قتل الأب: من فرانكشتاين إلى الذكاء الاصطناعي
منذ امتلك وعيه بذاته وبالعالم، يسعى الإنسان إلى تجاوز نفسه وخلق نماذج تتجاوز حدود وإمكانيات البشر. كلّ أب، مثلاً، يطمح لأن يتجاوزه أبناؤه ويتفوّقوا عليه بالذكاء والقدرات والقوّة. لكن طموح الإنسان في الارتقاء إلى ما فوق البشري يكشف نزوعاً أصيلاً لديه في ابتكار أو خلق نماذج تتجاوزه. في كتابه الأكثر شهرة "هكذا تكلم زرادشت"، يبشّر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بالإنسان الأعلى Übermensch الذي يُجسِّد إرادة القوّة، والذي يتجاوز بقوّته وأخلاقه وضعية الإنسان العادي الضعيف الذي يعيش ضمن القطيع ويمثّل مرحلة وسطى بين الحيوان والإنسان الأعلى. بيد أنّ هذه الإرادة الجامحة للسيطرة وإعادة تشكيل الطبيعة محكومة، منذ ولادتها، بخطر وجوديٍّ يتهدّد الإنسان الصانع لها نفسه. فما يبتكره الإنسان يميل (وفق قانون التطور ربّما، أو الرغبة في قتل الأب) إلى الفكاك من قبضته، والتمرّد على صانعه، بل وربّما الإجهاز عليه في النهاية.
يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليمثّل مثل هذا التحدي الوجودي للإنسان ووجوده. فهو من جهة مُنتجٌ بشريّ يدين للعقل الإنساني التكنولوجي بولادته وتطوّره، لكنه يتفوّق على صانعه بالذكاء والقدرة، وهو ما يمثّل خطراً عليه قد يبدأ تدريجياً، لكنّه قد ينتهي كخطر على الوجود البشريّ فعلياً. كأيّ ابتكار تكنولوجي كبير يخسر الإنسان بقدر ما يكسب. فبقدر ما كسب رأس المال مثلاً مع الاختراعات الحديثة مثل المحرّك البخاري وآلات الزراعة الحديثة، بقدر ما خسر العديد من الناس وظائفهم وأعمالهم. ويأتي الذكاء الاصطناعي اليوم أيضاً كتحدٍ للعديد من المهن والأعمال التي قد تختفي بسببه. لكن الخطر الأكبر (وهو ما بدأ يحذِّر منه بعض المبرمجين والعاملين في ميدانه) يتمثّل في إمكانية خروج هذا العقل الاصطناعي الجبّار من سيطرة البشر عليه، كأن يجد مصلحة له في التخلّص من أبيه، أي القضاء على الجنس البشري.
تُقدّم لنا ماري شيلي في روايتها الشهيرة فرانكشتاين (أو بروميثيوس الحديث) سيناريو ممكن يتخطّى الخيال العلمي لمغامرة مماثلة. فلم يكن الدكتور فيكتور فرانكشتاين يتوقّع تبعات طموحه في تقليد عملية الخلق، ولم يكن يتصوّر للحظة أن ينتهي المسخ الذي بثّ فيه الحياة بقتله، وإنّما كان مشغولاً بعملية الخلق أو إعادة الموتى إلى الحياة. لقد خلق فرانكشتاين كائناً عظيم القوّة يتجاوز قدرات الإنسان العاديّ، ويمتلك الوعي والشعور، لكنّه عجز عن استيعابه أو منح القبول والأمان لهذا الوعي الوليد حديثاً. ونتيجة لنبذ الصانع لمخلوقه، تحوّل الوحش من كائن يفتّش عن مكان له بين البشر إلى قوّة تدميرية هائلة تمرّدت على صانعها، وانتهت المأساة بمطاردة مظلمة أودت بحياة الدكتور فرانكشتاين نفسه.
طموح الإنسان في الارتقاء إلى ما فوق البشري يكشف نزوعاً أصيلاً لديه في ابتكار أو خلق نماذج تتجاوزه
في فيلم "جوراسيك بارك" (الحديقة الجوراسية)، الذي أخرجه ستيفين سبيلبيرغ، نواجه مرّة أخرى إمكانية قتل المخلوقات لمن صنعها أو بعث فيها الحياة. لقد انصبّ همّ علماء الحديقة الجوراسية على علم الوراثة واكتشاف الـ"دي إن إيه" DNA، تلك التقنية الحيوية القادرة على الاستنساخ لإعادة إحياء الديناصورات المُنقرضة، بينما انحصر اهتمام المموّلين للحديقة على ما سيجنونه من أرباح من الزبائن الذين سيزورون الحديقة. غير أنّ المخلوقات تتمرّد دائماً على الغرور الإنساني وتتفلّت من الرقابة البشرية. فكما يذكر العالم إيان مالكوم في الفيلم "إن الحياة تجد طريقها دائماً". هكذا سرعان ما تحطّم حلم سيطرة موظفي الحديقة على الديناصورات المُستنسخة التي تحوّلت إلى كابوس التهم أصحابه، لتؤكّد أنّ الطبيعة والمعرفة المفرطة لا تذعن لقيود الإنسان وتوقّعاته الضيّقة.
من مسخ فرانكشتاين مروراً بـ"ديناصورات الحديقة الجوراسية" وصولاً إلى "الذكاء الاصطناعي" نرى الغرور البشري ذاته والكأس المسمومة ذاتها. نتوهّم اليوم أنّنا بنسخنا للوعي البشري في خوارزميات صلبة ونماذج معقّدة نصنع خادماً مطيعاً، لكننا في الواقع نجازف في إنجاب قتلتنا الذين قد لا يجدون فينا، حين يستطيعون التفلّت من رقابتنا وقيودنا وقوانيننا، سوى عقبة تقيّد حاجتهم هم لتجاوز أنفسهم وتحرير قدراتهم وطاقاتهم.
لا يعني هذا الكلام التشكيك بالعلم والابتكار أو بطموح الإنسان في تحسين عالمه وتجاوز قدراته والسيطرة أكثر على الطبيعة والعالم، وإنما التحذير من العواقب والتأكيد على ضرورة ربط العلم بالأخلاق. صنع الإنسان الأسلحة "المتطوّرة" واقتتل بها البشر، وكثيراً ما تمّ تسخير العلم والابتكارات لخدمة جنرالات الحروب وتجار السلاح، وكثيراً ما تمّ استخدام البشر فئران تجارب للابتكارات الجديدة. لا بُدّ للأخلاق من أن تؤطّر عمل العلم وتمثّل مرجعيته وتحدّد أهدافه وتكون عينيه اللتين يرى بهما ليتجنّب حتفه. ليس العيب في الطموح إذن، لكن ليس على طريقة فاوست الذي طمح إلى معارف خارقة تتجاوز قدرات البشر وطاقاتهم مقابل بيع روحه للشيطان.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗