ما بعد نتنياهو أو ما بعد سياساته
حتى لو انتهت الانتخابات الإسرائيلية إلى إزاحة حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، فلا يشكّل هذا، بالرغم من أهميته، ضمانة لبدء مسار تحوّل مغاير، ما لم يقترن بتغيير جوهري في السياسات التي قادت إسرائيل إلى صيرورتها الراهنة... وعلى الرغم من عدم حضور القضية الفلسطينية موضوعاً محورياً بهذه الانتخابات، يبقى ماثلاً في الخلفية، كما تنوّه تحليلات إسرائيلية متزنة، بأن هجوم "7 أكتوبر" والحرب التي تلته هما بمثابة برهان على محدودية مراهنة إسرائيل وحكومات نتنياهو المتعاقبة على إمكان إبقاء الصراع تحت السيطرة دون معالجة أسبابه السياسية، وربما كذلك على أن القضية الفلسطينية سياسية تستلزم معالجة لا مشكلة أمنية يمكن احتواؤها لأجل غير مسمى.
ما يبدو الآن أن الانتخابات الإسرائيلية تدور بين معسكر يسعى لمواصلة السياسات التي عمّقت الاحتلال والضم الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية، ومعسكر قد يعمل على تعديل بعض هذه السياسات بغية تقليص كُلفها الدولية، من دون أن يعني هذا بالضرورة تبني تسوية سياسية شاملة، أو الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة.
ومثلما صادفنا في الأيام الأخيرة، يروّج نتنياهو خياراً واضحاً، هو الاستمرار في توسيع الاستيطان والضم، واستمرار تكديس مليوني فلسطيني غزّي في مخيمات للنازحين، بينما يسيطر الجيش الإسرائيلي على معظم مساحة القطاع، حتى لو ترتب على ذلك تصاعد الضغوط الخارجية. ويُستدل على هذا الخيار من تمسّك حكومته بالمخطّطات الاستيطانية، ومن تصريحاته بشأن إمكان استخدام العملات المشفرة إذا انقطعت إسرائيل عن النظام المالي الدولي. ولا ينبغي التعامل مع هذا التصريح دليلاً على أن عزلة مالية شاملة أصبحت وشيكة، أو أن إسرائيل قرّرت بالفعل الاستعداد لانقطاعها عن النظام المالي العالمي، لكنه يحمل دلالة سياسية مؤدّاها الاستعداد لتحمل تكلفة اقتصادية ودبلوماسية كبيرة دفاعاً عن خيارات الحكومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
على الصعيد الداخلي، بات من الواضح أن تطلّع نتنياهو إلى إضعاف الجهاز القضائي ومنظومة إنفاذ القانون قد يكون مرتبطاً بمصلحة شخصية تتعلق بمحاولة التخلص من المحاكمة التي يخضع لها، ولكن يتداخل فيه أيضاً مشروع سياسي أوسع وأقدم يرمي إلى تقليص القيود المفروضة على السلطة التنفيذية. ومن هذا المنظور، مثلما تشير قراءات قانونية، لا ينبغي النظر إلى المواجهة مع المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة والشرطة بوصفها خلافات إدارية أو دستورية، وإنما باعتبارها حلقات في مسار يستهدف إضعاف المؤسّسات التي تستطيع مراقبة الحكومة أو مساءلة رئيسها. ولا بدّ من القول إن مثل هذا المسار يخدم مصالح جميع مركبات الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، فنتنياهو، كما ذكرنا، يبغي حماية موقعه السياسي والقانوني، في حين يرمي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش إلى تعزيز مشروع قومي ديني متشدّد، يقوم على ترسيخ التفوّق اليهودي وتوسيع السيطرة على الأرض، أما أحزاب اليهود الحريديم المتشدّدين دينياً، فتهدف إلى الحفاظ على الامتيازات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتمتّع بها جمهورها. وهكذا، تتقاطع المصالح المختلفة داخل الائتلاف الحكومي حول هدف مشترك يتمثل في تقليص القيود المؤسسية على السلطة التنفيذية، حتى إن اختلفت دوافع كل طرف وغاياته النهائية... وعند هذا الحد، يجب أن نلفت النظر إلى واقع تنامي نفوذ التيارات الاستيطانية والدينية القومية المتطرّفة، التي تجاوزت حدود التشدّد الأيديولوجي إلى تبني مواقف تهدّد الفلسطينيين، وتقوّض أسس النظام الإسرائيلي.
في مستهل العام الحالي، حذّر مؤسس "جامعة رايخمان" الإسرائيلية، البروفيسور أوريئيل رايخمان، من أن إسرائيل تشهد انقلاباً على النظام السياسي، وتواجه خطر إقامة نظام ديكتاتوري، وتسير نحو دولة تحكمها الشريعة اليهودية. وأشار إلى أن الحكومة تعمل وفقاً للدليل الإرشادي نفسه الذي اتبعته جميع الانقلابات السلطوية التي نُفّذت بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك المساس بوسائل الإعلام والاستيلاء على الرأي العام. وبرأيه بعد الانتخابات مباشرة، عيّنوا بن غفير مسؤولاً عن الشرطة وحرس الحدود، وهذا ما يحدث في كل انقلاب: الاستيلاء فوراً على القوة التي تملك صلاحية إطلاق النار على المواطنين!
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗