العراق يعيد تشغيل الخط البحري التجاري بعد عقود من التوقف
بدأ العراق إعادة تنشيط قطاع النقل البحري التجاري، مع استئناف تشغيل الخط الملاحي الوطني بعد توقف امتد لعقود، في خطوة تستهدف استعادة جزء من حركة نقل البضائع والحاويات وتعزيز حضور الناقل العراقي في التجارة الإقليمية، وسط تحديات تتعلق بمحدودية الأسطول الوطني وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بفعل اضطرابات مضيق هرمز. وتكتسب الخطوة أهمية اقتصادية في ظل اعتماد العراق الواسع على الاستيراد وشركات الشحن الأجنبية، إذ تفتح المجال أمام توسيع خيارات النقل وتقليل تكاليف الخدمات اللوجستية، شريطة انتظام الرحلات والقدرة على المنافسة في الأسعار ومواعيد التسليم.
تعمق أكثر
ويأتي ذلك في وقت تتجاوز فيه الطاقة الاستيعابية المعلنة للموانئ العراقية 79 مليون طن سنوياً، بينما يقتصر الأسطول الوطني على ستّ سفن، ما يضع جدوى المشروع وقدرته على استقطاب حصة من سوق الشحن أمام اختبار اقتصادي وتشغيلي. وتبرز أهمية هذه العودة في توقيتها، إذ يواجه المستوردون تحديات مرتبطة بتقلب مسارات التجارة البحرية، بينما تحتاج الشركات الوطنية إلى بناء ثقة العملاء عبر انتظام الخدمة والشفافية في التسعير، كما أن توسيع نشاط الخط قد يتيح مستقبلاً تطوير خدمات مساندة في الموانئ، تشمل التخزين والصيانة والوكالات البحرية، بما يعزز فرص العمل ويزيد القيمة الاقتصادية المتحققة محلياً، من دون افتراض أن رحلة واحدة تكفي لإحداث تحول واسع في سوق النقل.
عودة الخط البحري
وأعلنت الشركة العامة للنقل البحري التابعة لوزارة النقل العراقية وصول الباخرة "البصرة" إلى ميناء أم قصر محملة بالحاويات، قادمة من ميناء جبل علي الإماراتي، في أولى خطوات استئناف نشاط الخط البحري العراقي (Iraqi Line)، بعد توقف امتد لأكثر من خمسة عقود. وقال المدير العام للشركة، أحمد جاسم، إن إعادة تشغيل الخط ستوفر خيارات إضافية للشحن أمام التجار والمستوردين، وتعزز حركة نقل البضائع بين الموانئ العراقية والإماراتية، بما يسهم في تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير وتنشيط الحركة التجارية.
وأوضح جاسم، في بيان أمس الاثنين، أنّ الخطوة تأتي ضمن توجهات الشركة لتفعيل الناقل الوطني وتوسيع خدمات النقل البحري وتعزيز حضوره في التجارة الإقليمية والدولية. وكانت وزارة النقل قد أعلنت في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري استعداد الخط لاستئناف نشاطه التجاري، مشيرة إلى أن آخر رحلاته تعود إلى منتصف ستينيّات القرن الماضي. كما أعلنت أن الطاقة الاستيعابية للموانئ تجاوزت 3.6 ملايين حاوية، مع تنفيذ إجراءات لمعالجة الاختناقات وتأهيل الطرق والساحات المرتبطة بالموانئ.
تحديات الأسطول الوطني في العراق
وفي هذا السياق، أكد عضو لجنة النفط والغاز النيابية جاسم الموسوي أهمية تطوير الأسطول البحري الوطني وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل نتيجة أزمة مضيق هرمز. وأوضح الموسوي، لـ"العربي الجديد"، أن العراق بحاجة إلى امتلاك أسطول أوسع من الناقلات الوطنية، مشيراً إلى أنّ تكاليف النقل ارتفعت بصورة كبيرة نتيجة الاضطرابات الإقليمية، ووصلت، بحسب تقديراته، إلى ما يقارب نصف قيمة النفط المصدر. وأضاف أن توسيع قدرات النقل البحري الوطني يمكن أن يوفر ملايين الدولارات للخزينة العامة، ويقلل الأعباء المالية المرتبطة بأجور وتأمين النقل، ويعزز قدرة العراق على مواجهة الأزمات التي تؤثر في حركة الملاحة.
ارتفاع أجور النقل والتأمين
من جانبه، رأى التاجر حليم حميد أنّ "إعادة تشغيل الخط بين جبل علي وأم قصر تمثل خطوة إيجابية لتوسيع خيارات الشحن أمام المستوردين، خصوصاً بعد ارتفاع أجور النقل والتأمين وتأخر وصول البضائع نتيجة اضطرابات هرمز"، وأوضح حميد، لـ"العربي الجديد"، أن "تقلب تكاليف الشحن وعدم انتظام مواعيد التسليم ينعكسان على كلفة السلع المستوردة وأسعارها في الأسواق العراقية"، مشيراً إلى أن "وجود ناقل وطني فاعل قد يعزز المنافسة مع الشركات الأجنبية، شريطة تقديم أسعار مناسبة وضمان انتظام الرحلات وسرعة التخليص الجمركي"، وأضاف أن "نجاح الخط يعتمد على تقديم خدمات متكاملة تشمل الحجز والنقل والتفريغ والتسليم ضمن جداول واضحة"، مؤكداً أن "التجار يحددون خياراتهم وفق الكلفة الإجمالية وموثوقية الخدمة، وليس جنسية الشركة الناقلة". وأشار إلى أن توسيع نشاط الخط قد يسهم تدريجياً في خفض تكاليف الاستيراد، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري في أسعار السلع، ما لم تتوافر طاقات نقل وخدمات لوجستية قادرة على المنافسة.
الجدوى الاقتصادية
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي كريم الحلو أنّ إعادة تشغيل الخط البحري الوطني تفتح فرصة لتحويل النقل البحري إلى مصدر إضافي للإيرادات غير النفطية، والاستفادة من حركة التجارة الخارجية الواسعة التي تعتمد حالياً بصورة كبيرة على خدمات الشركات الأجنبية. وأوضح الحلو، لـ"العربي الجديد"، أن بيانات وزارة التخطيط تظهر استيراد العراق نحو 23.46 مليون طن من البضائع عبر موانئه خلال عام 2025، بزيادة 10.5% عن العام السابق، بينما بلغت إيرادات الشركة العامة للنقل البحري 213 مليار دينار، بانخفاض 10.9%، ما يكشف تفاوتاً بين نمو حركة البضائع وعوائد الناقل الوطني.
وأضاف الحلو أنّ الواردات السلعية بلغت نحو 72.3 مليار دولار خلال 2025، منها 49.3 مليار دولار عبر الموانئ البحرية، ما يعكس حجم الفرص المتاحة للاستثمار في النقل والخدمات اللوجستية وتعزيز القيمة المضافة المحلية. وحذّر المتحدث ذاته من أنّ "التوسّع غير المدروس قد يحول المشروع إلى عبء مالي بدلاً من مصدر مستدام للإيرادات، ما يستدعي خطة تشغيلية واستثمارية واضحة تضمن الجدوى الاقتصادية وتعزز قدرة الناقل الوطني على المنافسة إقليمياً".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗