إضراب المعلمين في السودان... تهديد بفقدان سنة دراسية إضافية
تضاعفت أزمات قطاع التعليم في السودان نتيجة استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وقرّر المعلمون أخيراً اللجوء إلى الإضراب احتجاجاً على تراكم مشكلاتهم.
بدأت لجنة المعلمين السودانيين (كيان نقابي) إضراباً مجدولاً عن العمل بالتزامن مع انطلاق السنة الدراسية الجديدة في 11 ولاية خاضعة لسيطرة الحكومة الاتحادية التي يديرها الجيش السوداني، في حين تسيطر حكومة "تحالف تأسيس" المكوّنة من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو على معظم ولايات إقليم دارفور الخمسة وأجزاء من ولايتَي شمال وجنوب كردفان.
وقرّرت لجنة المعلمين السودانية اللجوء إلى الإضراب احتجاجاً على عدم تنفيذ المطالب التي تقدمت بها لمرات عديدة إلى جهات الاختصاص الرسمية، ومن بينها صرف متأخرات الاستحقاقات المالية التي توقفت منذ اندلاع الحرب قبل نحو 42 شهراً، ورفع الأجور التي تآكلت بسبب تدني سعر صرف الجنيه السوداني، إذ أصبح الأجر الشهري للمعلم لا يتجاوز 25 دولاراً، إضافة إلى منح معلمي ولايات كردفان ودارفور أجورهم التي توقفت منذ بداية الحرب بحجة وجودهم في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، وتأهيل أو ترميم المدارس التي نهبت محتوياتها أو دمرت بفعل الحرب، وتوفير الكتاب المدرسي الذي أصبح معدوماً في مختلف المدارس.
وبينما تتزايد الحاجة إلى استعادة استقرار المؤسسات التعليمية وضمان حق ملايين الأطفال في التعلم، تتجه الأزمة نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع تجاهل السلطات مطالبات المعلمين المتكررة بحقوقهم. ووفقاً للجنة المعلمين، فإن الإضراب المجدول الذي بدأ في ولاية الخرطوم، سيشمل كل الولايات في حال لم تستجب السلطات للمطالب، وتعالج أوضاع المعلمين المعيشية والمهنية، إلى جانب إقرار رفع ميزانية التعليم إلى 20% من الموازنة العامة.
ويعيش آلاف المعلمين أزمات خانقة نتيجة ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات، وتردي الخدمات الأساسية، وتزداد الأزمات حدة في ولايات إقليمَي كردفان ودارفور، إذ يواجه المعلمون أوضاعاً أكثر تعقيداً بعد أن حرموا من أجورهم بسبب وجودهم في مناطق تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع، ما يثير تساؤلات بشأن مصير حقوقهم المالية المتأخرة، والجهة المسؤولة عن ضمان حصولهم على تلك المستحقات.
وبالتوازي مع أزمة الأجور، تتفاقم التحديات التي تواجه المدارس الحكومية، وغالبيتها تعاني من تدهور البنية التحتية، وغياب الصيانة، ونقص مختلف المستلزمات المدرسية. وبحسب إفادات معلمين، يكتسب إضراب معلمي الخرطوم أهمية خاصة بالنظر إلى الحجم والثقل الكبير للعاصمة، واحتمال تحوله إلى نقطة انطلاق لتحرك أوسع يشمل ولايات أخرى في ظل تشابه المطالب.
وتتهم لجنة المعلمين السودانية السلطات بمحاولة رفع يدها عن التعليم الحكومي عبر وقف الإنفاق عليه حتّى تضطر الأسر إلى إلحاق أبنائها بالمدارس الخاصة. ويصف المتحدث باسم لجنة المعلمين، سامي الباقر، الطريقة التي تتعامل بها السلطات مع مطالب المعلمين بأنها "تكشف عن رغبتها في وقف الإنفاق على التعليم الحكومي لصالح التعليم الخاص".
ويقول الباقر لـ"العربي الجديد" إنّ "أهم مطالب الإضراب هو الضغط على الحكومة لزيادة الإنفاق على التعليم، ورفع الحد الأدنى لأجور المعلمين، وجعل الإنفاق على التعليم مركزياً بدلاً من تركه للولايات، وإنهاء مشكلة معلمي كردفان ودارفور الذين توقفت أجورهم، وتنفيذ الترقيات المؤجلة منذ فترة في بعض الولايات، وتسديد المتأخرات المتراكمة منذ عام 2023. كررنا المطالبة بتهيئة البيئة المدرسية التي أصبحت طاردة، وصيانة المرافق الخدمية مثل الحمامات، وتوفير الكتاب المدرسي الذي لم يطبع منذ سنوات".
ووجدت آلاف الأسر في ولاية الخرطوم نفسها أمام تعقيدات هائلة بسبب استمرار إضراب المعلمين الذي حال دون إرسال أبنائها إلى المدارس الحكومية، في الوقت الذي ارتفعت فيه الرسوم السنوية في المدارس الخاصة إلى أرقام تفوق مقدرتها المالية.
يقول إبراهيم سليمان، وهو موجّه تربوي متقاعد لـ"العربي الجديد" إن "قطاع التعليم يواجه أزمة حقيقية تستحق الوقوف عندها من الدولة التي تتجاهل التعليم تماماً، وحولت كل الميزانية إلى الإنفاق على الحرب المستمرة، ومع تدهور سعر صرف العملة الوطنية وجد المعلمون أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى المدرسة، أما مسألة معيشتهم فأصبحت صعبة للغاية. استمرار هذا الوضع يهدد مستقبل التعليم الذي يعاني أصلاً من مشكلات كثيرة، وستتطور هذه المشكلات، ويكون ضحيتها مزيد من الأطفال الذين يخسرون فرصتهم في التعليم".
بدوره، يقول أحمد علي، وهو معلم ثانوية في ولاية شرق دارفور، لـ"العربي الجديد": "قررت الدولة رفع يدها عن التعليم، وتركه للقطاع الخاص من دون مراعاة لحقوق الأطفال، أو أولياء الأمور الذين أفقرتهم الحرب، وأصبحوا غير قادرين على توفير وجبة الإفطار، فكيف يدفعون الرسوم الباهظة للمدارس الخاصة التي تشجعها الحكومة طوال السنوات الثلاث الماضية، ما جعل أعدادها تتضاعف".
يضيف علي: "إيقاف أجور المعلمين في كردفان ودارفور بحجة وجودهم في مناطق قوات الدعم السريع حجة في غاية الغرابة، وكأن الدولة تشترط على المواطن النزوح من بيته من أجل الحصول على حقوقه، وإلا تعاقبه أو تتعامل معه كأنه مجرم. الحكومة المركزية حرمتنا من أجورنا لأكثر من ثلاثة أعوام، وأغلقت المدارس التي كانت تستقبل عشرات آلاف التلاميذ في إقليم دارفور الذي تبلغ مساحته ثلث مساحة البلاد، وفي ذات الوقت لا تهتم بالتعليم في المناطق التي تخضع لسيطرتها".
وتتشابه أوضاع المعلمين في كل ولايات السودان من حيث ضعف الأجور، وتدهور الأوضاع المعيشية، ما يحول دون قيام الكثير منهم بمهمتهم التعليمية. يقول حسن عبد القيوم، وهو معلم من ولاية شمال كردفان، لـ"العربي الجديد": "أجر المعلم في إقليم كردفان لا يتجاوز 200 ألف جنيه، ما يعني أقل من 23 دولاراً أميركياً في الشهر، وأوضاع المدارس سيئة، فبعضها تعرضت للتخريب أو السرقة، ويستخدم الكثير منها كمراكز إيواء للنازحين، ما أدى إلى تدمير محتوياتها، ولا توجد خطط لترميمها، ورغم ذلك قررت وزارة التربية والتعليم فتح المدارس، وكأنّ الأمور يمكن أن تسير بهذه الطريقة غير المستقيمة".
ويضيف عبد القيوم: "لو أنني قررت في الوقت الحالي الذهاب إلى المدرسة، فلن أستطيع لأنني لا أملك كلفة وسيلة النقل العام التي كانت تقلني يومياً من المنزل إلى مكان عملي. أتوقع أن يمتد الإضراب من الخرطوم إلى كردفان خلال الأيام المقبلة لأنّ المعلمين في الأساس غير قادرين على مواصلة التدريس من دون الحصول على أجورهم، وتوفير الأمن لوصولهم إلى المدارس".
وتعليقاً على مطالب لجنة المعلمين، يقول مسؤول في وزارة التربية والتعليم لـ"العربي الجديد" إن "الدولة في وضع اقتصادي شبه منهار، وكل الموارد تذهب لدعم المجهود الحربي، وحالياً ليس هناك أي خيارات توفر دفع مستحقات المعلمين المتأخرة، ورغم تراكمها لسنوات، من المؤكد أنه سيجري الإيفاء بها متى ما توفرت الإمكانيات المالية اللازمة للدفع".
وفي السابع من أغسطس/آب الماضي، قالت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، مخاطبة مجلس الأمن الدولي، إنّ ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل سوداني في سن الدراسة ما زالوا خارج الفصول الدراسية، مع تأثير غير متناسب على ملايين الأطفال النازحين، وخاصة أولئك الذين فروا إلى دول الجوار، وأضافت: "في إقليم دارفور الذي مزقته الحرب، تضرّرت أو دُمّرت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام ما يقرب من ثلاثة أرباع المدارس منذ اندلاع القتال في إبريل/نيسان 2023".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗