28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/40857

اتفاق البحر وتحولات القوة بين ليبيا وتركيا

صوّت مجلس النواب الليبي، في بنغازي (شرق)، على اعتماد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع تركيا سنة 2019، وألغى قرار مقاطعة أنقرة الذي اتخذه سنة 2020. وجاء التصويت بعد تغيير رئاسة المجلس وانتخاب الصالحين عبد النبي خلفاً لعقيلة صالح، الذي قاد البرلمان نحو 12 عاماً، وعارض الاتفاقية طوال فترة رئاسته. وتحمل هذه الخطوة دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، لأنها تعكس تحوّلاً في موازين القوة داخل ليبيا، وفي موقع تركيا من الصراع الليبي، وفي الحسابات الإقليمية المتعلقة بشرق البحر المتوسط.

وقّعت حكومة الوفاق الوطني السابقة في طرابلس الاتفاقية مع أنقرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، عندما كانت قوات خليفة حفتر، المسيطرة على شرق ليبيا، تخوض حرباً للسيطرة على العاصمة. وتزامن الاتفاق البحري مع تفاهم عسكري أتاح تدخّلاً تركيّاً ساهم في وقف تقدّم قوات حفتر وإنهاء معركة طرابلس سنة 2020. وأصبحت تركيا، منذ ذلك الوقت، حليفاً أساسياً لمعسكر الغرب، بينما تعامل معها معسكر الشرق قوةً تدخّلت عسكرياً ضده. لذلك يعكس تصويت البرلمان في بنغازي تحوّلاً عميقاً في علاقة بدأت بالمواجهة العسكرية، ووصلت إلى الاعتراف بمصالح استراتيجية مشتركة.

تغيّرت الحسابات تدريجياً، بعدما استقرّت خطوط النفوذ بين الشرق والغرب، وتراجعت احتمالات الحسم العسكري. فقد أدركت أنقرة أن حماية مصالحها الطويلة في ليبيا تقتضي الانفتاح على معسكر حفتر، الذي يسيطر على مساحاتٍ واسعة من البلاد، وعلى مناطق رئيسية لإنتاج النفط. وفي المقابل، بدأ قادة الشرق ينظرون إلى تركيا قوةً إقليميةً يصعب تجاوزها، ويمكن أن توفر لهم علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية، تتجاوز ارتباطاتهم التقليدية بمصر والإمارات وروسيا.

تقدّم هذه العلاقة مثالاً على انتقال الصراع الليبي من محاولة إقصاء الخصوم إلى التفاهم بينهم على المصالح، فقد استطاعت تركيا الاحتفاظ بعلاقاتها العسكرية والسياسية مع طرابلس، ثم فتحت قنوات مباشرة مع بنغازي، خصوصاً مع صدّام حفتر، نجل خليفة حفتر، وأحد أبرز قادة المنظومة العسكرية في الشرق. ويعكس صعود صدّام في هذه الاتصالات رغبة معسكر حفتر في توسيع اعتراف القوى الإقليمية به، وفي بناء علاقاتٍ تساعده على تثبيت موقعه في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

من هذه الزاوية، يصعب فصل المصادقة على الاتفاقية عن التغيير الأخير في رئاسة مجلس النواب. فقد ظل عقيلة صالح طوال سنوات أحد أبرز وجوه المعارضة السياسية والقانونية للتفاهم البحري مع تركيا، بينما ارتبط اسم خلفه الصالحين عبد النبي بعلاقات برلمانية سابقة مع أنقرة. ويوحي تتابع الحدثين بأن موازين القوة داخل معسكر الشرق تغيرت بما سمح بتمرير قرار كان متعذراً طوال سنوات.

تمنح الاتفاقية تركيا موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة التصورات اليونانية والقبرصية لترسيم الحدود

ويشير هذا إلى تراجع قدرة رئاسة البرلمان على لعب دور مستقل عن التوازنات التي تصنعها القيادة العسكرية في الشرق. فقد احتفظ عقيلة صالح خلال سنوات الانقسام بهامش سياسي مكّنه من التفاوض باسم المؤسسة التشريعية، ومن تعطيل بعض التفاهمات أو تعديلها. أما التطور الأخير فيوحي بأن الأولوية أصبحت لتكييف القرارات البرلمانية مع الخيارات الاستراتيجية الجديدة لمعسكر الشرق. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن المصادقة على الاتفاقية لم تأت نتيجة تسوية سياسية شاملة بين الليبيين، وإنما ضمن إعادة ترتيب للعلاقات بين مراكز القوة القائمة.

تحصل تركيا، في المقابل، على مكسب استراتيجي كبير، فقد ظلت الاتفاقية البحرية التي وقعتها مع حكومة طرابلس موضع اعتراض، بسبب غياب موافقة البرلمان الليبي، فضلاً عن النزاع المتعلق بترسيم المناطق البحرية في شرق المتوسط. ويمنح تصويت مجلس النواب أنقرة دعماً مؤسّسياً ليبياً إضافياً، ويضعف الاعتراض المرتبط بالانقسام الداخلي حول الاتفاقية، لكنه لا ينهي الخلاف القانوني مع اليونان وقبرص ومصر، ولا يحسم حقوق الأطراف الثالثة في المناطق البحرية المتنازع عليها. حيث عبرت الخارجية اليونانية عن رفضها الاتفاقية، مؤكّدة تمسّكها بسيادتها.

تتجاوز أهمية الاتفاقية مسألة التنقيب عن الغاز والنفط، فهي تدخل ضمن التنافس على رسم مناطق النفوذ البحري وطرق الطاقة والمواصلات في المتوسّط، وتمنح تركيا موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة التصورات اليونانية والقبرصية لترسيم الحدود، وأيضاً في مواجهة المصالح الاسرائيلية الأوروبية المتعلقة بحركة وإمدادات الغاز. كما تمنح ليبيا فرصة لتعزيز موقعها في هذه المعادلات، شريطة أن تتحول الاتفاقية إلى جزءٍ من سياسة بحرية وطنية واضحة، لا إلى امتداد لمصالح القوى المتنافسة على السلطة داخل البلاد.

باتت مراكز القوة الليبية قادرة على تقديم ضمانات لشركائها من دون الوصول إلى اتفاق وطني شامل

هذا التحوّل الجديد سيفرض على مصر واليونان مراجعة حساباتهما بدرجاتٍ مختلفة. فقد كانت القاهرة من أبرز الداعمين لمعسكر الشرق خلال حرب طرابلس، وعارضت الاتفاقية التركية الليبية، لكنها طورت في السنوات الأخيرة اتصالاتها مع أنقرة. وتجد نفسها اليوم أمام حليف ليبي تقليدي يوسع علاقاته مع تركيا ويصادق على اتفاقية سبق أن اعترضت عليها. أما اليونان، فستواجه وضعاً تفاوضياً أكثر تعقيداً، بعدما أصبح الاتفاق يحظى بدعم مؤسسات من جانبي الانقسام الليبي، مع استمرار الخلاف حول أثر الجزر في تحديد المناطق الاقتصادية البحرية. غير أن المكسب التركي يطرح سؤالاً ليبيّاً لا يقل أهمية. فقد استطاعت أنقرة بناء علاقات مع طرفين خاضا حرباً دامية قبل سنوات، وحصلت عبر هذا الانفتاح على ما عجزت عن تحقيقه خلال مرحلة التحالف الحصري مع طرابلس. لكن قدرة القوى الخارجية على التفاهم مع الشرق والغرب بصورة منفصلة قد تسمح لها بتحقيق مصالحها من دون الحاجة إلى إنهاء الانقسام السياسي الليبي.

وتكشف هذه المفارقة طبيعة المرحلة التي دخلتها البلاد، فقد أصبح ممكناً لمعسكر الشرق أن يتفق مع تركيا على ترسيم الحدود البحرية، وأن يطور معها التعاون الاقتصادي والعسكري، بينما يستمر الخلاف الداخلي حول الحكومة والانتخابات والمؤسسات السيادية. وتتحرّك المصالح الخارجية بسرعة أكبر من عملية إعادة بناء الدولة، لأن مراكز القوة الليبية باتت قادرة على تقديم ضمانات لشركائها من دون الوصول إلى اتفاق وطني شامل.

يمثل تصويت مجلس النواب لذلك تحوّلاً مهماً في العلاقات الليبية التركية، لكنه يكشف أيضاً حدود التقارب بين الليبيين أنفسهم. فقد نجحت المصالح الاستراتيجية في تجاوز خصومة عسكرية وسياسية استمرّت سنوات، بينما لا تزال التسوية الداخلية عاجزة عن إنتاج سلطة موحدة. وسيكون الاختبار الحقيقي لهذه المرحلة في قدرة ليبيا على تحويل الانفتاح الإقليمي إلى عامل يدعم توحيد مؤسّساتها وسيادتها، بدلا من أن يصبح وسيلة جديدة لتعزيز سلطات متوازية تتفق مع الخارج وتختلف على إدارة بلدها.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.