28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/37073

خارج التغطية

لم تكن الخيبة وحدها ما انتابني حين اطّلعت، بحكم عملي مستشارةً للدراما في منصّة رقمية، على مشروع لشاب سوري. كان في الأمر ما هو أثقل: قهر ربما، أو أسى، وحكماً دهشة يخالطها حزن لم أعرف كيف أسمّيه. قرأت المسودة مرتين، ولم تزدني القراءة الثانية إلا شعوراً غامضاً بالكرب. يحكي المشروع عن شاب سوري تقوده عزلته إلى الذكاء الاصطناعي، فيستبدل شيئاً فشيئاً البشر بالشاشة المضيئة، ويمضي في حديث لا ينقطع بين رجل وآلة لأيام وليال. ينسحب بهدوء من مشقة الحياة وأسئلتها، ومن الاحتكاك بالآخرين، ليحتمي ببيت ذي جدران تكنولوجية كتيمة عالية، ويطمئن إلى أجوبة جاهزة، منتقاة، مفلترة، معقّمة من المفاجأة والاختلاف. هو الوهم إذا ما أخاف السيناريست السوري! الوهم كله في الداخل، فيما الحياة تنتظره خارج الباب.

لم يكن ما أقلقني الحكاية نفسها، بل ما يقع خارجها. فكرت في كاتبها الشاب: يكتب عن أثر تكنولوجيا لم تتح له فرصة اختبارها كما اختبرها أقرانه في أنحاء أخرى من العالم. يعرفها من بعيد، من أخبارها ومخاوفها وما يُروى عنها، ثم يتخيّل إنساناً أفسدته كثرة استخدامها. كانت المفارقة موجعة: يكتب عن عزلة صنعتها التكنولوجيا، فيما يعيش عزلة صنعها الحرمان منها. فالعزل التكنولوجي ليس انقطاع جهاز أو تطبيق، بل انقطاع تجربة. العالم اليوم مختبر هائل يعيد فيه البشر اكتشاف طرائقهم في الكتابة والبحث والترجمة والتعلّم والعمل، بينما يقف السوري خارجه، يسمع صخب الأسئلة ولا يمتلك دائماً حق الجدل حولها. يُحرم التجربة لإقصائه عن التكنولوجيا، يُحرم حق تكوين موقف منها.

يمكن للعقوبات أن تُرفع على الورق، فيما تبقى أخرى عصيّة على التسمية: عقوبة الجغرافيا، والبنية التحتية، والخدمات التي تقرر حقك في الوصول للمعلومة تبعاً لتموضعك على الخريطة. فلا يعزل بلدا عن استخدام تطبيق فحسب؛ إنما قد يعزل جيلا بأكمله عن لحظة معرفية تتشكل الآن.

عدت بذاكرتي القريبة جداً إلى مقاعد الجامعة في كندا. أتذكر أساتذتي وهم يفتحون أمامنا أبواباً لم نكن نعرف أنها مشرّعة، كأنهم يرون في ذلك جزءاً من أمانة التعليم نفسها: ألّا يتركوا طلابهم محرومين من المعارف المتاحة. حيث لم تدخل التكنولوجيا الصف كضيف ينبغي الحذر منه، بل كسؤال علينا الإجابة عنه، والاقتراب منه. وحين جاء الذكاء الاصطناعي، اختبرنا أجوبته مع أستاذنا، بحثنا عن أخطائه وانحيازاته، وعدنا إلى مصادرنا لنلعب، نختبر ونقارن. تعلمنا كيف نستخدمه، والأهم كيف نحاوره، ومتى نغلق الشاشة ونعود إلى أصواتنا. فالجامعة مهمتها ألا تحجب العالم عن طالبها كي تحميه، بل أن تفتح له أبوابه وتمنحه الأدوات كي يدخله بعينين مفتوحتين. لهذا تؤلمني إحالة الذكاء الاصطناعي في سورية إلى دور السارق المنتحل، كأنه مجرد يد تمتد إلى نصوص الآخرين. رؤية تتجاهل الدور الهائل لتطبيقات تفتح أبواب المخيّلة، وتختصر الوقت. لعل أهمية علاقة جيل زد بالتكنولوجيا تكمن هنا. فهذا جيل نشأ على إمكان غير مسبوق للوصول إلى المعلومة ومقارنتها ومساءلتها، فتغيّرت علاقته بالمعرفة، وبالسلطة أيضاً. يصعب إقناع من اعتاد البحث بأن رواية واحدة تكفي، أو أن باب السؤال يمكن إغلاقه. كلما اتسعت المعرفة، ضاقت مساحة الوصاية. عدت إلى المشروع، وإلى خوف كاتبه من أن تحاصرنا الآلة يوماً. وفكرت أن ثمة عزلة أخرى، أقل صخباً وأشد قسوة: أن يمضي العالم إلى تجربته الجديدة، فيما يبقى السوري في مكانه، يراها من الضفة الأخرى. أن تُحرم من التكنولوجيا عزلة. أما أن تُحرم منها، ثم تُترك لتتخيّل معناها، فتلك عزلة مضاعفة.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.