28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/23236

المكان الذي تركنا فيه أنفسنا

قررت، في محاولة للخروج من عزلتي وحزني، أن أشاهد كل يوم فيلماً جديداً على "نتفليكس". لم أكن أبحث عن السينما بقدر ما كنت أبحث عن نافذة؛ ساعتان أخرج فيهما من رأسي، وأستعير حياة أشخاص آخرين، ثم أعود إلى حياتي أخفّ قليلاً. كنت أختار الأفلام بلا خطة، كمن يفتح باباً عشوائياً في ممر طويل، إلى أن وصلت إلى فيلم "مخلوقات شديدة الذكاء"، ولم أكن أعرف أن الفيلم الذي اخترته لأغادر نفسي قليلاً سيُعيدني إليها.

في الفيلم تصادق امرأة مسنّة أخطبوطاً. لا لغة مشتركة بينهما، ولا تاريخ، ولا قرابة، ومع ذلك تنشأ بينهما تلك المادة النادرة التي لا نعرف كيف نصنعها متى أردنا: الألفة. لم أشاهد حكاية عن ذكاء أخطبوط بقدر ما رأيت ذلك الاحتياج القديم فينا إلى أن يألفنا كائن آخر؛ أن يعرف حضورنا، أن ينتظرنا، أن يصبح وجودنا جزءاً من نظام يومه. يستطيع الإنسان أن يعيش من دون أشياء كثيرة، لكنه يذبل حين لا يكون مألوفاً لأحد. نحتاج إلى عين، بشرية كانت أم غير بشرية، تقول لنا من دون كلام: أعرف أنك أنت.

وحين أعادت المرأة الأخطبوط إلى البحر، لم أشعر أنها أطلقت سراحه فحسب، بل أعادته إلى المكان الذي لا يحتاج فيه إلى تفسير نفسه؛ إلى الماء الذي يعرف جسده، والملح الذي يعرف جلده، والعالم الذي خُلقت حواسه على مقاسه. ثم قرّرت هي ألّا تغادر بيتها إلى مأوى للعجزة. كأنها حين رأت مارسيلوس يعود إلى مائه، تذكرت أن للإنسان أيضاً ماءً خفياً، وأننا قد نبقى أحياء خارجه، لكن شيئاً فينا يظل عطشاناً.

منذ ذلك المشهد وأنا أفكر في البيت، لا بوصفه جدراناً، بل علاقة سرّية بيننا وبين الأشياء. لماذا يصبح فنجان عادي في بيت ما جزءاً من حياتنا، بينما لا يعني فنجان مطابق له شيئاً في مكان آخر؟ ولماذا تستطيع رائحة نبتة أن تفتح فينا غرفة كاملة؟ لعل الأشياء، حين تطول عشرتها معنا، تكتسب شيئاً منا كما نكتسب نحن شيئاً منها، حتى يصبح من الصعب أن نعرف أين ينتهي المكان وأين نبدأ.

في بيتنا كانت هناك زريعة الحبق، وزريعة السجاد، ونبتة تسميها أمي "قلب عبد الوهاب". أسماء صغيرة، منزلية، لكنها كانت جزءاً من نحو المكان. كانت النباتات موجودة كما توجد الأم والطاولة وضوء العصر؛ لا نفكر فيها لأن الأشياء التي تنتمي إلينا حقاً لا تستعرض وجودها. كانت فقط هناك، وهذا الـ"هناك" هو ما لم أفهم قيمته إلا حين صار بعيداً.

اشتريت الحبق هنا في الكويت، واشتريت زريعة السجاد و"قلب عبد الوهاب". وضعتها أمامي وفي داخلي أمل طفولي بأن تعرف النباتات الحيلة وتعيد إليّ شيئاً مما غاب. الأوراق متشابهة، والأسماء نفسها، والماء ماء، والتراب تراب. شممت الحبق وانتظرت تلك الرجفة التي تحدث حين يعثر المرء فجأة على باب قديم داخله، لكنني لم أستعد نفسي. عندها فهمت أن الألفة لا تُستنسخ. يمكنك شراء النبتة نفسها، لكنك لا تستطيع شراء الصباح الذي كان يمرّ عليها، ولا البقعة التي كانت الشمس تقع فيها على أوراقها، ولا اليد التي سقتها، ولا صوت أمك وهي تناديها باسمها الغريب. تستطيع إعادة الأشياء واحدة واحدة، ثم تقف في وسط المشهد وتشعر أن العنصر الناقص هو أنت.

وربما لأن تلك الـ"أنت" لم تعد موجودة أيضاً. تلك قسوة الألفة وجمالها معاً: أنها لا تسكن الأشياء وحدها ولا تسكننا وحدنا، بل تولد في المسافة بيننا. تحتاج إلى زمن وتكرار الأيام وأيدٍ مرّت من هنا وضحكات وشجارات وأكواب تُركت على الطاولة وصباحات لم يحدث فيها شيء يستحق أن يُروى. نظن أن حياتنا صنعتها أحداثها الكبرى، بينما الذي يجعل مكاناً ما "بيتنا" هو غالباً آلاف الأشياء الصغيرة التي لم ننتبه إليها لأنها كانت تحدث كل يوم.

الألفة لا تُستنسخ؛ يمكنك شراء النبتة نفسها، لكنك لا تستطيع شراء الصباح الذي كان يمر عليها، ولا اليد التي سقتها، ولا صوت أمك وهي تناديها باسمها

لهذا بدت لي صداقة امرأة وأخطبوط إنسانية إلى هذا الحد. حدث بين مخلوقين لا يتشابهان ما نفشل نحن، المتشابهين، في صنعه أحياناً: اطمأن كل منهما إلى وجود الآخر. لم يحتج الأخطبوط أن يصبح إنساناً، ولا المرأة أن تفهم لغته؛ كان يكفي أن يعرف كل منهما أن الآخر موجود. وربما تبدأ الإنسانية من هنا، قبل الأخلاق الكبيرة والكلمات الكبيرة: من قدرتنا على أن نجعل كائناً آخر أقل وحشة في العالم.

الآن أنظر إلى الحبق الذي اشتريته هنا، ولم أعد أطلب منه أن يعيدني. ربما ظلمته حين طالبته بأن يؤدي دور ذكرى. هذه نبتة أخرى، في بيت آخر، تعيش معي حياة أخرى، وربما عليّ أن أمنحها الوقت كي نصنع ألفتنا نحن. أما الحبق الأول، وزريعة السجاد، و"قلب عبد الوهاب"، فقد بقيت في مكان لا تصل إليه المشتريات، في تلك المسافة الغامضة بين الإنسان والأشياء التي أحبته بصمت.

في الفيلم، أعادت امرأة أخطبوطاً إلى مائه، فاكتشفت أين تريد أن تبقى. وأنا، بعد انتهاء الفيلم، فهمت لماذا لم تُعد إليّ النباتات نفسي: كنتُ أبحثُ في الأوراق عن شيء لم يكن يسكن الأوراق أصلاً. كان يسكن الزمن الذي عشته بينها، والأيدي التي لمستها، والوجوه التي مرّت بجانبها، والمرأة التي كنتها آنذاك.

فالبيت، ربما، ليس المكان الذي نعود إليه. إنه المكان الذي نتمنى، حين نعود إليه، أن نجد أنفسنا ما زلنا هناك.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.