ما وراء السعر.. الذكاء الاصطناعي يكشف أضرار السيارات المستعملة
لم تعد بيانات البيع وحدها كافية لفهم قيمة السيارات المستعملة الحقيقية، إذ يتجه القطاع نحو مرحلة يصبح فيها توثيق حالة المركبة المادية عاملاً تجارياً لا يقل أهمية عن سعرها وعدد الكيلومترات التي قطعتها وتاريخ بيعها. ومع توسع عمليات الشراء والتمويل والتأمين عبر المنصات الرقمية، تزداد الحاجة إلى سجلات دقيقة توضح الأضرار والإصلاحات وتكاليف إعادة التأهيل.
تعمق أكثر
وتتوقع شركة "كوكس أوتوموتيف" (Cox Automotive) أن تبلغ مبيعات السيارات المستعملة بالتجزئة في الولايات المتحدة نحو 20.3 مليون سيارة خلال عام 2026، في حين بلغ متوسط أسعار عرض السيارات المستعملة 27.027 ألف دولار في يونيو/حزيران الماضي. لكن هذه البيانات التجارية لا تكشف بالضرورة الفروق في الحالة الفعلية بين سيارتين من الطراز نفسه وسنة الصنع ذاتها، حتى لو تطابقت المسافة المقطوعة.
فقد تكون إحداهما سليمة الهيكل والإطارات، بينما تعرضت الأخرى لحادث سابق وخضعت لإصلاحات، أو تحتاج إلى أعمال ميكانيكية وتجديد داخلي. وتؤثر هذه الفروق في سعر الشراء وتكاليف الإصلاح والقيمة عند إعادة البيع، لكنها غالباً ما تُسجّل في صور وملاحظات وتقارير يصعب مقارنتها أو نقلها بين الأنظمة. وتتزايد أهمية هذه المسألة مع توسع التجارة الإلكترونية.
ووفق دراسة أجرتها مؤسسة "هاريس بول" (Harris Poll) عام 2026 لمصلحة "أوربان ساينس" (Urban Science)، قال 44% من مشتري السيارات في الولايات المتحدة إنهم يمضون وقتاً أطول في البحث قبل التواصل مع الوكلاء، بينما أبدى 25% استعداداً أكبر لشراء السيارة بالكامل عبر الإنترنت مقارنة بالعام السابق. وفي هذه المعاملات، تصبح جودة المعلومات عن حالة المركبة بديلاً أساسياً من المعاينة المباشرة.
ولا تقتصر أهمية توثيق الحالة على المشترين. فالوكلاء يحتاجون إلى تقدير مخاطر الإصلاح قبل شراء السيارات، بينما تساعد السجلات الدقيقة ورش الصيانة على تحديد الأعمال المطلوبة وتكاليفها مسبقاً، وتتيح لشركات التأمين تقييم الأضرار والتحقق من المطالبات. وتشير دراسة "كوكس أوتوموتيف" عن ملكية السيارات لعام 2025 إلى أن 58% من الوكلاء ذوي الأداء المرتفع الذين يشترون سيارات من خلال أقسام الصيانة عدّوا انخفاض مخاطر إعادة التأهيل، بفضل معرفة تاريخ المركبة، من أبرز المزايا.
وتزداد الحاجة إلى معلومات أكثر تفصيلاً مع تعقّد التقنيات المستخدمة في السيارات الحديثة. فالكاميرات والرادارات وأجهزة الاستشعار المدمجة في المصدات والمرايا والزجاج قد تحتاج إلى إعادة معايرة بعد اصطدامات تبدو بسيطة. لذلك، لا يكفي تسجيل وجود ضرر أو إصلاح، بل ينبغي توثيق الجزء المتضرر وما استُبدل والإجراءات الفنية التي أُنجزت.
من معاينة السيارات إلى البيانات
تعتمد عمليات الفحص التقليدية على تقدير المفتش والصور والقوائم المكتوبة، ما يجعل النتائج عرضة للاختلاف بين شخص وآخر، ويصعّب المقارنة بين فحصين أُجريا في وقتين مختلفين. كما تبقى تقارير كثيرة محفوظة في ملفات منفصلة أو بصيغة PDF، فلا تستطيع أنظمة التسعير والتأمين قراءتها والاستفادة منها مباشرة. في المقابل، تتيح حلول الفحص المدعومة بالذكاء الاصطناعي توجيه المستخدم لالتقاط صور المركبة أو تسجيل مقاطع فيديو وفق زوايا محددة، ثم تحليل الصور وتصنيف الأضرار بحسب نوعها وموقعها وشدتها.
ويمكن كذلك استخراج رقم تعريف المركبة (VIN) ولوحة التسجيل وقراءة عداد المسافة، وربط النتائج بسيارة محددة، مع تسجيل تاريخ الفحص لإتاحة المقارنة لاحقاً. وتوفر شركات، منها "إنسبكت لابس" (Inspektlabs)، حلولاً تعتمد على هذه التقنيات. ويمكن تحويل نتائج الفحص إلى بيانات منظمة تنقل عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs) إلى أنظمة التسعير والمطالبات والتأمين، بدلاً من إعادة إدخال المعلومات يدوياً.
لكن الفحص البصري لا يكشف جميع الأعطال؛ فحالة البطارية وسلوك المحرك والمشكلات الكهربائية تتطلب تشخيصاً أو اختبارات فعلية أو الاستعانة ببيانات أنظمة المركبة. لذلك، يُنظر إلى الفحص الآلي بوصفه مكملاً للمعاينة الفنية، لا بديلاً كاملاً منها. وتبرز قيمة السجلات المنظمة أيضاً في حوادث السير، إذ تساعد بيانات مسجل أحداث المركبة على فهم السرعة والفرملة والتوجيه في اللحظات المحيطة بالاصطدام، بينما توضح بيانات الحالة المادية مواقع الأضرار وشدتها. والجمع بين النوعين يمنح فرق التحقيق والتأمين والإصلاح صورة أشمل عن الحادث ونتائجه.
ومع اعتماد تعريفات موحدة للأضرار وتسجيل توقيت الفحص وإتاحة تبادل النتائج بين الأنظمة، يمكن أن تتحول حالة السيارة إلى طبقة بيانات أساسية موازية لسجل البيع. وعندها لن يقتصر تقييم المركبات على مواصفاتها ومتوسطات أسعارها، بل سيأخذ في الحسبان تاريخ كل سيارة وحالتها الفعلية وتكاليف تجهيزها ومخاطرها، بما يعزز شفافية السوق ودقة قرارات الشراء والتمويل والتأمين. ومع تطور هذه التقنيات، قد تصبح سجلات حالة المركبات معياراً أساسياً في سوق السيارات المستعملة، بما يعزز ثقة المشترين ويحدّ من فجوة المعلومات بينهم وبين البائعين. فالقيمة لم تعد تتحدد بما يظهر في الإعلان وحده، بل بما تثبته البيانات عن تاريخ السيارة وأضرارها وكلفة إصلاحها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗