28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
خبر

حتى لا يضيع الوهم: غربة الكاتب. غربة الكتاب

 عبد الخالق كيطان ذهب الكاتب إلى القاعة التي ستقام فيها أمسية عن كتابه الجديد. وصل قبل دقائق من الموعد. لم يكن في انتظاره سوى كراسٍ فارغة. انتظر. وانتظر. ولم يحضر أحد. كان معه صديق وثّق تلك اللحظة بالصّوت والصّورة…

آخر تحديث:
🔗 /s/30118

 عبد الخالق كيطان

ذهب الكاتب إلى القاعة التي ستقام فيها أمسية عن كتابه الجديد. وصل قبل دقائق من الموعد. لم يكن في انتظاره سوى كراسٍ فارغة. انتظر. وانتظر. ولم يحضر أحد. كان معه صديق وثّق تلك اللحظة بالصّوت والصّورة، وهنا أجهش الكاتب بالبكاء. لقد كانت أكبر من خيبة أمل. كان شركا صنعه لنفسه وبنفسه!

هذه القصّة حقيقية. حدثت في الجزائر مؤخرا. وكتب عنها كثيرا. بطلها هو الروائي حامد ياسين، وكتابه موضوع الندوة رواية بعنوان: "سفيرة من الريف". اللافت أن فيديو بكاء الكاتب انتشر في السوشل ميديا مثل انتشار النار في الهشيم مما جعل من صاحبه نجما وأسمه تتداوله الألسن، وربما ذهب الأمر أبعد من ذلك عندما زاد الطلب على الكتاب داخل الجزائر بعد أن كان مجرد وهم في رأس صاحبه.

وأنا أقرأ عن ذلك تذكرت رواية " وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر، والتي صدرت عام ١٩٨٣ ، ولكنها تحوّلت إلى أشهر رواية في العالم العربي بعد أن أعادت وزارة الثقافة المصرية طبعها وأصدر الأزهر بياناً يطالب بمنعها، متهما الرواية بالإساءة إلى الدين الإسلامي ما أدى إلى موجة احتجاجات عارمة ضدها شارك فيها الملايين!

وهنالك حكاية الشاعر الذي طلب من صديقه، شيخ الجامع في المنطقة التي يسكن فيها، أن يتّهم مجموعته الشعرية أثناء خطبة الجمعة بأنها تتقاطع مع تعاليم الدين الحنيف فتثور ثائرة الجمهور ضدّها وبالتالي ترتفع مبيعاتها بعد أن كانت مجرد مجموعة شعرية تسكن الرفوف مثل الالاف غيرها!

هذه الحكايات هي نماذح حيّة عن غربة الكتاب وغربة الكاتب أيضا في مجتمعاتنا. فالصحافة الثقافية تتحدث كل يوم، وكذلك يتحدث الأدباء والكتاب، عن انخفاض عدد النسخ التي تطبعها دور النشر ما خصّ الأدب عموما. إن أكثر الكتاّب شهرة لا يطبع لعمه أكثر من بضعة آلاف من النسخ في أحسن الأحوال. وهنالك دور نشر انتشرت في العقدين الأخيرين، كما هو الحال في العراق مثلا، لا تطبع أكثر من مائة نسخة للكتاب. تصوّر.. مائة نسخة في بلد فيه عشرات الجامعات، أما المنتسبين فيه لاتحادات الأدباء والفنانين فيعدّون بالآلاف، وربما أكثر!

هذه ظاهرة عربية جدا. حتى العملاق نجيب محفوظ لم يسلم منها. ولولا نوبل لما زادت مبيعات كتبه عن سواه من الروائيين العرب، وهم كثر.

هل السبب في هذه المأساة هو أدبنا العربي نفسه؟ أو أن جمهور هذا الأدب تقلّص وتقلّص حتى لم يعد يذكر؟ والسؤال هنا أيضا: لماذا تقلّص هذا الجمهور؟ وهل كان في القرن الماضي أكبر منه في قرننا هذا؟ في الحقيقة أنا أشك في ذلك، وطبقا لقصة الروائي حيدر حيدر، وما يشابهها، فإن الأزمة قديمة وبنيوية. فهل نحن أمّة لا تقرأ، وإذا قرأت فأنها تفضّل أن تقرأ ما تجود به لغات العالم المختلفة على لغتنا الأم؟

مازلت أعتقد أن الكتابة شأن شخصي. وهي غير معنيّة بالأرقام التي تعلنها المكتبات أو مهرجانات الكتب هنا وهناك. فالكاتب العربي لم يصل إلى مرحلة أن يكون مصدر عيشه مبنيا على ما يكتب. إنه يكتب لأنه يجب أن يكتب. لا يستطيع فعل شيء آخر غير الكتابة. هي فعله الوحيد في هذا العالم غير النبيل. أما حياته الشخصية فهي سلسلة من الدموع والخسارات ليس إلا.

المصدر: جريدة المدى

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.