لو استهدفت إيران كابلات الإنترنت في مضيق هرمز
تخيّل أن تستيقظ يوماً، وتجد أن العالم لم يعد متصلاً كما اعتدت؛ تحويلات مالية تتعثّر، وخدمات رقمية تتباطأ، وشركات تواجه صعوبة في التواصل مع أسواقها الخارجية. مشهد قد يبدو أقرب إلى الخيال، لكنه يطرح سؤالاً جدّياً مع تصاعد التوترات في المنطقة: ماذا لو لم يكن السبب هجوماً سيبرانياً أو عطلاً تقنياً، بل استهداف كابلات الإنترنت الراقدة في أعماق البحار؟
في مضيق هرمز، حيث ارتبط اسم الممرّ عقوداً طويلة بملفات النفط والغاز، تتشكّل اليوم ملامح جبهة صراعٍ خفية تُهيكل قواعد اللعبة من جديد. هذه المرّة، لن يكون الهدف شحنات الطاقة الملموسة، بل "البيانات" التي تُشكّل الوقود الحقيقي للاقتصادات الحديثة، فقد أطلقت تلميحات المتحدّث باسم الحرس الثوري الإيراني، العميد حسين محبي، بخصوص استهداف سبعة كابلات بحرية تحت مياه المضيق، شرارة تحذيرٍ حول مدى هشاشة البنية التحتية الرقمية أمام الاستقطاب العسكري، ولا سيّما أن حركة المال والتجارة الإقليمية أضحت مرهونة بتدفقٍ ضوئي لا يتوقف عبر الحدود.
لا تقتصر المخاوف على الكابلات المارّة بالمضيق؛ إذ قد تمتد إلى مسارات بحرية أخرى تربط الخليج بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، إذ تتقاطع شبكات الاتصالات مع مناطق تشهد توتراتٍ وصراعاتٍ مستمرّة. ورغم أن بعض هذه الكابلات يقع خارج نطاق التأثير الإيراني المباشر، فإن المخاطر المحيطة بها قد تتزايد بفعل اتساع رقعة المواجهة، أو تعرّضها لأعمال تخريب تنفذها أطراف أخرى. وهكذا، لا يعود التحدّي محصوراً في حماية نقطة جغرافية بعينها، بل في تأمين شبكة مترابطة من المسارات البحرية التي تحمل البيانات بين الخليج وبقية العالم.
ما تخشاه دول الخليج لا يقتصر على احتمال تراجع سرعة الإنترنت أو تعطل بعض الخدمات الرقمية، بل يمتد إلى انعكاسات اضطراب الكابلات البحرية على النشاط المالي والاقتصادي
تكشف البنية التحتية الرقمية في هذه المنطقة عن أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية؛ إذ تفيد تقديرات متداولة بأن نحو 30% من حركة الاتصالات بين آسيا وأوروبا تعتمد على البنية التحتية العابرة لمضيق هرمز، فيما ترتبط نسبة كبيرة من الاتصالات الإقليمية في الخليج والشرق الأوسط بشبكة الكابلات البحرية التي تخدم المنطقة. وتشمل هذه الشبكة أنظمة مثل كابل آسيا–أفريقيا– أوروبا 1 (AAE-1) وشبكة فالكون (FALCON)، إلى جانب أنظمة أخرى تربط المنطقة بالمسارات الدولية. وفي موازاة هذا، يعكس مشروع (FIG)، بسعة تصميمية معلنة تصل إلى 720 تيرابايت في الثانية، حجم التوسع في البنية التحتية اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، كما يسهم نظام "جسر الخليج الدولي" (GBI) في ربط أسواق الخليج بشبكات الاتصالات الدولية، بما يدعم حركة البيانات بين مراكز البيانات والمؤسسات في المنطقة والوجهات العالمية.
المفارقة هنا تكمن في أنّ البنية التي تتيح لدول الخليج تعزيز اندماجها في الاقتصاد الرقمي العالمي قد تتحوّل، في أوقات الصراع، إلى إحدى نقاط ضعفها الاستراتيجية؛ فتعطل بعض الكابلات لا يعني بالضرورة انقطاع الإنترنت بالكامل، لكنه قد يضغط على المسارات البديلة ويؤثر في سرعة الاتصال وكفاءة الخدمات والمعاملات العابرة للحدود. وبذلك، قد لا يبقى الصراع على مضيق هرمز على ما يمرّ فوق سطح البحر من طاقة وتجارة، بل يمتد إلى ما يرقد في أعماقه من شرايين رقمية باتت لا تقل أهمية عن شرايين الاقتصاد التقليدي.
تتضح أهمية قراءة التهديد الإيراني عند النظر إلى تنامي الاعتماد الرقمي في دول الخليج، إذ يقترب استخدام شبكة الإنترنت من الشمول الكامل، مع بلوغ المتوسط التقريبي لمستخدميه نحو 99% من السكان. فهذه الشبكة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبحت ركيزة أساسية لتشغيل الخدمات الحكومية والأنظمة المالية والتجارة الإلكترونية والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب التوسّع المتسارع في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وقد أسهمت الاستثمارات الخليجية المتواصلة في شبكات الجيل الخامس والألياف الضوئية والبنية التحتية الرقمية في تعزيز مكانة المنطقة ضمن الاقتصادات الأكثر اتصالاً بالعالم، وزيادة حاجتها إلى تدفق البيانات بسرعة وكفاءة عبر الحدود. وبالتالي؛ فإنّ ما تخشاه دول الخليج (إذا ما استُهدفت الكابلات) لا يقتصر على احتمال تراجع سرعة الإنترنت أو تعطل بعض الخدمات الرقمية، بل يمتد إلى انعكاسات اضطراب الكابلات البحرية على النشاط المالي والاقتصادي وتأثر مسارات الاتصال التي تعتمد عليها البنوك وشركات الدفع والأسواق في تبادل البيانات وتنفيذ العمليات عبر الحدود. وينطبق الأمر كذلك على التجارة والنقل؛ إذ تحتاج أنظمة الحجز والشحن وإدارة سلاسل الإمداد إلى تبادل مستمر للبيانات بين الشركات والموانئ والمطارات.
سلاح الشلل التام في القرن الحادي والعشرين قد لا يُطلق من منصات الصواريخ، بل يُنفذ بصمت من القاع
أي مساس بالبنية الرقمية في قاع هرمز يعني وضع المنطقة أمام تدرّج دراماتيكي من المخاطر: يبدأ ببطء طفيف عند تعطل كابل واحد، ثم يتصاعد إلى ضغط خادع يُنهك الشبكات والخدمات السحابية والتجارية مع سقوط عدة كابلات، وصولاً إلى الكابوس الأكبر: انقطاع طويل الأمد تُحاصره النيران وتمنع سفن الصيانة من الاقتراب.
وإذا كانت الأعطال البحرية تسجل تاريخياً 150 إلى 200 حادثة سنوياً بسبب مراسي السفن ومعدّات الصيد، فإن أزمة البحر الأحمر أثبتت أن الظروف الأمنية قادرة على تحويل عطلٍ بسيط إلى شلل يدوم أشهراً، لن تقتصر الخسارة هنا على الشاشات التي تتوقف، بل في البطء الذي يتسلّل لمعاملات البنوك والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ لتصبح خطط الاستجابة السريعة وتعدد المسارات هي خط الدفاع الأخير بين استمرار الحياة الرقمية أو تعطلها.
تُعيد صدمة هرمز اليوم تذكيرنا ببديهية حاسمة: الجغرافيا لم تفقد سطوتها، بل ضاعفت رهاناتها. فالممر ذاته الذي حَرَسَ شريان النفط لعقود، بات اليوم يتحكم بأعصاب الاقتصاد الرقمي والبيانات التي تُسيّر حياتنا اليومية. إنه لغز العصر الرقمي الكبير؛ فنحن لا نتحرر من المكان بقدر ما نغوص في الارتهان لأعماق البحار والمضائق الخانقة.
لقد نقل هذا التهديد أمن المنطقة من مجرد حماية "تدفقات النفط" إلى حماية "تدفقات البيانات"؛ ليصبح الحفاظ على سلامة الشبكات البحرية موازياً تماماً للذود عن أمن ناقلات الطاقة. وفي صراع الأضداد هذا، أصبحت الحقيقة جليّة: سلاح الشلل التام في القرن الحادي والعشرين قد لا يُطلق من منصات الصواريخ، بل يُنفذ بصمت من القاع... ليبقى السؤال الحاسم مخيّماً فوق مياه الخليج: ماذا لو توقف نبض البيانات غداً، وهل أعدت دول المنطقة والعالم ما يكفي من الملاذات قبل أن يُقطع السلك الأخير؟ أو بمعنى هل يملك العالم الخطة (ب) في اللحظة التي يُقرّر فيها أحدهم الضغط على زر "قطع الاتصال"؟
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗