فيلم "دِغر"... الخراب خلفية يومية لكوكب ينهار
لم يقدّم المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، في فيلمه الأحدث "دِغر" (Digger، إنتاج 2026، 128 د.)، ترفيهاً آنياً، ولا مشاهد معقّدة، ولا لقطات تجريبية غارقة في الغموض أو التجريب، كعادته في أفلام سابقة له، تلك التي تعبّد الطريق أمام النقاد والجمهور للحديث عن رؤاه وأسلوبه، وشكل أفلامه وحداثتها، وفي الوقت نفسه تُغفَل مواضيعها، ولا تُعطى المساحة الكافية.
لذا، جعل ثيمة فيلمه الأخير بؤرة محورية، أسّس من خلالها معانيه السردية، التي يريد للمتلقّي أن يركز عليها، وألّا يضيع في المتاهات المتعدّدة للتأويل، التي تخلق الجمالية الفنية الكبرى، وتؤازر المعاني السامية، لكنها تهمل إلى حد ما العادي الذي تنطلق منه الحياة البشرية.
كذلك فإنه يطرح أسئلة جوهرية، تحيط بالعالم الجديد، وتتعلّق بالمخاطر التي تواجه البشرية، وتهدّد بفناء الإنسان، بسبب جشع الشركات الكبرى، ودورها في صنع الخراب بالإعداد له، وتحالف قوى الشرّ، التي يشكّلها رجال المال والسياسيون الفاسدون، بإقامة تحالفات ظاهرة وخفية بينهم وبين تلك القوى، لجني أكبر قدر من المال والسلطة والنفوذ، على حساب الأرض الجريحة، والبيئة المغتصبة، وملايين الضحايا.
هذا خلق كوارث مناخية كبرى، تراكمت منذ عقود، وباتت تشكّل قنبلة موقوتة، يمكن أن تنفجر في أي لحظة. كذلك بدأت تظهر في مناطق عديدة بصفتها مؤشرات أولية، منها التغيير المناخي، والفيضانات وذوبان الجليد، وتشكّل الميثان في أعماق البحار. هذه الكوارث رصدها "دِغر"، موحياً بأنها الفتيل الذي سيشعل القنبلة الطبيعية الكبرى.
هذه مشاكل أساسية، وهناك أخرى ثانوية، يشير إليها ويتناولها إيناريتو في جديده، ليضع البشر أمام حقيقتهم المرّة والمؤلمة، بأسلوب ساخر ومأسوي ودرامي. كذلك يمكن إسقاطها بسهولة على شخصيات نافذة ومؤثرة، تسيطر على منطلقات العالم الحديث، وتصنع الأزمات وتعالجها، وتروي القصة بحسب ما تراه مناسباً لها، وتحجب الحقيقة عن كل من يحاول الوصول إليها، وتسوق الأفراد إلى الاتجاه الذي تبغيه.
أكثر من هذا، يبرز إيناريتو أنها تصنع السردية، لأنها تتحكم في كل شيء، خصوصاً التكنولوجيا ودورها المحوري في حجب الحقيقة، لتشكّل السردية ورواية القصة بحسب منطلقات الجهة النافذة.
في "دِغر"، يرفع أليخاندرو غونزاليس إيناريتو صوته عالياً، بل يجعله مُدوّياً ومسموعاً، لينتبه العالم إلى الوضع الذي بات يعيش فيه، وجعل الشخصية الأساسية دِغر روكويل (توم كروز) محوراً أساسياً لإسقاطاته، لما تشكّله من قوة مالية واقتصادية وسياسية، إذ يملك شركات نفط عديدة في العالم، ويُمثّل قطباً أساسياً في هذه الصناعة التي ورثها أباً عن جدّ.
يجعل إيناريتو صوته مُدوّياً ومسموعاً لينتبه العالم إلى الوضع الذي بات يعيش فيه
من خلالها، يُحرّك الإعلام والكونغرس، والرئيس الأميركي كومبسون (جون غودمان)، لخدمة طموحاته المالية، وتوسيع نفوذه. وهذا كلّه على حساب البيئة، رغم نداءات مساعديه، كالمكلّف بالبيئة غانيش (ريز أحمد)، عندما حدثت مشكلة كبيرة في إحدى منصات البترول الخاصة به في جزيرة غرينلاند، تمثّلت بانفجارها، فتوفي المدير وعمال عديدون. تعامل روكويل ببرود مع الأمر، لكن المشكلة كبرت أكثر، ووقع انفصال كتل جليدية كبيرة توجّهت الى أوروبا، محدثةً كارثة وفيضانات كبيرة، وحاصدة أرواح ملايين الضحايا.
بالتعاون مع ألكسندر دينيلاريس ونيكولاس جياكوبوني وسابينا بيرمان، كتب إيناريتو سيناريو "دِغر". معاً، جعلوا مشاهده وأحداثه قاسية وسوداء، تتشابك مع الحقيقة الموازية، وتُضحك إلى حدّ السخرية، وتتشاءم إلى حدّ الحزن والحسرة، ليُظهروا كيفية تعامل هؤلاء الذين يسيطرون على العالم، وكيف يتعاملون مع الكوارث الكبرى التي يتسبّبون بها، بطريقة كاريكاتورية وقاسية في الوقت نفسه، تجعل المرء يقف أمام أسئلة مهمة عن السلطة والمال والنفوذ، في أكثر الصُّور دموية.
أحداث رهيبة عاشها دِغر روكويل، وظلّ نموذجاً عملياً وفاصلاً للشخصية العبثية. لا أدلّ على ذلك من اهتمامه الكبير بقطته، وحزنه العميق على موتها. لكنه، في المقابل، لم يحزن على الذين ماتوا بسبب جشعه، وعددهم بالملايين. وعندما سأله ابن أخته كيني (جيسي بليمونز) عن الرماد الذي كان يحتفظ به، أجابه بأنه للقطة، فردّ عليه: "كيف تكون للقطة؟"، يقول له: "كلّ شيء يتغيّر يا كيني. في يوم تكون قطاً أو ملكاً، وفي التالي تكون رماداً في علبة".
تتجلّى قوة الفيلم في ربطه المصير الفردي بالمصير الجماعي، إذ تتحوّل خيارات روكويل الخاصة إلى نتائج تطاول مدناً وشعوباً لا تعرف عنه شيئاً. وتمنح المفارقة السوداء الحكاية حدّتها، فيما تكشف هشاشة المؤسسات حين تصبح المصالح الاقتصادية معيار القرار. هكذا، يغدو الخراب خلفية يومية، وتصبح المسؤولية سؤالاً أخلاقياً عن الثمن الذي يدفعه الأبرياء في عالم تحكمه المصالح. وتتسع دائرة السؤال كلما اتسعت فجوة الحساب.
رغم فشله التجاري بسبب عوامل عديدة، يمثّل "دِغر" صرخة مدوّية ضد الأثرياء والسياسيين الفاسدين، الذين يهيمنون على العالم، ويسيّرونه وفقاً لمصالحهم وأهوائهم. فيه، أطلق إيناريتو تنبيهاً قوياً عن الكوارث البيئية المحتَملة، التي يمكن أن تحدث في المستقبل، مع ابتعاد الدول الكبرى عن المشاكل البيئية وإهمالها، مثل انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاقيات المناخية، ما يضاعف التهديد، ويجعل البشرية تعيش في خطر دائم ومستمر، بسبب الاستغلال المفرط للموارد والمعادن والخيرات الطبيعية. هذه المعطيات تُفقِد توازن البشرية، وستنعكس كوارث مدمِّرة وخطرة تهدّد الجنس البشري كاملاً.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗