لكي نفهم جريمة الإرهاب في كنيسة الكرك
صحيحٌ أن التفجيرات في ثلاثة فنادق في عمّان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، وقضى فيها أكثر من 60 شخصاً، كانت الأكثر دمويةً والأثقل إجراماً بين وقائع الإرهاب التي شهدها الأردن في تاريخه (معدودة ومحدودة)، إلا أن ما تعرّض له أردنيون مسيحيون في باحة كنيسة في بلدة حمود في محافظة الكرك (جنوب) هو الحدث الإرهابي الأخطر منذ نشأة الدولة الأردنية، وإن نُظر إلى قلة أعداد الضحايا قياساً بها في واقعة الفنادق، لأن الذي جرى يوم الجمعة الماضي غير مسبوقٍ، فالمألوفُ لدى من يرتكبون مثل هذه الفظاعات أن يتوجّهوا إلى ضرب الدولة ومؤسّساتها، سيّما الأمنية، كما فعلوا مرّاتٍ في إربد والبقعة وغيرهما، إلا أنهم في الذي اقترفوه قبل أربعة أيام استهدفوا مواطنين أردنيين لصفتهم الدينية وحسب، على ما تُشهر الجريمة عن نفسها، قبل أن تكشف التحقيقات التفاصيل. وهنا الخطورة الكبرى، فلم يحدُث أن أردنيين مسيحيين، في كنيسة أو غيرها، كانوا في مرمى نيران الإرهاب، ببواعث دينية صرفة. ومع الانتباه إلى هذه الحقيقة، يلزم، في الوقت نفسه، تذكّر أن السلطات المحلية المختصّة أعلنت في 2008 إحباطها مخطّطاً لتنفيذ هجوم بسيارة مفخّخة لاستهداف كنيسة كاثوليكية في ماركا (من ضواحي شرقي عمّان)، وفي العام نفسه، كشفت الأجهزة عن محاولة اعتداء مسلح على كنيسة اللاتين ومقبرة مسيحية في إربد. ويعني استدعاء تينك الواقعتين غير "الناجحتين" (والحمد لله) أن من يقيم التطرّف التكفيري في أدمغتهم يضعون المسيحيين وكنائسهم في تدبيرهم الشيطاني منذ سنوات، أي أن ما فشل به أولئك "نجح" فيه من هم من طينتهم في بلدة حمود في الكرك.
مؤدّى هذا كله وموجزه أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأياً من أشباحه أو أشباهه من أفرادٍ أو مجموعات تكفيرية، لا يروْن الكنيسة والمسيحيين في الأردن خارج الدائرة التي وضعوا فيها مصر والعراق وسورية، فلا يجوز، في أعرافهم، أن يكون هذا البلد خارج المشرق العربي الكبير الذي يستهدف المجرمون في السلفيات الجهادية المتطرّفة المسيحيين والشيعة والعلويين فيه. ولنا هنا أن نتذكّر أن ضرب الكنائس في مصر سابقٌ على ظهور "داعش"، وإنْ يُرى هذا التنظيم من منتوجات "جماعة التوحيد والجهاد" التي شكّلها أبو مصعب الزرقاوي في 1999. والمركزيُّ هنا أن المرجعية الثقافية لدى هذا اللون من التشكيلات المتطرّفة مؤسّسةٌ على التحريض ضد الآخر وكراهيته، وهذا من بواعث استهداف المسيحيين بالمطلق في "دار الإسلام" أو "دولة الخلافة"، ويصطنعون لهذا كله تأصيلاً فقهياً، ينتقي من المأثور وبطون كتب لابن تيمية (وغيره) ما يجري تأويله لإجازة ضرب المسيحيين في كنيسة في سيدي بشر في الإسكندرية وفي الكرّادة في بغداد وفي الدويلعة في دمشق وفي حمود في الكرك.
له كل قيمة، وله ضرورته القصوى، خطاب الوحدة والمواطنة الأردنية، بين أهل البلد المسلمين والمسيحيين، غير أن التسليم بأن ترديده في برامج التلفزات ووسائل التواصل رادع، ويشيع الطمأنينة والسلام التام، لا يجوز أن يغفل عن ثقافةٍ ضيقةٍ ومحدودةٍ في المجتمع ترى المسيحيين من منظور طائفيٍّ ينتقص من مكانتهم المجتمعية، ولا ترضيه مواقع لهم قيادية ومسؤولة، ولا يُجيز الترحّم على أمواتهم، ولا تهنئتهم في أعيادهم. وعندما توصَف هذه الثقافة بأنها ضيقةٌ فذلك من طبائع الأمور وبديهياتها، لكن هذا الضيق هو الذي يجعل أنفاراً خارجين عن الوداعة الضافية في مدينة الكرك يرتكبون صنيعهم الشنيع في الكنيسة. والأردن لم يعرف يوماً أي احترابٍ أو توتّر أو تأزّم طائفي أو مذهبي أو عرقي، وإن ثمّة عصبيّاتٌ قبليةٌ يحسُن أن يعرف من لا يعرف أنها أبداً لا تتصادم، ذلك أن ألفة العشائر واتحادها وارتباطها بالبلد وهويته العروبية تحمي النسيج العام من أي استقطاباتٍ مناطقيةٍ وأهليةٍ.
أما الذين يريحهم رمي الفعلة التي اقترفها القتلة في آل هلسة وآل القسوس وغيرهما في ساحة الكنيسة في الكرك على الموساد ومخابراتٍ أجنبية، فيحسُن تذكيرهم بأن أجهزة التحرّي والتحقيق المختصّة لم تشهر شيئاُ عنهم بعد. وعندما أخبرت الرأي العام عن أمثالٍ لهم في جرائم إرهابية سابقة لم تُلاحظ لأيٍّ منهم أي صلة بأي مخابرات إسرائيلية أو غيرها، بل هم من بيئاتٍ أردنيةٍ متنوّعة، في الزرقاء وإربد والسلط ومعان والكرك، وغالبيّتهم من أسر غير فقيرة، ومتعلّمون إلى حدّ ما، لكنها تلك الثقافة تعرّضوا لها وجعلتهم يقيمون على القناعة بأن الإسلام لا يستقيم عودُه في بلاده إلا بقتل "الصليبيين النصارى" وعموم من هم من غير ملّة الإسلام في بلد مسلم.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗