يوسف العظمة... زمانان في بيت واحد
لا يكاد يوجد في سورية، وفي مدى أوسع من الوطن العربي، من لم يمرّ به اسم يوسف العظمة مختصراً في سطر واحد: الضابط الذي قاتل الاستعمار الفرنسي دفاعاً عن دمشق، واستشهد في ميسلون عام 1920. غير أن الرمز كلما اكتمل ضاق المكان المتروك للإنسان الذي صار رمزاً، فيكتفي الناس بالاختصار، ثم نكتشف أن الرجل مجهول بقدر ما يلمع اسمه. كل ما نعرفه أنه رمز وطني. نقطة، ولا سطر جديد.
هذا السطر الواحد كان موضع المساءلة في الندوة التي احتفى فيها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساء الاثنين، بصدور كتاب "يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي" (الدوحة، 2026).
خطاطة تاريخ
فالعنوان يوحي بمحطتين متعاقبتين، غير أن المؤرخ السوري عزيز العظمة، الذي أشرف على الكتاب وحرّره وقدّم له، رفض في ردّه على سؤال من الحضور أن يُقرأ مسار يوسف وفق "خطاطة" انتقال بسيطة من العثمانية إلى العروبة.
والخطاطة في لغة المؤرخين قالب ذهني جاهز يرتّب الوقائع قبل النظر فيها ويُسقط منها ما لا يناسبه، وقالب يوسف المتداول خطّي، يبدأ عثمانياً وينتهي عربياً، فتُرسم الحياة سلفاً ثم تُقرأ الوثائق في ضوئها. ودور الكتاب كما يرى المشاركون في الندوة بناء سيرة ورؤية طبقاً للواقع وتحولاته الكبرى على الفرد والجماعة.
ضاعت مقتنيات يوسف العظمة التي كانت في المتحف الحربي
شاركت في الندوة المؤرخة التركية غولسوم بولاط، مؤلفة كتاب عن العلاقات التركية العربية بين 1914 و1923، ونوف الخشمان، مديرة المكتبة في معهد الدوحة للدراسات العليا، التي أعدّت مع إسلام زهران الأرشيف الرقمي ليوسف العظمة، وأدارها الباحث السوري محمد جمال باروت، صاحب فصلين في الكتاب.
وافتتح باروت الندوة بملاحظة أن يوسف العظمة يكاد يكون الاستثناء الوحيد بين الشخصيات السياسية والعسكرية الذي يحظى بإجماع الذاكرة الجمعية السورية، مع أن تاريخه ما يزال مجهولاً إلى حد بعيد. فهو لم يكتب مذكرات ولم يترك رسائل شخصية، لذلك انصرف الفريق، الذي ضم أحد عشر باحثاً عرباً وغربيين، إلى إعادة بناء مصادر حياته من نحو 12 ألف وثيقة في الأرشيفات العثمانية والبريطانية والفرنسية وما نجا من الأرشيف الألماني، ومن بينها برقيات تبادلها مع الأمير زيد حين كان معتمداً عربياً في بيروت، تضيء مرحلة بقيت مجهولة حتى وقت قريب.
وترى نوف الخشمان أن العقبة كانت في تشتّت الوثائق بين البلدان واللغات والخطوط أكثر منها في ندرتها، وأن الأرشيف الرقمي الذي جمعها في مكتبة المركز والمعهد سيُفتح لاحقاً للباحثين من خارجهما. فالمشروع عندها يبدأ من جمع الوثائق، ويمضي إلى تحويلها نظاماً يصونها ويتيحها، ومورداً للبحث وإنتاج المعرفة.
زمانان
إن كان للرجل زمانان، فأين الحد الفاصل بينهما؟ الوثائق التي عرضتها بولاط ترسم حداً يبدو واضحاً. ضابط عثماني وُلد في دمشق عام 1884، تخرّج ثانياً في دفعته، وقاتل في غاليبولي (جناق قلعة)على جبهة أنافارتا، ورافق القائد العسكري أنور باشا في جولته إلى سورية والعراق، ثم عمل ضابط ارتباط ومترجماً وحضر مفاوضات بريست-ليتوفسك. وبعد هدنة مودروس (1918) غادر إسطنبول إلى دمشق، ولم يعد إليها.
انتهى زمانا العظمة معاً بانهيار دولتيهما الإمبراطورية والمملكة
غير أن هذا الحد يتلاشى عند عتبة البيت. فقد كان يوسف يتقن عدة لغات ويكلّم أسرته بالتركية، وبها كتب معظم مراسلاته العائلية، فيما تشهد برقياته على عربية جيدة. ويعيد باروت ذلك إلى أسرة تركمانية تعرّبت منذ أجيال، فيما يشبّه عزيز العظمة حضور التركية في دمشق آنذاك بحضور الفرنسية في المغرب اليوم، لغةً للإدارة والتعليم والمراسلة، وقد بقيت العربية لغة الحياة الاجتماعية.
ظلت زوجته، ابنة وزير عثماني سابق، في إسطنبول، وعاشت ابنته الوحيدة ليلى هناك بعد زواجها. وفي دمشق كان له بيت لدى أسرة عزيز العظمة، فهو عمّ جدّه نبيه، وقد تربّيا معاً لقربهما في السن.
عروبة جنينية
ويقرأ عزيز العظمة هذا التجاور في ضوء الدولة التي خدمها يوسف. فالعروبة كانت في أواخر حياته "فكرة جنينية"، ولم تكن بالتالي هوية سياسية، بينما ارتبطت هويته الأساسية بالدولة العثمانية وخدمتها، ولم تتشكّل حول انتماء قومي تركي أو عربي مكتمل.
تعمق أكثر
كان ابن جهاز دولة إصلاحي، وتحديداً سلك الضباط المتعلمين أصحاب اللغات والأفكار الحديثة، في دولة ناطقة بالتركية ومتعددة العناصر، لم تتقدم فيها فكرة الأمة التركية إلا عند بعض الضباط قبل أن يحوّلها مصطفى كمال إلى دولة-أمة.
ويذهب إلى إقرار لافت: لا نعرف بالدقة ما الذي دفع يوسف إلى الانخراط في الدولة العربية، وهو لم يكن من أنصارها قبل ذلك. وتجاور الزمانان في السياسة أيضاً. إذ حاول يوسف، بعد انتقاله إلى سورية، أن يصل مقاومة الأتراك للاستعمار في الأناضول بمقاومة عرب المشرق للبريطانيين والفرنسيين، في جبهة متصلة بين سورية والأناضول.
وتشير بولاط إلى أدلة على صلته بحركة الكفاح الوطني التركية، وترجّح أنه لو عاش لأدّى دوراً في الوصل بين البلدين.
هكذا يبدو "الزمان العربي" نفسه وقد تغذّى من رفاق السلاح العثمانيين، قبل أن ينتهي في ميسلون. وبقيت المعركة التي صنعت الرمز على هامش النقاش، إذ غاب عن المنصة الذي كتب فصلها في الكتاب أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث مايكل بروفانس.
تعتيم أيديولوجي
وللرمز حياة بدأت حين انتهت حياة صاحبه. قدّم عزيز العظمة إطلاق الكتاب مناسبة وطنية في وقت تُهمَّش فيه رموز بناء الدولة السورية، وتتقدم تيارات تنادي على الطوائف والمذاهب والقبائل، بغية العمل على هندسة اجتماعية وأيديولوجية تشرذم الكيان الوطني، وهذا على نقيض ما سعى إليه يوسف العظمة.
واستعاد صوراً من إهمال الدولة لذاكرة من تُجمع عليه ضمن سياسة تعتيم أيديولوجي تضافرت في سني الحكم البعثي، نجم عنها تهتك السياسات الثقافية خصوصاً إبان عهد الأسد الابن. ضاعت مقتنيات يوسف العظمة التي كانت في المتحف الحربي، وتحول بيته في دمشق من متحف إلى "مهجع خرب وقذر لعناصر أجهزة الأمن".
انتهى كل واحد من زماني يوسف العظمة بانهيار دولة: إمبراطورية تفككت أمام عينيه، ومملكة لم تعش أكثر من بضعة أشهر. واليوم يُستدعى اسمه حارساً لدولة لم تستقر بعد على هويتها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗