غلاء الطاقة يضع أوروبا على حافة الركود التضخمي
أبقى البنك المركزي الأوروبي (European Central Bank) أسعار الفائدة دون تغيير، الخميس، محذرا من أن صدمة الطاقة باتت أكبر وأطول أمدا، ما يرفع مخاطر التضخم ويضغط على النمو في الوقت نفسه، وهي التركيبة التي يطلق عليها الاقتصاديون اسم "الركود التضخمي".
وثبت البنك سعر الفائدة على الودائع عند 2.50%، وعلى عمليات إعادة التمويل الرئيسية عند 2.65%، وعلى الإقراض الهامشي عند 2.90%، بعد رفعها مرتين هذا العام، في يونيو/ حزيران وسبتمبر/ أيلول، لمواجهة آثار ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط.
وقال البنك في بيان له إن أسعار الطاقة واصلت الارتفاع، ما يخلق "مخاطر صعودية متزايدة على التضخم ومخاطر هبوطية على النمو". وأضاف أنه سيتخذ قراراته المقبلة "اجتماعا بعد اجتماع" وفقا للبيانات، من دون الالتزام مسبقا بمسار محدد للفائدة.
الركود التضخمي.. ماذا يعني؟
يصف الركود التضخمي اقتصادا يتباطأ نموه، أو ينكمش، بينما تبقى الأسعار مرتفعة. وهو من أصعب الأوضاع على البنوك المركزية، لأن العلاج التقليدي لكل مشكلة يفاقم الأخرى.
التضخم في منطقة اليورو حسب المكونات وفي أكبر أربعة اقتصادات، سبتمبر/ أيلول 2026 (رسم بياني أعد بمساعدة الذكاء الاصطناعي، المصدر: مكتب الإحصاء الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي)
فرفع الفائدة لكبح التضخم يضعف النمو أكثر، بينما يسمح الانتظار أو خفض الفائدة لدعم النمو بترسخ ارتفاع الأسعار. ولا تعيش أوروبا اليوم ركودا تضخميا كاملا. فالاقتصاد ما زال يتوسع، ومعدل البطالة في منطقة اليورو استقر عند 6.4% في أغسطس/ آب، قرب أدنى مستوياته التاريخية، بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي (Eurostat). لكن الاتجاه بات أكثر خطورة مما كان قبل أشهر.
الطاقة تقود التضخم
ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.8% في سبتمبر، من 3.2% في أغسطس/ آب، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2023، بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي. وجاءت القفزة الأكبر من الطاقة، إذ ارتفعت أسعارها 18.9% على أساس سنوي، من 14.3% في الشهر السابق.
وتظهر بوادر انتقال الصدمة إلى قطاعات أخرى. فقد صعد تضخم الخدمات إلى 3.2% من 3%، والغذاء والكحول والتبغ إلى 1.3% من 1.1%. وارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد الطاقة والغذاء، إلى 2.5% من 2.4%.
وتفاوت أثر الصدمة بين الدول. فقد بلغ التضخم 5% في إسبانيا، و4.2% في إيطاليا، و3.4% في فرنسا، و3.3% في ألمانيا.
وفي أسواق الغاز، جرى تداول العقود الآجلة في مركز تي تي إف (TTF) الهولندي، المرجع الرئيسي لأسعار الغاز في أوروبا، قرب 86 يورو للميغاواط ساعة في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول، مقابل نحو 48 يورو في مطلع يونيو. ويتوقع البنك الدولي أن ترتفع أسعار الغاز الأوروبي بنحو 60% هذا العام، مع اشتداد المنافسة على الإمدادات.
طاقة التحديثات الحية
أسعار الغاز في أوروبا تقفز 3% إلى 98.2 دولاراً لكل ميغاواط/ ساعة
الخوف من الأثر الثاني
لا يقلق صناع السياسة النقدية من ارتفاع أسعار الوقود بحد ذاته بقدر ما تقلقهم ما تسمى "آثار الجولة الثانية": أن تبدأ الشركات بتمرير تكاليف النقل والكهرباء إلى أسعار منتجاتها، ثم يطالب العمال بأجور أعلى لتعويض الغلاء، فتتحول الصدمة المؤقتة إلى تضخم أكثر رسوخا.
ويرى البنك المركزي الأوروبي أن التضخم الأساسي ظل مستقرا إلى حد كبير حتى الآن، وأن الأجور لم تستجب بعد بشكل ملموس للصدمة. لكنه يتوقع أن يؤدي حجم صدمة الطاقة ومدتها وآثارها الثانوية إلى رفع التضخم والضغط على النمو.
بدأت أسعار الفائدة المرتفعة تظهر في الاقتصاد الحقيقي. فقد أقر البنك بأن الأوضاع التمويلية "تشددت" منذ اجتماعه السابق.
وأظهر مسح الإقراض المصرفي، الذي نشره البنك الثلاثاء، أن صافي 27% من البنوك رصدت تراجع الطلب على القروض العقارية في الربع الثالث، مقارنة بتراجع صافي 15% في الربع الثاني، وأسوأ من توقعاتها. وتتوقع البنوك تراجعا أكبر بصافي 36% في الربع الأخير من العام، بحسب موقع بروكسل سيغنال (Brussels Signal).
وأرجعت البنوك ذلك أساسا إلى ارتفاع أسعار الفائدة، ثم تراجع ثقة المستهلكين وتدهور آفاق سوق الإسكان.
كما تراجع طلب الشركات على القروض بصافي 6%، بينما كانت البنوك تتوقع ارتفاعه، وشددت البنوك شروط الإقراض للشركات أكثر مما كانت تتوقع.
وتزيد السندات الحكومية الضغوط. فقد اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات ونظيرتها الألمانية إلى 177.7 نقطة أساس الأسبوع الماضي، وهو الأوسع منذ 2011، وسط مخاوف تتعلق بالمالية العامة الفرنسية، بحسب وكالة رويترز.
اقتصاد دولي التحديثات الحية
ديون أوروبا تتصاعد.. عبء مالي يهدد النمو والاستقرار الاجتماعي
عوامل تمنع الأسوأ
في المقابل، تبقى عوامل تحول دون الانزلاق إلى ركود تضخمي صريح. فسوق العمل ما زالت قوية، والحكومات الأوروبية تزيد إنفاقها على الدفاع والبنية التحتية، فيما تستفيد بعض قطاعات التصنيع والخدمات الرقمية من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وفي سبتمبر، توقع خبراء البنك المركزي الأوروبي أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو 0.9% فقط في 2026، مع تضخم بمتوسط 3%. وهي ليست أرقام ركود تضخمي حاد، لكنها تعكس اقتصادا ينمو ببطء بينما يبقى التضخم فوق هدف 2% لفترة أطول.
ديسمبر.. اختبار جديد
يترقب المستثمرون اجتماع البنك في ديسمبر/ كانون الأول، إذ توقع اقتصاديون استطلعت وكالة بلومبيرغ آراءهم قبل اجتماع أكتوبر رفعا جديدا للفائدة في ذلك الاجتماع.
وبين طاقة غالية وفائدة مرتفعة، تبدو أوروبا في منطقة رمادية: ليست في ركود، لكنها لا تملك نموا قويا، والتضخم يتسارع، والعلاج نفسه مكلف.
وقد لا يكون السؤال المقبل أمام البنك المركزي الأوروبي هو عما إذا كان التضخم سيرتفع، بل كم من النمو يمكن التضحية به لإعادة التضخم إلى 2%، من دون أن يدفع القارة إلى ركود حقيقي.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗