28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/36512

ذكرى تشرين في العراق

حضرت أعداد غفيرة إلى ساحة التحرير وسط بغداد وساحات أخرى في محافظات عراقية، إحياءً للذكرى السابعة لتظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019، خصوصاً في موجتها الثانية التي انطلقت في 25 منه. كان استذكاراً جيّداً، ولكنه ليس أكثر من ذلك! حتى المطالب كانت باردة وعمومية، مثل "توفير حياة كريمة للمواطنين، وإنهاء معاناة الشعب العراقي"، هذه ليست مطالب، إنها مجرّد كلمات، أدنى من التي كان يخطّها متظاهرون بسطاء قبل عشر سنوات.

وعلى الرغم من أن بعض المتظاهرين هتفوا بشعارات غير مقبولة من السلطة، مثل "إيران برّه برّه... بغداد تبقى حرّة"، إلّا أن ذلك لم يُجابَه بردّة فعل عنيفة، كما حصل في أيام تشرين. وتفسير ذلك سهل: فالسلطة وأذرعها المليشياوية اليوم ليست مثل السابق؛ إنها تحت ضغط شديد، ولا يخدمها الصدام مع الشباب، خصوصاً أنهم لم يخرجوا من حدود الساحات التي تظاهروا فيها، ولم يرغبوا بالذهاب إلى المنطقة الخضراء، كما حصل في أيام تشرين.

اللافت أنّ أسماء كثيرة كانت في تظاهرات تشرين غابت في هذا اليوم، إمّا لأنّ أصحابها قُتلوا أو أُصيبوا، أو هربوا خارج العراق، أو، وهذا الأكثر درامية، صاروا في صفّ السلطة. وبعضهم تبرّأ من تشرين وصار يشتمها! أما من علّق على مواقع التواصل متفائلاً بأنها عودة لأنفاس تشرين، وأنّ الجمر تحت الرماد ما زال يتوهّج، فلا أعتقد أن حساباته صحيحة؛ فتشرين لحظة تاريخية ستبقى ملهمة ومؤثرة، ولكنّها لحظة تاريخية، وليست تنظيماً سياسياً أو كياناً اجتماعياً متماسكاً، ينام وينهض ويفعل ما يفعل. أما التظاهرات التي يمكن أن تشتعل مستقبلاً فستكون ابنة لحظتها التاريخية، قد تتقاطع وتشترك مع تشرين في كثير من العناصر، ولكنها ستكون بمحرّكات وموجِّهات مختلفة.

كل ما جرى منذ تصفية تظاهرات تشرين 2019 كان يستحق عشرات الوقفات الاحتجاجية، غير أنّ المجتمع إمّا يئس من إمكانية أن تُحدث التظاهرات تغييراً حقيقياً، أو تعرّض للابتزاز والرشوة بالوظائف الحكومية التي أثقلت دوائر الدولة. وكثيرون ممن حضروا في الذكرى السابعة للاحتجاجات، هم من عناصرها الفاعلة، ولكن هؤلاء وحدهم لا يستطيعون تثوير تشرين جديدة، وإنما يحتاجون إلى دخول كتلة اجتماعية جديدة، من الشباب أو من الفئات التي كانت متردّدة سابقاً، وهؤلاء يبدو أن كل الأحداث التي جرت في السنوات الماضية لم تكن كافية لإيقاظ غضبهم وطاقة الاحتجاج في صدورهم، ويحتاجون إلى استفزاز أعمق، أو ربما لن يتحرّكوا أبداً.

أما منظومة السلطة الحاكمة، بشقّيها: الراديكالي والبراغماتي، فلربما كانت تتوقّع أن تكون التظاهرات أوسع، وبالتالي يستفيد كلّ طرف منهما من هذه التظاهرات من زاويته الخاصّة: فيستعملها الطرف الراديكالي، وأقصد به المليشياوي المتشدّد الرافض لنزع السلاح، والرافض لعزل العراق عن ساحة الصراع الأميركي الإيراني، كي يُحرج الحكومة ويُظهرها بهيئة العاجز، أو قد يستفيد من أجواء الفوضى المحتملة، كي يبيّن فقدان الحكومة سيطرتها على الشارع.

أما الطرف البراغماتي الذي يروّج فكرة الانحناء للعاصفة الأميركية وتمرير مطالب إدارة ترامب، ريثما تضع الحرب أوزارها، فكان ربّما يريد تأييداً شعبياً أكبر لإجراءاته، وموقفاً أكثر غضباً تجاه السلاح وأصحابه. لكنّ جزءاً من المتظاهرين، وهم عائلات ضحايا تشرين، أعادوا رفع مطالبهم بالكشف عن الجناة، بما يشبه التذكير أكثر مما هو تهديد، والمؤسف أن الجناة الذين قتلوا الشباب في تلك الأيام هم في جانبَي الصراع الداخلي لجناحَي السلطة اليوم. وقد اعترف قياديون في السلطة، في مناسباتٍ عديدة، جديدهم أخيراً هادي العامري، بمسؤوليتهم عن تصفية تشرين.

تحقيق العدالة للضحايا يبدو، يوماً بعد آخر، أكثر صعوبة، غير أنّ تحقيق جزء من مطالب المتظاهرين، أو الحلم الذي ضحّوا بدمائهم وأرواحهم من أجله، هو أمرٌ ممكن، من خلال تنظيم المجتمع وتوحيد فئاته ومكوّناته على مطالب محدّدة، والتثقيف المستمر ضد التزييف والدجل السياسي، وعمليات الإلهاء واستخدام وسائل التضييق والإرهاب، والتذكير دائماً بأنّ هذه السلطة، بأجنحتها المختلفة، لن تقوم بإصلاح شيء من دون ضغط اجتماعي حقيقي وخشية من ضياع المكاسب.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.