الحزب الشيوعي الصيني بين الفساد والانضباط
يسعى الحزب الشيوعي الصيني إلى تكريس نفوذه مع عقد اللجنة المركزية للحزب الجلسة العامة الخامسة في العاصمة بكين، بين الاثنين والخميس المقبلين، وهو آخر حدث رئيسي قبل المؤتمر العام الـ21 للحزب، الرابع في عهد الرئيس شي جين بينغ، المقرر عقده في أكتوبر/تشرين الأول 2027. ويتضمن جدول أعمال الجلسة الخامسة، وفقاً للتصريحات الرسمية، قضايا تتعلق بالحوكمة الصارمة للحزب، إذ من المقرر أن يقدم المكتب السياسي تقريراً حول هذا الموضوع في نهاية الاجتماع. ويعني ذلك تنفيذ تدابير تهدف إلى جعل الكوادر الحزبية أكثر كفاءة، وأقل عرضة للفساد، وأكثر ولاءً.
وانغ خه: التركيز على تعزيز الحوكمة داخل الحزب الشيوعي الصيني سيدفع إلى استخدام معايير أعلى وتدابير أكثر واقعية
وعلى عكس الجلسات العامة السابقة التي ركزت عادة على صياغة خطط خمسية، ستركز هذه الجلسة على القضايا الأساسية المتمثلة في تعزيز انضباط الحزب الشيوعي الصيني بشكل شامل، ونظام وآلية مكافحة الفساد، وستولي اهتماماً لملء الشواغر في اللجنة المركزية والجيش، فضلاً عن ترتيبات شؤون الموظفين قبل المؤتمر الـ21. وبالتالي يبدو أن الاجتماع يهدف في المقام الأول إلى تشديد الرقابة الداخلية على المسؤولين، وذلك على الرغم من الزيادة الهائلة في تحقيقات مكافحة الفساد منذ تولي شي السلطة في عام 2013.
الحزب الشيوعي الصيني ومكافحة الفساد
وكانت حملة مكافحة الفساد قد اشتدت خلال الأشهر الأخيرة؛ ففي 27 أغسطس/آب الماضي، وُضع حاكم مقاطعة جيانغشي، يي جيان تشون، قيد التحقيق، وفي 13 أكتوبر الحالي، أُعلن أيضاً عن بدء التحقيق مع هوانغ تشي فان، رئيس بلدية تشونغ تشينغ السابق المتقاعد. وقد ازداد عدد المسؤولين الحكوميين الذين سقطوا من مناصبهم بشكل مطرد في السنوات الأخيرة. ويرى مراقبون أن بكين تستغل حملتها لمكافحة الفساد قبل انعقاد المؤتمر الـ21، لإعادة تنظيم جهاز الحزب الشيوعي الصيني البيروقراطي ومعالجة قضايا الموظفين والمسؤولين على كل المستويات وجعلهم أكثر طاعة وكفاءة، مما يضمن ترجمة قرارات القيادة إلى نتائج ملموسة. ومنذ عام 2014، أصبح ما يسمى بالحكم الصارم للحزب عنصراً أساسياً في استراتيجية شي جين بينغ. ويشمل ذلك التدريب الأيديولوجي، والسيطرة على الترقيات الوظيفية، والرقابة الإدارية، وقبل كل شيء، تشديد العقوبات.
في تعليقه على الاجتماع، قال مدير معهد الجنوب للدراسات الدولية الصيني، وانغ خه، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه عندما أُعلن عن جدول الأعمال الرسمي، ساد الاعتقاد بأن الجلسة العامة الخامسة ستركز على مكافحة الفساد، إلا أن مفهوم الحوكمة الشاملة داخل الحزب الشيوعي الصيني لا يقتصر على مكافحة الفساد فحسب، إذ تسعى القيادة العليا برئاسة شي، إلى تعزيز الرقابة والمساءلة على أداء الكوادر واجباتهم بشكل فعال وشامل، ومن المرجح أن تُحسّن آلية التقييم. وقد يكون لقرارات الجلسة العامة الخامسة تأثير طويل الأمد على حوكمة الصين.
وأضاف وانغ أن التركيز على تعزيز الحوكمة داخل الحزب الشيوعي الصيني سيدفع إلى استخدام معايير أعلى وتدابير أكثر واقعية. وقد مهّد الخطاب الذي ألقاه شي في الجلسة العامة الخامسة للجنة المركزية لفحص الانضباط في يناير/كانون الثاني الماضي، الطريق لموضوع الجلسة العامة الخامسة للجنة المركزية في ذلك الوقت، أكد شي أن تنفيذ القرارات والتوجيهات الرئيسية يُعدّ شرطاً أساسياً للانضباط السياسي وقواعد الحزب الشيوعي الصيني. ولفت وانغ إلى أنه لا يمكن تغيير ثقافة ومأزق البيروقراطية الصينية بين عشية وضحاها، ولا تملك القيادة العليا حالياً سوى استخدام القوانين واللوائح لكبح جماحها. وتوقع عدم تراجع حملة مكافحة الفساد المكثفة التي شُنّت في السنوات الأخيرة، بل إنها ستتعمق أكثر. وقال إن بعض المراقبين يعتقدون أن مطاردة النمور الحقيقية للحزب الشيوعي الصيني ربما تكون قد بدأت للتو.
خون وانغ: تعزيز سلطة الرئيس واحتمال تمديد فترة حكمه مرة أخرى، يفرضان متطلبات أكبر على المسؤولين
في قراءته لتركيز الجلسة العامة الخامسة على تعزيز انضباط الحزب الشيوعي الصيني بشكل شامل ومراجعتها لعدة قضايا رئيسية تتعلق بتعزيز انضباط الحزب، رأى الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في تايبيه ـ تايوان، خون وانغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأمر مرتبط بتمهيد الطريق أمام شي قبل انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني العام المقبل، مشيراً إلى أن تعزيز سلطة الرئيس واحتمال تمديد فترة حكمه مرة أخرى، يفرضان متطلبات أكبر على المسؤولين، لذلك يتم استخدام شماعة الفساد كأداة لضبط الولاء، وقمع المعارضين المحتملين.
مشاكل جوهرية داخل الحزب
ولفت إلى أن مساءلة شي جين بينغ قد توسعت من نطاق مكافحة الفساد التقليدية، لتشمل المواقف وأساليب العمل. وقال على سبيل المثال: انتقد شي العام الماضي بعض المسؤولين لدعمهم الظاهري لحكم الحزب الصارم، بينما كانوا في الواقع سلبيين ويتجاهلون المشاكل الأساسية، وفي يناير الماضي، صرّح كذلك بأن عمليات التفتيش والتدقيق لا تزال تكشف عن مشاكل جوهرية مثل عدم فعالية تنفيذ القرارات الرئيسية وتوزيع مهام اللجنة المركزية للحزب. يشار إلى أن عدد المسؤولين الذين خضعوا لإجراءات تأديبية رسمية ارتفع من حوالي 46 ألفاً في عام 2023 إلى 118 ألفاً في عام 2025. وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، زاد هذا العدد بنسبة 16% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. ووفق تقديرات صينية، فإن ما يقرب من 90% من هذه الإجراءات التأديبية في عام 2025 انطوت على التهرب من المسؤولية، أو التقاعس عن العمل، أو سوء السلوك، أو أداء الواجبات بشكل صوري.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗