيسية في آنٍ واحد.
وهكذا تُثبت طهران أنّها ليست بحاجة إلى إطلاق الصواريخ على مصرف أميركي أو مركز بيانات في الخليج كي تصيب الاقتصاد في مقتل، بل يكفيها أن تعطّل الجسور الرقمية التي تصل هذه المؤسسات بالعالم، لتُدخلها في حالة شلل تامّ قد تجرّ القطاع المصرفي والخدمي في الشرق الأوسط وأجزاء واسعة من العالم إلى حافة الانهيار. وحتى مع توافر بدائل مثل "ستارلينك"، الذي سيزيد إيلون ماسك ثراءً إذا تنامى الطلب عليه، فإنّه يظلّ حكراً على الشركات والأثرياء وأصحاب الدخول المرتفعة، لا خياراً متاحاً لكلّ مواطن ومقيم في دول الخليج.
وهنا يتجلّى البعد الاستراتيجي الأعمق لهذا التهديد غير المسبوق، فهو ليس مجرّد سلاح انتقامي، بل ورقة ضغط قابلة للاستخدام في أيّ مواجهة مستقبلية. فإيران تدرك أنّ الاقتصاد الرقمي بات الخاصرة الرخوة للخليج، وأنّ قطع كابلات الإنترنت أرخص وأسرع من أيّ مواجهة عسكرية مباشرة. ومن ثمّ، يصبح تأمين هذه الكابلات أولوية وجودية لا ترفاً تقنياً، وهو ما يستدعي تنسيقاً خليجياً-دولياً عاجلاً قبل أن يتحوّل التهديد إلى واقع لا تُحمد عقباه.
خلاصة القول، أنّ مواجهة تهديد من هذا النوع لا يكفيها الردّ العسكري التقليدي، بل يكمن الحلّ الأنسب في استراتيجية ثلاثية الأبعاد: أولاً، تعزيز البنية التحتية البديلة عبر استثمار خليجي جماعي في كابلات بحرية متعدّدة المسارات، تُستكمل بشبكات الأقمار الصناعية منخفضة المدار باعتبارها وسيلة احتياطية طارئة للمنشآت الحيوية، مع إتاحة الخدمات الأساسية بأسعار مدعومة تضمن وصولها إلى الجميع، لا إلى نخبة الأثرياء وحدهم.
أما ثانياً، فيكمن في بناء منظومة إقليمية للإنذار المبكر وحماية الكابلات، تشمل دوريات بحرية مشتركة وقدرات إصلاح سريعة. وثالثاً، إدراج أمن البنية التحتية الرقمية في أيّ مفاوضات سياسية أو أمنية مع طهران، باعتباره خطّاً أحمر لا يقلّ أهمية عن أمن الملاحة النفطية. فالعالم الذي يقوم على نبضات إلكترونية لا يحتمل أن يبقى رهينة مقصٍّ واحد في قعر البحر.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗