فلافيو يخسر الانتخابات… البولسونارية تكرّس نفوذها في البرازيل
رغم خسارة السيناتور اليميني المتطرّف فلافيو بولسونارو، أمس الأحد، أمام الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بفارق قارب 4.4 ملايين صوت، إلّا أن هذه الانتخابات أثبتت أن البولسونارية لم تكن مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بشخص الرئيس الأسبق جايير بولسونارو، بل تحولت إلى سلالة سياسية مهيمنة وحركة جماهيرية متجذرة تسيطر اليوم على الكتلة الكبرى في البرلمان البرازيلي، يبلغ حجم تأثيرها نحو نصف جماهير الانتخابات بالبلاد.
تعمق أكثر
يُعرف فلافيو بولسونارو البالغ من العمر 45 عاماً داخل الأوساط السياسية بلقب الابن زيرو، كونه النجل الأكبر لجايير بولسونارو، وهو عكس إخوته الذين يميلون إلى الصدام الأيديولوجي الصاخب، بنى سمعته مهندساً للصفقات والوجه الأكثر براغماتية وهدوءاً في العائلة.
بدأ فلافيو بولسونارو مسيرته في سن الحادية والعشرين نائباً في برلمان ولاية ريو دي جانيرو منذ 2003 حتى 2019، قبل أن ينتقل إلى مجلس الشيوخ الفيدرالي عن ولاية ريو دي جانيرو منذ 2019 تحت مظلة الحزب الليبرالي. وخلال فترة حكم والده (2019 ــ 2022)، لعب فلافيو بولسونارو دور الإطفائي السياسي، إذ نسج علاقات وثيقة مع أحزاب يمين الوسط، أو ما يعرف بـ"السنتروم" في الكونغرس لتأمين الأغلبية البرلمانية وحماية والده من محاولات العزل.
ارتبط اسم فلافيو بولسونارو طويلاً بفضيحة اختلاس أموال عامة في ريو دي جانيرو
ارتبط اسم فلافيو بولسونارو طويلاً بفضيحة اختلاس أموال عامة في ريو دي جانيرو عُرفت إعلامياً بـ"الراتشادينيا"، وتقوم على استقطاع جزء من رواتب موظفي مكتبه البرلماني الوهميين عبر معاونه السابق فابريسيو كيروز وغسلها في عقارات ومتجر للشوكولاتة. ورغم تمكنه من تفكيك القضية إجرائياً في المحكمة العليا بدعوى بطلان الأدلة، ظلت هذه القضية نقطة ضعفه الأخلاقية الأبرز التي استغلها خصومه.
بعد إدانة والده بالسجن لمدة 27 عاماً على خلفية محاولة انقلاب 8 يناير/كانون الثاني 2023 وفرض الإقامة الجبرية عليه، اختاره الأب لحمل راية العائلة، ليفاجئ الجميع بتصدره نتائج الجولة الأولى في 4 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بنسبة 47.03% مقابل 45.16% للولا دا سيلفا، محققاً نسبة تفوق ما حققه والده في انتخابات 2018 و2022، قبل أن يخسر جولة الإعادة أمس الأحد، ويرفض الاعتراف بالنتيجة مطالباً بإلغائها بحجة تمديد ساعات الاقتراع لظروف جوية.
عائلة بولسونارو تحت المجهر
تعمل عائلة بولسونارو كخلية سياسية متكاملة ذات تقسيم وظيفي دقيق، وقد حققت في انتخابات أكتوبر 2026 اكتساحاً غير مسبوق رسخ وجودها كأقوى عائلة حاكمة في اليمين البرازيلي. وهي لا ترتكز على أنها مجرد نادٍ للمعجبين بضابط سابق في الجيش، بل أصبحت عقيدة سياسية يمينية شعبوية تقوم على تحالف صلب يعرف في البرازيل بـ"كتلة الرصاص والكتاب المقدس ولحوم الأبقار" (Bala, Bíblia e Boi) عمادها المسيحيون الإنجيليون الذين يمثلون نحو ثلث سكان البرازيل. وترى هذه الكتلة المسيحية في البولسونارية حصناً للدفاع عن القيم الأسرية التقليدية ومواجهة ما يسمونه أيديولوجيا الجندر والمد اليساري.
الجناح الثاني في البولسونارية هو قطاع التصدير الزراعي العملاق وملاك الأراضي في الوسط الغربي والجنوب، الذين يدعمون تقليص القيود البيئية وتخفيف الرقابة على استغلال أراضي الأمازون وتسليح المزارعين. وتأتي الشعبوية الأمنية والعسكرة جزءاً أساسياً من قوة البولسونارية وهي ترفع خطاب المواطن الصالح الذي يطالب بتحرير حيازة السلاح للمدنيين، ومنح الشرطة حصانة مطلقة في مواجهة عصابات الجريمة المنظمة.
انتقلت البولسونارية من حركة قومية محلية إلى ذراع داخل شبكة اليمين العالمي، إذ يقيم إدواردو بولسونارو في الولايات المتحدة ويستخدم علاقته مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشركات التكنولوجيا الكبرى للضغط على الدولة البرازيلية اقتصادياً وقضائياً، ما جعل السياسة الداخلية للبرازيل ساحة صراع مباشر بين واشنطن وبرازيليا، وهو ما يفسر تركيز لولا في خطابه الانتخابي على "حماية السيادة الوطنية من التدخل الأميركي".
معاداة المحكمة العليا
ونظراً لأن المحكمة الفيدرالية العليا بالبرازيل تمتلك سلطات واسعة للحد من جموح اليمين في السيطرة والتحكم فإنّ البولسونارية تعتبر تلك المحكمة فاسدة، ضمن نظرة أوسع لوسائل الإعلام التقليدية وحزب العمال الذين تتهمهم البولسونارية بأنهم متآمرون على إرادة الشعب.
ولعل مراجعة هذه الأفكار تكشف عن خطورة فوز فلافيو بولسونارو بالانتخابات أمس على شكل البرازيل، إذ كانت ستمثل زلزالاً سياسياً يبدأ بصدام دستوري على معركة العفو عن بولسونارو الأب الذي يقضي حبساً مدته 27 سنة بتهمة الانقلاب على لولا بعد انتخابات عام 2022، وتفكيك المحكمة العليا بعزل قضاتها وتعيين موالين للبولسونارية بدلاً منهم، بعد الحصول على شبه أغلبية بمجلس الشيوخ الجهة الوحيدة التي من حقها محاكمة وعزل قضاة المحكمة بأغلبية الثلثَين، أو تمرير تعديل دستوري يرفع عدد قضاة المحكمة لتعيين قضاة موالين له، ما كان سيدخل البلاد في شلل دستوري كامل.
لكن سوء طالع فلافيو بولسونارو لم ينته بخسارته الانتخابات الرئاسية، التي كانت ستحل له معضلات كثيرة، بل زادت من آلامه، فهو ينتظر تحقيقات المحكمة الفيدرالية العليا معه في شبهات فساد واسعة، أبرزها الاشتباه في تورطه في جرائم غسل أموال، بالاشتراك مع محامٍ خضع لتحقيقات الشرطة الفيدرالية للاشتباه في صلته بعمليات احتيال في المعهد الوطني للضمان الاجتماعي. ولسوء طالعه أسندت إلى القاضي ألكسندر دي مورايس، الذي يوصف بين أنصار بولسونارو بالجلاد السياسي للرئيس السابق جايير بولسونارو، بعدما أدانه في التحقيقات المتعلقة بالأخبار الكاذبة ومخطط الانقلاب، الذي انتهى بإدانة الرئيس السابق بالسجن 27 عاماً بتهمة محاولة الانقلاب على النظام الديمقراطي عام 2022.
طفت على السطح خلال الحملة الانتخابية الأخيرة حرب باردة داخل عائلة بولسونارو
وتدور القضية حول اكتشاف علاقات مالية مشبوهة بين شركة مراهنات يملكها المحامي ويلر توماز، وهو صديق لفلافيو، دفعت تكاليف رحلات جوية قام بها فلافيو بولسونارو إلى أوروبا عام 2025 وأخرى ذات طابع شخصي، شملت أفراداً من عائلتي ويلر توماز وفلافيو بولسونارو. ومن بين السجلات التي عثرت عليها الشرطة إشارات إلى حفلات ولقاءات واجتماعات جمعت بينهما. وهذه القضية هي الثانية التي يخضع فيها فلافيو بولسونارو للتحقيق أمام المحكمة الاتحادية العليا. وتتعلق الأولى بإنتاج فيلم بعنوان "دارك هورس" يتناول حياة والده الرئيس السابق جايير بولسونارو، طلبت الشرطة الفيدرالية فيها التحقيق في احتمال وقوع جرائم غسل أموال وفساد في سياق تمويل إنتاج الفيلم من خلال "بنكو ماستر"، وضبط تسجيل صوتي أرسله فلافيو بولسونارو إلى دانيال فوركارو، مالك البنك، يطلب فيه أموالاً لتمويل إنتاج الفيلم، تبلغ نحو 134 مليون ريال برازيلي (الدولار يساوي نحو 4.9 ريالات)، لكن جرى تحويل جزء كبير من الأموال إلى حساب قريب لشقيقه في أميركا.
صراع خفي داخل عائلة فلافيو بولسونارو
أزمة فلافيو بولسونارو لا تتوقف هنا، بل تمتد لظهور خلافات عميقة داخل العائلة. فخلال الحملة الانتخابية الأخيرة طفت على السطح حرب باردة داخل العائلة، بين ميشيل بولسونارو الزوجة الثالثة لوالده جايير والتي تتمتع بكاريزما طاغية لدى الإنجيليين والنساء تفوق شعبية فلافيو نفسه. فقد اتهمت في يونيو/حزيران الماضي فلافيو علناً بـ"طعنها في الظهر" وعدم احترامها، ما اضطره للاعتذار لها علناً. ولوحظ أنهما لم يظهرا معاً في الحملة الانتخابية. ويشير بعض المراقبين إلى أن خسارة فلافيو الرئاسة، وفوز زوجة أبيه ميشيل الكاسح في مجلس الشيوخ يعني أن قيادة البولسونارية نحو انتخابات 2030 قد تنتقل من سلالة الأبناء بالدم إلى زوجة الأب ميشيل بولسونارو أو حكام الولايات اليمينيين، مثل تارسيسيو دي فريتاس حاكم ولاية ساو باولو.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗