قراءة في أبعاد زيارة رئيس الوزراء إلى سوريا
د. علي موسى الكناني عندما تنظر إلى المشهد السياسي المعاصر، تجد أن الدول الكبرى والصاعدة باتت تدرك أن أمنها القومي لا يحفظه الجمود الدبلوماسي، بل الحركة الاستباقية تماماً كما فعلت عواصم إقليمية وعالمية عديدة مؤخراً حين…
آخر تحديث:
د. علي موسى الكناني
عندما تنظر إلى المشهد السياسي المعاصر، تجد أن الدول الكبرى والصاعدة باتت تدرك أن أمنها القومي لا يحفظه الجمود الدبلوماسي، بل الحركة الاستباقية تماماً كما فعلت عواصم إقليمية وعالمية عديدة مؤخراً حين تجاوزت الحسابات التقليدية لترميم علاقاتها المعقدة وفتح نوافذ للتواصل المباشر بغية تحصين جبهاتها الداخلية.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة رئيس الوزراء إلى دمشق بوصفها امتدادا للوعي الواقعي الجديد، حيث يتداخل تثبيت أولويات الحكومة مع تحديات الأمن، والاقتصاد والطاقة، وسعي بغداد الحثيث لحماية قرارها الوطني من الصراعات الإقليمية.
وتكتسب الزيارة أهميتها من توقيتها، فالحكومة استكملت تشكيلتها الوزارية في منتصف تشرين الأول بعد أشهر من توليها المسؤولية مع بقاء مناصب شاغرة. وهذا يضعها أمام اختبار تحويل برنامجها الحكومي إلى نتائج ملموسة في الاستقرار والخدمات والإصلاح الاقتصادي. ومن هنا، تصبح العلاقة مع دمشق جزءا من إدارة المصالح العراقية، لا ملفا خارجيا منفصلا عن الأولويات الداخلية.
كما يمثل أمن الحدود العراقية السورية أولوية مباشرة لبغداد، بالنظر إلى مخاطر تحرك خلايا عصابات داعش وشبكات التهريب والاتجار غير المشروع. ورغم الإجراءات الواسعة لتأمين الحدود، بما فيها الكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة والتحصينات، الا ان فاعلية هذه الإجراءات تزداد عندما تقترن بتنسيق استخباري وميداني مستمر مع الجانب السوري.
ومن هنا تأتي أهمية الزيارة في تحويل التنسيق الأمني من اتصالات ظرفية إلى آليات مؤسسية واضحة، تشمل تبادل المعلومات وملاحقة الشبكات العابرة للحدود، وتأمين المنافذ، والتعامل مع أي تطورات قد تؤثر في استقرار المناطق الغربية والشمالية من العراق. فالأمن الحدودي لا يتحقق بالتحصينات وحدها، بل يتطلب أيضا تعاونا فعالا بين المؤسسات المعنية على جانبي الحدود.
وفي الجانب الآخر، تفرض التطورات الإقليمية على العراق إعادة التفكير في أمن صادراته النفطية. فالاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، فيما يمر الجزء الأكبر من صادرات الخام عبر الخليج ومضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في هذا المسار تحديا مباشرا للموازنة العامة والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا الصدد تبرز سوريا بوصفها ممرا محتملا لتنويع طرق نقل النفط والوقود. وكانت بغداد ودمشق اعادتا فتح معبر ربيعة ـ اليعربية في نيسان 2026، بالتوازي مع استئناف نقل شحنات من الوقود العراقي عبر الأراضي السورية. كما عاد مشروع خط كركوك ـ بانياس إلى دائرة البحث والتعاون. لكن النقل البري لا يعوض وحده الطاقة الاستيعابية للأنابيب والناقلات البحرية، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه خيارا إضافيا ضمن استراتيجية أوسع لأمن الطاقة، لا بديلا كاملا عن المسارات القائمة.
وتمنح الزيارة الزيدي ايضا فرصة لبحث الضمانات الفنية والأمنية والاقتصادية اللازمة لهذه المسارات، وتحديد المسؤوليات وآليات التنفيذ، بما يضمن أن تكون المصالح العراقية واضحة وقابلة للاستمرار.
ولا تقتصر أهمية العلاقة مع سوريا على النفط والأمن. فإعادة تنشيط المنافذ البرية يمكن أن تدعم حركة السلع، وتخفض تكاليف النقل، وتفتح فرصا أمام المنتجين والتجار وشركات النقل، ولا سيما في نينوى والأنبار والمناطق المتصلة بالطرق التجارية الغربية والشمالية.
وشهد أيلول 2026 اتفاقات بشأن تحسين الإجراءات الجمركية وتبادل البيانات إلكترونيا وتطوير العمل في المنافذ، فيما برزت في تشرين الأول خطوات باتجاه إقامة مناطق للتجارة الحرة قرب المعابر الحدودية. وتمثل هذه التطورات فرصة اقتصادية، لكنها تتطلب رقابة جمركية فعالة، وإجراءات شفافة، وضمانات تمنع التهريب والفساد وتكفل المنافسة العادلة للمنتجات العراقية.
وهنا يرتبط البعد الخارجي مباشرة بالداخل العراقي، اذ ان نجاح التعاون التجاري ينبغي أن ينعكس على فرص العمل وحركة الأسواق والإيرادات غير النفطية، لا أن يبقى محصورا في الاتفاقات الرسمية.
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، تتحرك بغداد في بيئة إقليمية شديدة التشابك، حيث تتقاطع مصالح دول الجوار والقوى الدولية، وتنعكس التوترات المحيطة على الأمن والاقتصاد العراقيين. ولذلك فإن توسيع العلاقة مع دمشق يحتاج إلى مقاربة تحمي استقلال القرار العراقي، وتمنع تحويل الأراضي أو المنافذ أو المصالح الاقتصادية إلى أدوات في صراعات الآخرين.
ولا يعني ذلك الابتعاد عن التعاون الإقليمي، بل بناء علاقات عملية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع الشركاء العرب والدوليين. كما ينبغي أن تنسجم أي تفاهمات مع دمشق مع أولويات الحكومة العراقية المعلنة في تحسين الخدمات، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومواجهة الفساد، وتنويع الاقتصاد.
ختاما، تمثل زيارة الزيدي إلى دمشق اختبارا لقدرة العراق على الانتقال من التأثر بالتحولات الإقليمية إلى المشاركة في صياغتها. فنجاحها لا يقاس باللقاءات والتصريحات، بل بما تحققه من مكاسب أمنية واقتصادية تعزز سيادة العراق واستقلال قراره. والرهان الاستراتيجي لبغداد هو بناء شراكة متوازنة مع دمشق تجعل من الجغرافيا المشتركة جسرا للمصالح والاستقرار، وتكرس دور العراق شريكا في صناعة مستقبل المنطقة، لا ساحة لتصفية صراعاتها.
المصدر: وكالة واع
