28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/37066

أمة تسمع ولا تجادل... نحو أَنسنة الموسيقى السورية وعقلنتها

دارس الموسيقى السورية سيرى أنَّ مُعظمها للاستهلاك الطربي والترفيه، نستثني موسيقى سميح شقير وأغانيه، وموسيقى (وألحان) رضوان رجب (1947 - 2025) مع فهد يكن في (أنشودة عربية للمستقبل) ذلك على سبيل المثال، والتي أخرجت المستمع، أو مُتعاطي الموسيقى من قمقم الأغنية المتحفيّة عن الحب المليء بالإشارات الجنسية ولوعة الفراق، إلى الاشتغال بهمومه اليومية المعاشية كإنسان مقهور مربوط بجنازير الأنظمة الاستبدادية، لأنَّها موسيقى ليست ذات منابع فكرٍ يؤسِّس لفعل ثقافي، كما فعلت الموسيقى الألمانية والإيطالية والتي شاركت في صنع نهضة أوروبا، النهضة عندنا ولَّت مذ سقطت فلسطين، وها هي ما زالت توالي اندحارها؛ حيث إسرائيل تؤدِّب العربَ العاربة والمُستعربة، ذلك لو فكَّر عربيٌ؛ مسؤولٌ عربيٌ، أن ينتصر لغزّة ولو بالاستنكار؛ وهذا أضعف الإيمان، فكيف بالرصاص والنار، مُفجعٌ هذا الجُبن العربي الرسمي.

سميح شقير، خصوصاً في أغنيته "يا... حيف" وفي أدائه وهو يغنيها كان يدرس الجملة المغنَّاة دراسة موسيقية كجملةٍ استغرابية تعجبية

نحن في موسيقى رضوان رجب وسميح شقير مع نغمات تحترمُ عقل الإنسان، فهي إنْ لم تثوِّر الضمير بعد هذه المحرقة؛ الجحيم، الذي عاشه السوريون مع الأسد وعائلته أكثر من خمسين سنة، فإنَّها تدفع مُستمعها للتفكير والتأمُّل النقدي، وأنَّ الموسيقى هي فنُّ التفكير بالأنغام. ففي موسيقاهما كنَّا نشعرُ بائتلاف واختلاف أصوات آلات العازفين، برنين الأنغام التي يعزفونها، مع رنين صوت المغني، وبصوته الحاد حين تكون الجملة الشعرية استنكارية أو غاضبة وبوقعٍ حارٍ على النفس، كنتَ تشعر أنَّ الجملة اللحنية تَعْبُرُ من الحدس وليس من الذهن، ودون الإسراف في العاطفية؛ جملة تُثيرك وهي مُغنَّاة بمصاحبة الموسيقى أكثر ممَّا هي على الورق حين كتبها الشاعر. فاللحن حرَّك الساكن في القصيدة، وبثَّ فيها ديمومة موسيقية حيَّة. ديمومة موسيقية من تناغماتٍ لا تنافرات بينها، تُسَخِّنُكَ، تهزُّكَ. فتتَّصلُ بما انقطعَ منكَ، بما كان محجوباً عنك؛ نحن مع قصيدة مُغنَّاة، ولسنا مع آراء سياسية، نحن هنا مع عِبارةٍ، مع جُملةٍ ذاتُ مشحونٍ تحريضي عقلاني لتكون مثلاً؛ مثالاً للإنسان الذي يحاكم الحدس بالعقل.

سميح شقير، خصوصاً في أغنيته "يا... حيف" وفي أدائه وهو يغنيها كان يدرس الجملة المغنَّاة دراسة موسيقية كجملةٍ استغرابية تعجبية تحثُّ على أن تصير قوَّة تكون مرجعاً أخلاقياً وجمالياً يُشيع الحريَّة والسلام، فهو لا يؤدِّي كلاماً، هو يرسلُ نغماتٍ مليئة بالإشارات تنتظرُ مِنَّا أن نلتقطها. ذلك لأنَّه ليس مُتكلِّماً لغوياً، فكلُّ لحنٍ؛ وحتى يحقِّق الشكل الموسيقي، لا بدَّ أن يمرَّ في زمانٍ موسيقي ينبع من الإلهام، وهذا ما حاول أن يشتغل عليه ألحانه وأغانيه.

كثيرٍ من موسيقانا العربية؛ تكديس التنافر والنشاز؛ بل لشحذِ الهِمَم نحو أَنسنةِ وعقلنةِ اللحن، فيكون تعبيراً عن راهِننا، عن فرحنا أو غضبنا، وليس حزننا؛ وأنَّنا أمَّةٌ تنقادُ بالسماع، لا بالحوار

في تجربة الموسيقار رضوان رجب مع فهد يكن؛ سنرى أنَّه ذهب إلى تلحين (القصيدة) سواءً كانت لشعراء الأبحر الخليلية، أو معاصرين من شعراء التفعيلة أو قصيدة النثر؛ كقصيدة "مهيار" للشاعر أدونيس أو "احتراق" لبدر شاكر السياب أو "حمُّود" لخليل الرز أو "فراق" لعلي الجندي أو "عظماء الروح" لمحمد الكنايسي أو "المغني" لممدوح عدوان. وهي قصائد ذات خطاب، وإن كان بعضها مباشراً، ولكن ليُحرِّضَ القوَّة الكامنة في ضمير المستمع، فيُحوِّل الطاقة اللغوية في القصيدة إلى طاقة موسيقية، لأنَّها وهي مُغنَّاة إنَّما لتنشرَ الفرحَ والفكر. الغناء في هذه الحالة عند رجب ليس صدى صوتياً؛ بل هو إثارة للحدس والشعور، وهو كذلك ليس معركةً، إنَّه إشراقاتٌ عقلية، ولحظةُ خلقٍ تُولِّدُ عندنا الشعور بالرفعة والسمو. والموسيقي المُلحِّن كما في ألحان رجب وشقير يأخذ بالتعبير اللغوي لا بوصفه مرصوفاً- كلمات مرصوفة، وقد تخثَّرت أو تصلَّبت فيها المعاني، بل يأخذ بالتعبير، فيفكِّك ويحلِّل العلامات والإشارات التي يحملها؛ كانت عنيفة- كما في معظم القصائد، فيكشف ما فيها من: آلام، أحزان، رضا، أفراح، غضب، رغبة، شهوة، مكان، زمان، أنوثة- رجولة، خيالي- أسطوري، واقعي... إلخ. وأظن أنَّ كلا الملحِّنين قد حقَّق شيئاً من هذا، فقد بعثَا في الألحان أفكاراً جديدة، من (العنف) الذي في التعبير اللغوي لمعظم القصائد، فليَّنَاه، ثمَّ أطلقاه لينمِّي القوَّة الكامنة في أعماقنا، فنفضِّل أن نذهب إلى الفاجعة على أن نبقى خائفين من الطاغية. لأنَّ الأنغام والألحان في حالة مثل هذه الأغاني والتي سمعناها قبلاً من: الشيخ إمام وزياد الرحباني ومارسيل خليفة وفرقة لمشاهِد المغربية وفرقة الطريق العراقية وغيرهم؛ إنَّما تدفعنا لنطيل التحديق في العتمة لنرى كيف صار القط نمراً. ففي تجارب سميح شقير ورضوان رجب وفهد يكن، وهي ضرورة روحية في حينها وما تزال؛ لم يُكَوِّنوا ذاك التراكم الكمي لمثل هذه الأغاني بسبب محاربة السلطة القهرية لهم؛ فتجربة "أنشودة عربية للمستقبل" وُئِدت، رغم أنَّها شكَّلت مركزاً لثقل لحني رغم طغيان الموسيقى الهابطة وأغانيها التي تروِّج لها الفضائيات العربية، وتفسح لها مساحاتٍ زمنية؛ ذلك ليخفَّ تأثيرها ودورها الذي لعبته في الحياة الثقافية العربية في السبعينيات والثمانينيات.

نغمةٌ، نغمتان، أنغامٌ رئيسة تقود اللحنَ بصوتٍ صاعد نحو الأعلى، ليس بغية تكديس الأنغام كما نرى في كثيرٍ من موسيقانا العربية؛ تكديس التنافر والنشاز؛ بل لشحذِ الهِمَم نحو أَنسنةِ وعقلنةِ اللحن، فيكون تعبيراً عن راهِننا، عن فرحنا أو غضبنا، وليس حزننا؛ وأنَّنا أمَّةٌ تنقادُ بالسماع، لا بالحوار؛ أُمَّةٌ تَسْمَعُ وتَسْمَعُ ولا تُجادِل. فالصوتُ كانَ ما كانَ جنس النص؛ هو مَنْ يُجنِنُكَ أو يعقلنُكَ، وأنَّ المنابر هي مَنْ تسُوسُنا، تنخرُ أعصابَ وَعْيِنا بالحريَّةِ والنَهضةِ والعدالةِ والديمقراطية و... وتحرير فلسطين.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.