منتدى "أونكتاد" في الدوحة يحذر من فجوة الذكاء الاصطناعي
طرحت جلسة "الحدود والتكنولوجيا"، ضمن أعمال النسخة التاسعة من المنتدى العالمي للاستثمار 2026 الذي تستضيفه الدوحة بالشراكة مع منظمة "أونكتاد" تحت شعار "الاستثمار في المستقبل"، سؤالاً جوهرياً على الحكومات والمستثمرين: كيف يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي من تكنولوجيا مكلفة ومتمركزة في أيدٍ قليلة إلى بنية تنموية شاملة تخدم المواطن، وتعزز مرونة الاقتصادات والمناطق؟
وخصص المنتدى، للمرة الأولى، مساراً مستقلاً للذكاء الاصطناعي، في وقت باتت فيه البنية التحتية الرقمية وجهة رئيسية للاستثمار الاستراتيجي، مع تركيز خاص على إتاحة الفرص للاقتصادات النامية بدلاً من توسيع الفجوة الرقمية.
تعمق أكثر
سورية والذكاء الاصطناعي
في السياق، قدّم وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبد السلام هيكل في كلمة افتتح بها الجلسة، رؤية تربط التحوّل الرقمي بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها بعد سنوات طويلة من الاستبداد والحرب. وأكد أن الهدف لا يقتصر على توفير خدمات حكومية رقمية، بل يتعداه إلى جعلها في متناول الجميع، بمن فيهم غير المتمكنين رقمياً، وهو ما يجعل المهارات الرقمية والواجهات الصوتية عنصراً أساسياً في التصميم لا ترفاً تقنياً.
وأوضح هيكل أنّ نجاح الذكاء الاصطناعي في القطاع العام يتطلب أساساً مؤسسياً متيناً قوامه سجلات موثوقة، وإجراءات واضحة، وأنظمة مترابطة، إضافة إلى جهة مسؤولة بوضوح عن كل نتيجة. ورأى أن جزءاً كبيراً من جهود الضبط الدقيق وتطوير النماذج المحلية ينبغي أن يُوجَّه إلى تحسين أداء النماذج في المهام المرتبطة بالمؤسسات والخدمات والثقافة المحلية، مشدداً على أن العربية الفصحى تمثل نقطة الانطلاق نحو خدمة موثوقة.
وأشار الوزير السوري إلى أن المعيار الحقيقي في الذكاء الاصطناعي لا يقف عند إتاحة التقنية، بل يكمن في تكلفة إنجاز مهمة مفيدة، متسائلاً: هل عولجت المعاملة على نحو صحيح؟ وهل كانت المعلومات موثوقة؟ وهل وفّر الموظف وقتاً؟ وهل وصلت الشركة إلى عملائها؟ وكشف هيكل أن مشروع مركز البيانات في سورية يمر حالياً بمرحلة دراسة الجدوى، وأن اجتماعات عُقدت بشأنه في الدوحة، على أن تُعلن تفاصيله خلال الأسابيع المقبلة. ودعا مزودي الخدمات السحابية وشركات الذكاء الاصطناعي والمستثمرين إلى المشاركة في تحديد أولى المواقع القابلة للتنفيذ، والخدمات التي يمكن بناؤها أو دعمها في سورية.
القيمة في التكييف لا في النموذج العام
من جهته، تناول الشريك الإداري في شركة "فيست كابيتال" رياض غوزالي، معضلة عملية تواجه المؤسسات، وهي: أي نموذج لغوي ينبغي اعتماده؟
وميّز بين ثلاث فئات:
النماذج العامة، التي توفر سرعة في النشر وتكلفة منخفضة، لكنها لا تمنح المؤسسة ميزة تنافسية لأن الجميع يستخدمها.
النماذج المعدّلة، التي أوصى الشركات بتركيز معظم جهودها عليها من خلال بياناتها الخاصة وتصنيفاتها المعرفية (الأنطولوجيا) ووثائقها.
النماذج المتخصصة، التي تلائم المجالات عالية المخاطر أو المهام المتكررة التي لا تغطيها النماذج الحالية.
ورتّب غوزالي أولويات الاختيار على النحو التالي: التحكم في البيانات واللغة أولاً، ثم السلامة والأمان، وأخيراً الأداء والتكلفة. وشدّد على حاجة المؤسسة إلى نظام تقييم داخلي مبني على حالات واقعية، يميّز بين الإجابة الصحيحة فعلاً والإجابة التي تبدو مقبولة في الشكل فقط. وختم بأن النماذج اللغوية أشبه بأعضاء الفريق، مفيدة ويُنصح بالاستعانة بها، لكنها لا تتحمل مسؤولية القرار، ولذلك يجب أن تبقى الكلمة الفصل للمؤسسة والإنسان.
قفزة تقنية ومسؤولية بشرية
أما مدير مكتب المنح والبحوث في جامعة كوامي نكروما للعلوم والتكنولوجيا في غانا جيري جون كبونيو، فقدّم قراءة في تحوّل النماذج الأساسية، التي تُدرَّب على كميات ضخمة من البيانات لتشكّل قاعدة عامة يمكن أن تُبنى فوقها تطبيقات متعددة، خلافاً للنماذج التقليدية المصممة لمهام محددة. واستعرض ثلاثة تحولات رئيسية:
صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل القادر على تنفيذ مهام متسلسلة بدلاً من الاكتفاء بتقديم التوصيات.
التكامل بين النص والصوت والصورة والروبوتات.
التراجع المستمر في تكلفة الاستدلال، بما يوسّع آفاق الابتكار والتوسع.
لكنه حذّر من الإفراط في الاعتماد على هذه الأنظمة، مشيراً إلى أنّ أعلى مستويات الموثوقية المتاحة حالياً تقارب 66%، أي أن الوكيل قد ينجح في مهمتَين من كل ثلاث. ولفت إلى أن هذه الفجوة تتسع في الاقتصادات النامية، ما يجعل البحث والتطوير والتحقق البشري شرطين لا غنى عنهما لاستخدام هذه الأنظمة في القطاعات الحيوية.
بدورها، تناولت الرئيسة التنفيذية لشركة "بلوشيفت ميموري" البريطانية الناشئة المتخصّصة في أشباه الموصلات وتصميم الرقائق الإلكترونية أورسوليا نايتنز، البعد المادي للذكاء الاصطناعي، من الطاقة والتبريد إلى تكلفة الحوسبة والرموز. ودعت إلى الانتقال من النموذج المركزي الضخم إلى بنى تحتية لامركزية ومعيارية، توزّع المهام بين الأجهزة الطرفية والبنى المحلية والبنية فائقة النطاق، بما يخفض استهلاك الكهرباء ومتطلبات التبريد، ويعزز السيادة الرقمية وملكية سلاسل القيمة.
وشدد المتحدثون على أنّ الدول النامية لا تحتاج بالضرورة إلى استنساخ أضخم نماذج البنية التحتية العالمية، بل إلى تصميم حلول تلائم احتياجاتها الفعلية وقدراتها، مع مراعاة أن اللامركزية، وإن كانت تحدّ من خطر نقطة الفشل الوحيدة، تتطلب استراتيجيات أمنية أكثر تقدماً.
البيانات... من المادة الخام إلى القيمة المضافة
وأجمعت المناقشات على أنّ البيانات لا تحقق قيمة ما لم تتحول إلى خدمات في مجالات الصحة والزراعة والتكنولوجيا المالية وغيرها. وحذّر المشاركون من تكرار نموذج تصدير المواد الخام، حيث تنتج الدولة البيانات أو الموارد ثم تعود لتستورد منها منتجات وخدمات بأسعار أعلى، على غرار الكاكاو الذي تصدّره غانا خاما ليعود إليها منتجاً نهائياً مرتفع الثمن.
ودعت المداخلات إلى نهج متدرج في الانفتاح، يقوم على إتاحة أوزان النماذج وشيفراتها البرمجية حيثما أمكن لتحفيز الابتكار، مع حوكمة واضحة للبيانات تضمن قدرة الدول على الوصول إلى بياناتها والتحكم فيها، دون انغلاق أو عزلة. وأكد المشاركون ضرورة بناء معايير التقييم في سياق محلي شفاف وجدير بالثقة، لأن الثقة شرط أساسي لتبنّي الحلول.
وخلصت الجلسة إلى أنّ مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بعدد النماذج أو حجم مراكز البيانات، بل بقدرته على إنجاز مهام مفيدة بتكلفة معقولة، وبلغة يفهمها المواطن، وضمن مؤسسات موثوقة وخاضعة للمساءلة. ومع تسارع الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية عالمياً، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان ألّا تتحول الثورة التقنية إلى فجوة جديدة، بل إلى أداة لإعادة بناء الاقتصادات، وتعزيز مرونة المنطقة، وتوزيع عوائد الابتكار على نحو أكثر عدالة.
ويختتم المنتدى العالمي للاستثمار أعمال دورته التاسعة غداً الثلاثاء في الدوحة، بعد جلسات توزعت على سبعة مسارات رئيسية، هي: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وسياسات الاستثمار، والتمويل المستدام، والسياحة والثقافة، والمناخ والبيئة، إضافة إلى ترويج الاستثمار والمناطق الاقتصادية الخاصة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗