28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/32517

تأجيل الانتخابات… تشبّثٌ بالسلطة وهروبٌ من الاستحقاق الديمقراطي

لا يمكن التقليل، ولا يجب أصلاً تجاهل التفاصيل المهمّة المتعلّقة بملفّ تأجيل الانتخابات الفلسطينية، تحديداً في ما يخصّ إجراءها في القدس المحتلّة، وقطاع غزّة المنكوب والمدمّر والمحتلّ كذلك فعلياً ونارياً وعملياتياً، غير أنّه لا يجب أن يصرف هذا الاهتمام انتباهنا وتركيزنا عن الأسباب والحيثيات الجوهرية ذات الطابع الاستراتيجي، الّتي أدّت فعلاً إلى التأجيل، والمتعلّقة بتشبّث الطبقة السياسية بالسلطة، رغم عدم وجود سلطةٍ فعلية تستحقّ التشبّث بها، والقتال من أجلها، سواءً في رام الله وقطاع غزّة، أو داخل الفصائل المأزومة والفاشلة، الّتي تهرب من مواجهة أخطائها، ودفع أثمانها، كما تخشى الذهاب إلى الحسم الديموقراطي، والاحتكام إلى الكلمة الفصل للجماهير في صندوق الاقتراع، رغم الخطاب اللغوي و الدعائي المناقض عن الجماهير وإرادتها.

بدايةً، لا يجب تجاهل، أو التقليل من أهمّية التفاصيل السياسية والإجرائية، الّتي أدّت إلى توافق الفصائل والسلطة على تأجيل الانتخابات في ظلّ صعوبة إجرائها في القدس وقطاع غزّة، وعدم القيام بالخطوات اللازمة لتهيئة الأجواء المناسبة أمامها.

ببساطةٍ، صدر في يوليو/تمّوز الماضي مرسوم إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، من دون الانتخابات الرئاسية الّتي قيل أنّها ستُجرى أوائل العام المقبل، علماً أنّ فترة الأربعة أشهرٍ قصيرةٌ جدّاً لإنجاز العملية الانتخابية بكلّ تفاصيلها وخطواتها، ما يظهر منذ البداية عدم جدّية السلطة تجاه الانتخابات، خصوصاً مع تجاهل عقد الحوار الوطني للتوافق على كيفيّة التكاتف لإنجاز وإنجاح العملية، رغم الظروف الصعبة والمواقف السلبية للاحتلال تجاهها، بعدما فهم مغزاها لجهة تكريس الكيانية والجدارة في السيادة والاستقلال وتقرير المصير.

أمّا في ما يخصّ الإجراءات والعراقيل الّتي جرى التذرّع بها للتأجيل، فقد كان بالإمكان تجاوزها لو توفرت الإرادة السياسية الوطنية الجامعة، رغم المدى الزمني الضيق، إذ أبلغت اللجنة العامة للانتخابات قيادة السلطة بقدرتها على تجاوز عراقيل الاحتلال وإنجاز العملية بنجاحٍ في قطاع غزّة، رغم رفض إسرائيل الموافقة على إدخال المستلزمات، وقالت إنّ ثمّة قدرةٌ لتصنيعها محلياً ولو بنسخةٍ مبسّطةٍ، كما أكّدت القدرة على إنجاز العملية في القدس، بتصويت المقدسيين في ضواحي المدينة، أو عبر البريد، مع اعتبار يوم الاقتراع وطنياً بامتياز لتكريس هوية المدينة المحتلة.

نلمس خشية الفصائل والطبقة السياسية برمّتها من الذهاب إلى الاستحقاق الانتخابي، ليقينها من عزوف الناس عنها، ولا يقلّ عن ذلك أهمّيةً غياب البيئة والحاضنة الديموقراطية داخل الفصائل والطبقة نفسها

أبلغت اللجنة العامة للانتخابات قيادة السلطة أنّ الكرة في ملعبها، وأنّ العملية مرتبطةٌ بالإرادة السياسية، لكنّ القيادة؛ وكعادتها، بادرت إلى اتّخاذ القرار السهل المتمثّل بتأجيل الاستحقاق الانتخابي، رغم المصلحة الوطنية الواضحة في إنجازه، خصوصاً مع تقديم تعهّداتٍ بذلك للقوى الداعمة للسلطة والقضية سياسياً ومالياً، ومع خشية الاحتلال الواضحة من نتائج الاستحقاق ودلالاته، بتكريس الهوية والكيانية الوطنية والسيادية الفلسطينية.

أعلنت السلطة قرارها المسبق بالتأجيل، وكان لافتاً عقد الحوار الوطني في القاهرة لإيجاد التخريجة المناسبة، مع يقين قيادة رام الله من عدم جدّية الفصائل المعارضة في الذهاب إلى الاستحقاق الانتخابي، وعليه لم يكن غريباً التوافق على بند تأجيل الانتخابات فحسب، والتباين حول بقية البنود الأساسية على جدول الأعمال، المتعلقة بالمجلس الوطني، ومنظّمة التحرير، والخيار الدبلوماسي، والمقاومة الشعبية، وحكومة التوافق، وإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة.

أمّا في الخلفيات والحيثيات الاستراتيجية للتأجيل، وإضافةً إلى المعطيات الظاهرية السابقة، فيمكن الحديث عن معطيين أساسيين هما؛ التشبّث بالسلطة كلٌّ على طريقته؛ والخشية من الاحتكام الديموقراطي إلى صندوق الاقتراع وإرادة الجماهير.

بالنسبة للمعطى الأول، فلا شكّ أنّ قيادة رام الله تتشبّث بالسلطة، رغم إقرارها بأنّها باتت "سلطةً بلا سلطة"، كما ترفض الإقرار بفشل خياراتها السياسية" التفاوض ثمّ التفاوض... ولا بديل عن التفاوض سوى التفاوض"، منذ اتّفاق أوسلو حتّى الآن، وبالتالي ضرورة إفساح الطريق، وإتاحة المجال أمام تسليم الدفّة لجيلٍ قيادي جديد، كي يواصل الطريق والنضال حتّى نيل الحقوق الوطنية المشروعة.

التشبّث بالسلطة لا يأتي من جهة رام الله فحسب، إنّما من قطاع غزّة كذلك، رغم فشل الخيار العسكري هناك -مع افتراض النوايا الطيبة طبعاً-، واحتلال ثلثي القطاع، وحشر مليوني فلسطيني بأوضاعٍ مأساوية وكارثية على أقلّ من ثلث مساحته، وتدميره عن بكرة أبيه تقريباً، وايقاع نكبةٍ موصوفة بالبشر والشجر والحجر هناك.

وفي السياق ذاته، نلمس خشية الفصائل والطبقة السياسية برمّتها من الذهاب إلى الاستحقاق الانتخابي، ليقينها من عزوف الناس عنها، ولا يقلّ عن ذلك أهمّيةً غياب البيئة والحاضنة الديموقراطية داخل الفصائل والطبقة نفسها، فيما يخصّ المراجعة والمحاسبة، ودفع أثمان أخطاء الخيارات الكارثية على المستويين الشخصي والسياسي، مع التذكير بمهزلة مؤتمر فتح الأخير "الثامن"، الذي كان تعبيراً عن الواقع الحزبي ليس لأمّ الجماهير "سابقاً" فقط، إنّما للطبقة السياسية الفلسطينية برمّتها، إذ لا يختلف الحال كثيراً داخل الفصائل الأخرى، ولكنّه لا يخرج للعلن كما هو الحال مع فتح.

أبلغت اللجنة العامة للانتخابات قيادة السلطة بقدرتها على تجاوز عراقيل الاحتلال وإنجاز العملية بنجاحٍ في قطاع غزّة، رغم رفض إسرائيل الموافقة على إدخال المستلزمات

باختصارٍ وتركيزٍ، رغم تشبّث الفصائل بالسلطة كلٌّ على طريقته، إلّا أنّ حكم التاريخ نافذٌ، وبما أنّنا نعيش الآن نكبةً جديدةً، فسيحدث، ولو بعد حينٍ، التغير الحتمي، تماماً كما حصل بعد النكبة الأولى عام 1948، علماً أنّ الأمر استغرق 16 عاماً لتشكيل منظّمة التحرير، باعتبارها "شكلاً ومضموناً" إنجازاً استراتيجياً بمواجهة النكبة، مع التذكير بأنّ عاصمةً بحجم القاهرة، وزعيماً بحجم جمال عبدالناصر، لم يكن بوسعهم بعد النكبة الأولى إعادة تعويم زعيمٍ بحجم المفتي أمين الحسيني، ولا أحد من الموجودين تمكّن مقارنته بالمفتي، وبالتالي ما جرى عليه سيجرى عليهم بالتأكيد، مع التذكير بسيرة زعيمٍ آخر هو أحمد الشقيري، مؤسّس ورئيس منظّمة التحرير، الّذي لم يتشبّث بالسلطة بعد نكبة 1967، وسلّم القيادة لجيلٍ جديدٍ "الفدائيين"، وللأسف لم يمتلك هؤلاء الشجاعة لتكرار فعل الشقيري، لا القدامى ولا الجدّد منهم.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.