28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
خبر

موسكو تقترح على الخليج دبلوماسية وقائية

تسعى روسيا للوساطة بين إيران ودول الخليج لإبرام اتفاق عدم اعتداء وخفض التصعيد، لكنها تستبعد إنهاء الأزمة دون تفاهم أمريكي إيراني، وسط استمرار إغلاق هرمز وتهديد أمن المنطقة واقتصادها.

آخر تحديث:
🔗 /s/28084

إن جولة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في دول الخليج وإيران ليست مجرد دبلوماسية مكوكية، بل محاولة لتحقيق خفض حقيقي للتصعيد في أحد أبعاد هذه الأزمة.

تنطلق موسكو من قناعة مفادها أنه لا يوجد حل عسكري، وتعرض على دول الخليج مساعدتها بوصفها وسيطا كفؤا وحسن النية يمكن لطهران أن تتحاور معه.

غير أن إبرام اتفاق ناجح لعدم الاعتداء لن يزيل المشكلة الرئيسية: سيبقى مضيق هرمز رهينة للصفقة الأمريكية-الإيرانية، ولا تزال آفاقها غامضة حتى الآن.

من منظور موسكو؟ الولايات المتحدة ليست مستعدة لجولة جديدة من الضربات المكثفة ضد إيران؛ لأن بنيتها العسكرية في المنطقة تضررت بشدة، وهناك نقص في الذخائر، ولا سيما صواريخ الاعتراض، كما أن الأسطول لا يستطيع ضمان وجود أكثر من مجموعة حاملة طائرات

كيف يبدو الوضع من منظور موسكو؟ الولايات المتحدة ليست مستعدة لجولة جديدة من الضربات المكثفة ضد إيران؛ لأن بنيتها العسكرية في المنطقة تضررت بشدة، وهناك نقص في الذخائر، ولا سيما صواريخ الاعتراض، كما أن الأسطول لا يستطيع ضمان وجود أكثر من مجموعة حاملة طائرات.

بيد أنها في الوقت نفسه لا تريد تقديم تنازلات قبيل انتخابات مهمة في البيت الأبيض، ولذلك تراهن على الضغط الاقتصادي على طهران، وعلى "أسطول الظل" الذي ينقل النفط عبر مضيق هرمز التفافا على الحصار الإيراني.

أما إيران، التي باتت تشعر بصورة متزايدة بالآثار السلبية للعقوبات الاقتصادية، فتشن هجومها الخاص؛ سعيا لانتزاع زمام المبادرة في النزاع، وإجبار الحلفاء على الضغط على الولايات المتحدة.

إن تفعيل دور الحوثيين في اليمن وتهديداتهم بإغلاق مضيق باب المندب يعنيان توسيع الرقعة الجغرافية للأزمة. وتزداد كلفة استمرار النزاع، ولا سيما بالنسبة إلى السعودية، التي تضطر إلى خوض حرب على جبهتين، ما قد يؤثر على إمدادات الطاقة نحو الأسواق العالمية.

غير أن دول الخليج الأخرى تجد نفسها في موقف مختلف، إذ لا تتمتع بما تتمتع به السعودية من عمق إستراتيجي وجغرافي، وربما من المستبعد أن تُقدم إيران على استهداف بنيتها التحتية الحيوية على نطاق واسع، لكن النزاع كبّدها بالفعل أضرارا كبيرة.

وقد ألمحت طهران إلى أن البنية الرقمية في المنطقة قد تكون ضمن الأهداف إذا تجدد التصعيد، وهي بنية تقوم عليها خطط التحديث وتنويع الاقتصاد. ومن شأن أي ضرر يصيب كابلات الإنترنت أو مراكز البيانات أو عقد النقل الرئيسية أن يؤخر برامج التنمية طويلا.

ماذا يمكن أن تقدم روسيا للخليج؟ لقد تمكنت دول الخليج العربية من تجاوز الجولة الأولى من الأزمة، لكن مواردها العسكرية والاقتصادية تواجه تحديات قصوى. وفي الواقع، وقعت عليها هي بالذات وطأة النزاع مع إيران، وهو نزاع لم تبدأه.

كان يمكن للصين أن تكون وسيطا مؤثرا، لكنها تتوخى الحذر، متجنبة الانخراط العسكري-السياسي في الشرق الأوسط؛ حرصا على تجنب التوتر مع الولايات المتحدة أكثر من اللازم ولا تعرض وضعها المحايد للخطر

واليوم يتضح سعي دول الخليج إلى التفاهم مع القيادة الإيرانية الجديدة وإبرام اتفاق لعدم الاعتداء. لكن ذلك لن يتحقق إلا من خلال الاحترام المتبادل بين الطرفين دون النظر إلى التفاوت في طبيعة القدرات بينهما.

وفي هذه الحالة، لا بد من وسيط يؤخذ رأيه في الاعتبار في طهران. كان يمكن للصين أن تكون وسيطا مؤثرا، لكنها تتوخى الحذر، متجنبة الانخراط العسكري-السياسي في الشرق الأوسط؛ حرصا على تجنب التوتر مع الولايات المتحدة أكثر من اللازم، ولا تعرض وضعها المحايد للخطر.

أما باكستان أو تركيا، فبعد إبرام اتفاق مكة فقد يتعثر دورهما للقيام بدور الوسيط، بسبب العلاقات الوثيقة بالسعودية، ولأن قواتهما العسكرية قد تنضم للعمليات القتالية في جبهة اليمن.

لا تزال روسيا في الوقت الراهن لاعبا محايدا نسبيا، فهي مرتبطة بإيران بمعاهدة شراكة إستراتيجية، لكن لديها معاهدة مماثلة مع الإمارات العربية المتحدة.

وفي دول الخليج العربية يؤخذ بعين الاعتبار تقارب موسكو مع طهران، لكنهم يعتبرون أن تطوير الروابط الاقتصادية والتجارة مع مجلس التعاون لا يقل أهمية إستراتيجية لروسيا.

فعلى سبيل المثال، تعد الإمارات أكبر شريك تجاري لروسيا في الشرق الأوسط ومركزا تجاريا مهما في ظل العقوبات. أما السعودية فهي شريك رئيسي في إطار "أوبك+"، وقد تصبح مستقبلا أيضا مستوردة كبيرة للغذاء الروسي.

وبالنسبة لموسكو، فإن التصعيد في الخليج لا يضر بـ"مصالح أمن المنطقة" المجردة، بل يضرب عقودا محددة، واللوجيستيات، وإيرادات الميزانية.

ولهذا السبب تحديدا، أوضح الكرملين منذ بداية الأزمة أنه لا يريد الاختيار بين طهران ودول الخليج العربية: فكلفة القطيعة مع مجلس التعاون بالنسبة لروسيا مرتفعة جدا بحيث لا يمكن التضحية بها.

ينبغي فهم أن روسيا تقيم الوضع الراهن بواقعية وبراغماتية، فهي لا تحاول تحقيق معجزة أو إنهاء الأزمة في الخليج سريعا

نحن نشهد تركيبة نادرة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، إذ إن روسيا الآن وسيط ترتبط مصالحه الاقتصادية والسياسية بطرفي النزاع، ما يعني أن لديه دافعا لعدم إفشال الصفقة، بل لإيصالها إلى نهايتها.

ومع ذلك، يجب فهم أن موسكو ليست مستعدة للضغط على طهران، ولن تضمن تنفيذ شروط صفقة خفض التصعيد بالقوة. فدورها ليس دور الحكم، بل دور منظم قنوات التواصل والتحقق من تنفيذ الاتفاقات، وبالنسبة لدول الخليج العربية، قد يكون ذلك كافيا إذا كان البديل هو مواجهة مباشرة مع إيران من دون أي وسيط.

ينبغي فهم أن روسيا تقيم الوضع الراهن بواقعية وبراغماتية، فهي لا تحاول تحقيق معجزة أو إنهاء الأزمة في الخليج سريعا.

هذه المشكلة شديدة التعقيد وتتطلب مقاربة مرحلية، ويقسمها الخبراء الروس إلى عدة مسارات: المسار الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني، والمسار الإيراني-العربي الخليجي.

وفي الوقت الحالي، تستعد دبلوماسية موسكو عبر تصريحاتها المختلفة للمساعدة في التوصل إلى تفاهمات تهدف إلى تقليص التهديد العسكري المباشر لدول الخليج العربية.

إن خفض التوتر وإحراز تقدم، ولو في أحد المسارات، سيساهمان في منع التصعيد واتساع نطاقه الجغرافي، كما سيقللان التداعيات السلبية على المنطقة، ولهذا السبب تحديدا، بات من الممكن في موسكو سماع مصطلح "الدبلوماسية الوقائية" على نحو متزايد.

يبدو أن إبرام اتفاق عدم اعتداء بين إيران ومجلس التعاون أمر قابل للتحقق تماما، وشروط مثل هذه الصفقة واضحة ومقبولة للأطراف.

بالتأكيد لن ترى إيران دول الخليج مصدر تهديد في حال انسحاب القوات الأمريكية وإغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة، وكذلك ضمان عدم عبور أي تهديدات جوية من خلال إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، ومن جانبها، سيتعين عليها الامتناع بصرامة عن أي أعمال عدوانية ضد جيرانها، وهذا هو تقييمنا في روسيا لخفض التصعيد في المنطقة.

وفي مرحلة لاحقة، قد تضاف تفاهمات بشأن الامتناع عن إنشاء تكتلات عسكرية تتحسب لها إيران، والوقف المتبادل لتكديس مخزونات فائضة من الأسلحة.

وإذا تم التوصل إلى تفاهمات بين الطرفين، فسيطرح سؤال مراقبة تنفيذها، وهنا قد تصبح الفكرة الروسية بشأن تنظيم آليات خاصة لأغراض التحقق من مضي الطرفين في تنفيذها مطلوبة.

إن إبرام اتفاق عدم اعتداء بات أكثر ترجيحا، لا سيما أن جميع المنشآت الأمريكية في المنطقة أصبحت عرضة للضربات الإيرانية، وهو ما يستدعي تقييما لجدوى الاعتماد عليها.

بعد إبرام اتفاق عدم اعتداء رسمي أو غير رسمي، ستنخفض حدة التوتر في الخليج والتهديد المباشر للدول الساحلية، لكن حالة "لا حرب ولا سلام" قد تطول أشهرا عديدة أخرى، لأن مسألة حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب ستبقى من دون حل

فالأمريكيون أنفسهم يرون هذه القواعد بأنها بحاجة إلى إعادة تقييم في ظل الأضرار التي لحقت بها، وعمليا جرى سحب القوات الأمريكية من الخليج، وباتت تستخدم قواعد بعيدة في الأردن أو في جزيرة دييغو غارسيا أو في شرق المتوسط.

هل ستنتهي الأزمة إذا جرت الأمور في هذا السياق؟ الإجابة عن هذا السؤال سلبية، إذ لا تلوح في الأفق إمكانية تسوية المسار الثاني من الأزمة الراهنة، أي المسار الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ الإيراني.

فبعد إبرام اتفاق عدم اعتداء رسمي أو غير رسمي، ستنخفض حدة التوتر في الخليج والتهديد المباشر للدول الساحلية، لكن حالة "لا حرب ولا سلام" قد تطول أشهرا عديدة أخرى، لأن مسألة حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب ستبقى من دون حل.

ولا يمكن فتح مضيق هرمز إلا في حال التوصل إلى تفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، وهنا تبدو المسألة أكثر تعقيدا بكثير.

لا تملك دول الخليج العربية أدوات ضغط كافية على ترمب، الذي لا يستطيع الخروج من الحرب مع إيران من دون فتح هرمز، ومن دون تنازلات ولو رمزية من طهران بشأن الملف النووي.

غير أن تقديم إيران تنازلات جوهرية في الوقت الراهن أمر مستبعد، فالقيادة الإيرانية الحالية، مثل ترمب، تحتاج إلى نصر مقنع وإلى رفع العقوبات الاقتصادية من أجل تعزيز الاستقرار الداخلي.

نظريا، كان يمكن لروسيا أن تساعد ترمب في التوصل إلى اتفاق مع طهران، فلدى الإيرانيين كل الأسباب لعدم الثقة بترمب، الذي أصدر أكثر من مرة أوامر بشن ضربات أثناء مفاوضات السلام، ولذلك لا غنى عن وسيط موثوق.

غير أن موسكو، ما دامت الولايات المتحدة تقدم المساعدة لحكومة زيلينسكي في كييف، لن توافق على الأرجح على مساعدة أمريكا للخروج من نزاع فاشل طال أمده.

ستكون حصيلة تنشيط الدبلوماسية الروسية بالنسبة إلى الخليج مزدوجة، فمواثيق عدم الاعتداء قادرة على إزالة التهديد العسكري المباشر عن البنية التحتية المدنية لهذه الدول، ومن هذه الزاوية تملك الوساطة الروسية فرصة للنجاح.

لكن وضع "لا حرب ولا سلام" قد يمتد إلى أجل غير مسمى، وربما حتى مغادرة ترمب البيت الأبيض.

وسيبقى هرمز مغلقا إلى أن تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق، ولإبرام صفقة لا بد من تنازلات لا تبدو لا طهران ولا ترمب مستعدين لها الآن.

وفي المقابل، تبدي موسكو استعدادا للوساطة في خفض مستوى التهديد، لا في إنقاذ واشنطن من النزاع، ما دامت الولايات المتحدة تساعد كييف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة نت

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.