28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/37067

ألمانيا شيء آخر يا عزيزي

بعد سقوط نظام الأسد، استحضر كثيرون منّا ألمانيا واليابان نموذجَين لشعوب خرجت من تحت الركام، وحوّلت هزيمة الحرب ودمارها إلى فرصة لبناء اقتصادَين قويَّين. لكن هل يكفي أن نضع التجربتَين أمامنا كي نطمئن إلى أن ما حدث هناك يمكن أن يتكرّر هنا؟ وهل يكفي أن يكون هناك دمار وأنقاض في الشوارع وحروب ومآسٍ في البيوت حتى ننجح في سورية كما نجح الألمان واليابانيون، أم هناك اختلافات عميقة في تركيبة وثقافة المجتمعات، واختلافات جوهرية في طبيعة "الدولة" التي عاشت الحرب، تجعل من الصعب وغير المنطقي حتى مجرّد المقارنة؟

أول ما ينبغي تذكّره أن ألمانيا واليابان، رغم هزيمتهما المدمّرة، لم تبدآ من الصفر. كانتا من أكثر الدول تقدّماً قبل الحرب العالمية الثانية، وكانتا تمتلكان قاعدة علمية وصناعية وتقنية متقدمة، وخبرات بشرية ومؤسّسات وتقاليد إنتاج راسخة. ثم أسهم مشروع مارشال في إنعاش اقتصادات أوروبا الغربية. لذلك لم يكن النهوض معجزة، بل حصيلة تلاقي الخبرة ورأس المال والمؤسّسات والإرادة السياسية والظروف الدولية، وطبيعة الشعوب ذاتها التي تملك كل المؤهلات للنهوض من جديد.

أما سورية، فقد خرجت من حرب طويلة بعدما دُمّرت مدنها، واستُنزفت مواردها، وتشرّد ملايين من أبنائها. وهي بالأصل لم تدخل الحرب دولة صناعية متقدّمة تنتظر إعادة تشغيل مصانعها، بل كانت تعاني أصلاً من الفقر والبطالة والفساد وضعف الإنتاج واحتكار السلطة والثروة. لم يكن الدمار وحده ما يحتاج إلى معالجة، كانت هناك دولة متأخرة جداً ومختطفة. مؤسسات أُضعفت، ومجتمع أثقلته الانقسامات والخوف وانعدام الثقة.

وهذا يقود إلى المسألة الأصعب، نحن لدينا مشكلة اسمها الإنسان ذاته. الإنسان الذي سيبني وينهض، هل هو ذاته، هل يشبه السوري نظيره الألماني أو الياباني في شيء؟ ... على سبيل المثال، أدّت النساء في ألمانيا ما بعد الحرب دوراً بارزاً في إزالة الأنقاض وإعادة الحياة إلى المدن، بعد أن شمّرن عن سواعدهنّ ونزلن إلى الشوارع، وبعدما خلّفت الحرب خسائر بشرية هائلة بين الرجال. أما نحن ورغم صمود السوريات ودفعهن أثماناً باهظة، وجدن أنفسهنّ بعد سقوط النظام أمام مواجهة من نوع آخر، مواجهة مع ثقافة ذكورية ومفاهيم ترى ضرورة فرض مزيد من القيود عليهنّ في مكان العمل، وقيود أخرى لها علاقة بفرض نمط معين من اللباس، وكأنّ مشكلة سورية الأساسية ليس النهوض وإعادة البناء، بل المرأة بحدّ ذاتها وشكلها ولباسها وظهورها في المجال العام. وهذا يعني إغلاق الأبواب أمام نصف طاقة المجتمع.

ثم هناك خصوصية الشعوب، ثقافة الحياة اليومية، احترام الوقت، وإتقان العمل، والمحافظة على الممتلكات العامة، والشعور بأن المدينة مسؤولية مشتركة. بكل تأكيد ليست هذه صفات وراثية للألمان، ولا عيوباً فطرية لدى السوريين، لكنها سلوكيات تصنعها التربية والتعليم والقانون.

صحيح أنه لا يجوز اختزال المجتمع السوري في الطائفية والعادات، لكن إنكار أثر التعصب والتطرف الديني والتمييز والانقسامات المجتمعية العميقة لا يساعد على تجاوزها ولا يساعد في عملية إعادة الإعمار، هذه العملية تحتاج قبل كل شيء إلى عقد اجتماعي يساوي بين المواطنين، وقضاء مستقل، وإدارة ذات كفاءة، ومحاسبة للفساد، وتعليم يشجع التفكير والمسؤولية، لا الطاعة والخوف. أين نحن من ذلك كله اليوم؟

لا يكفي إسقاط نظام كي نبني دولة، ولا رفع الأنقاض كي ننهض. صحيح أنّنا لسنا مضطرين إلى استنساخ تجارب الآخرين، لكن علينا فهم شروط نجاحها والاعتراف بمشكلاتنا. سورية تحتاج إلى مؤسسات تحمي الإنسان، وتكافئ العمل، وتحترم القانون، وتمنح النساء والرجال فرصة المشاركة. عندها فقط يصبح الركام ورفع الأنقاض من الشوارع بداية ممكنة، وعندها فقط يمكن عقد المقارنة.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.