28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/32516

الحالة الإنسانية في قطاع غزّة بعد ثلاثة أعوامٍ من حرب الإبادة

ربما لا نبالغ، ولا نبتعد عن كبد الحقيقة ومعطيات الواقع، إذا قلنا أنّ قطاع غزّة، حالياً وعلى امتداد سنوات الإبادة الثلاث الماضية، شهد ولا يزال، أزمةً إنسانيةً لا مثيل لها في العصر الحديث أو في الذاكرة الإنسانية خلال نصف القرن الماضي، فقد ضربت القطاعَ، بسكّانه الذين يتجاوز عددهم المليونين، مروحةٌ كاملة من الأزمات، وهي أزماتٌ مفتعلةٌ جرت هندستها ضمن سياق عمليةٍ ممنهجةٍ مدروسةٍ بدقةٍ، بغرض الوصول إلى نتيجةٍ لا تقبل التأويل، وهي رفع مستوى المعاناة والشعور الدائم بالضيق والحسرة والخوف والترقب على مستوى اللحظة، بما يُفضي إلى تحويل حياة الغزّيين إلى جحيمٍ لا يُطاق، يدفعهم قهراً إلى ما يُسمّى زوراً بـ"الهجرة الطوعية"، أو التخطيط والاستعداد للهجرة عندما تُتاح الفرصة.

أصابت هذه الأزمة قطاعات الحياة كافة، ومسّت أساسيات وشروط بقاء الإنسان، فمن الحاجات الأساسية من طعامٍ وشرابٍ ودواءٍ ومسكنٍ وملحقاتها، إلى الحقّ في تلقّي رعايةٍ صحّيةٍ وتعليميةٍ مناسبة، مروراً بالأدوات الّتي تيسّر شروط الحياة، مثل التنقّل الداخلي وخدمات الاتصال وتبادل السلع بالعملات، وليس انتهاءً بالحقّ في حرية التنقّل والسفر خارج الوطن للعلاج أو التعليم أو لمّ شمل العائلات الّتي فرّقها الحصار والشروط المستحيلة للسفر.

مع العلم أنّ قائمة المرضى المحتاجين للسفر إلى الخارج كونها حالاتٌ طارئةٌ وصلت إلى أكثر من 21 ألف حالةٍ (من لديهم تحويلات طبية)، حسب ما أفادت به وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزّة

لعلّ أزمة الغذاء والمياه النقية تتصدّر قائمة الأولويات الأخرى، كونها أساس البقاء على قيد الحياة. غير أنّ الكيان الصهيوني بأدواته العسكرية انتهك هذا الحق، إذ دمّر غالبية الآبار ومحطات التحلية ومصادر الطاقة التي تغذّيها في بداية الحرب، وعلاوةً على ذلك، حظر إدخال كلّ المستلزمات وأدوات الصيانة الخاصّة بها وخصوصاً ما تبقّى من محطّات التحلية الّتي تحتاج إلى صيانةٍ مستمرة، لذلك يعتمد غالبية سكّان القطاع في الحصول على المياه النقية (المٌفلترة) على محطّات التحلية، بتمويلٍ من مؤسساتٍ دوليةٍ، ويجري توزيعها عبر شاحناتٍ، تتنقّل بين أماكن الاكتظاظ ومخيّمات النزوح، تصل الشاحنة في بعض الأماكن مرّتين في الأسبوع، وأحياناً مرةً واحدةً، وتصل في بعض الأماكن المركزية يومياً، فيضطرّ الأطفال والنساء، وفي بعض الأحيان كبار السنّ، إلى انتظار الشاحنة بالدِّلاء و القوارير البلاستيكية، ربّما منذ ساعات الفجر، ومن الممكن الانتظار ساعاتٍ طويلةً أو العودة بخفيّ حُنين، يقول الفتى عبدالله (15 عاماً) النازح في مدينة غزّة منذ عامٍ ونصف؛ أنّه يصحو يوماَ بعد يوم فجراً لانتظار الشاحنة الّتي تأتي حوالي الساعة الخامسة والنصف، والظلام لا يزال يغطّي الأفق، وعليه أن يقطع حوالي 150 متراً بعبواتٍ بلاستيكيةٍ بسعة 30 لتراً، ومن ثمّ الصعود بها إلى الطابق السابع، وقد يكون محظوظاً إذا أتت شاحنةٌ أخرى صدفةً صباحاً بالقرب من سكنه.

أمّا الطعام؛ فإنّ الغالبية العظمى من المواطنين تعتمد على "التكايا" والمساعدات الّتي توفّرها المؤسسات الدولية، خصوصاً منظّمة الغذاء العالمي، أو مؤسساتٌ ومتبرّعون حول العالم، في ظلّ انعدام القدرة الشرائية وتفاقم معدّلات الفقر والبطالة، إذ تُقدّر نسبة العاطلين عن العمل من القوى المؤهّلة ما بين 78% إلى 90% حسب تقرير منظّمة العمل الدولية عام 2026، علاوةً على أنّ البضاعة المتوفّرة باهظة الثمن بسبب الندرة والاحتكار، وما يُسمّى بتكاليف "التنسيقات" سواءً المصرية أو الصهيونية.

يقول الطفل يوسف، ابن الثمانية أعوامٍ والنازح في مخيّمٍ كبيرٍ للإيواء في محيط السرايا وسط غزّة، أنّه يصحو مبكّراً للحاق بتذكرة "ربطة خبز" قبل أن ينفد عددها، للحصول عليها ب 3 شواكل (حوالي دولار) بعد الساعة العاشرة، وهو ثمنٌ مخفّضٌ مدعومٌ من برنامج الأغذية العالمي، وخلال هذا الوقت يبقى على أهبة الاستعداد بالقِدر أو الإناء المخصّص للطعام، حيث ينطلق مسرعاً إلى بوّابة مركز الإيواء بعد سماع المنادي يعلن أن عربة الطعام أو التكية قد وصلت، وغالباً ما تكون الوجبة من البقوليات المطبوخة، أو الأرز ومشتقاته، ونادراً جداً ما تجد القليل من اللحوم في الوجبة.

أمّا الأزمة الإنسانية الكبرى الّتي تُثقل كاهل أكثر من نصف سكّان القطاع، فتتمثّل في مخيّمات النزوح ومراكز الإيواء، حيث يُكابد أكثر من مليون نازحٍ، حسب المجلس النرويجي للاجئين في يونيو/حزيران 2026، مرارة العيش في مخيّماتٍ قسريةٍ تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية، ففي مئات مراكز الإيواء العشوائية، تنتصب الخيام المهترئة، الّتي نال منها البِلى وتمزّقت أقمشتها تحت لهيب حرارة شمس الصيف ورياح الشتاء العاتية، لتتحوّل من ملاذٍ مُفترضٍ للستر إلى أفرانٍ لا تطاق صيفاً، وأسرّةٍ مكشوفةٍ للبرد القارس ومياه المطر شتاءً، وتتعاظم المعاناة بانتشار الحشرات، خصوصاً البعوض، والقوارض (الفئران والعِرَس) الّتي باتت تقاسم العائلات مضاجعها وتهاجم الأطفال والمرضى ليلاً، مُشكّلةً بؤراً للأوبئة والأمراض، وفي ظلّ حالة الحصار وانقطاع الوقود وكمّيات غاز الطهي المحدودة جداً الّتي يسمح بها الاحتلال، يضطرّ النازحون لطهي الطعام وتسخين المياه، على نار الحطب والبلاستيك أو موقد زيت الطهي (بابور السيرج)، لتنفث هذه النيران غازاتها وغبارها السامّ في كلّ اتّجاه، تستنشقها ربّات البيوت والأطفال وكلّ من هو في محيطها، ليكابدوا الأمراض والمعاناة الآنية، والمُستقبلية الأكثر خطراً.

ومن الأبعاد المأساوية لحالة الحصار، عدم قدرة المرضى والطلاب والحالات الإنسانية الأخرى على السفر مطلقاً، باستثناء السماح للعشرات أُسبوعياً وبشكلٍ مُتقطّعٍ، مع العلم أنّ قائمة المرضى المحتاجين للسفر إلى الخارج كونها حالاتٌ طارئةٌ وصلت إلى أكثر من 21 ألف حالةٍ (من لديهم تحويلات طبية)، حسب ما أفادت به وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزّة، ويومياً تُسجَّل حالات وفاةٍ ممن هم على قوائم الانتظار للسفر، ولم تُسعفهم الاستجابةُ الطبية المتأخّرة في خروجهم. وكان هذا حال أمّ حسين سالم (59 عام)، فقد عانت من خللٍ في صمامات القلب واحتاجت إلى استبدالها حسب توصية المتخصصين، لذلك تمّ تحويلها للعلاج في الخارج في ديسمبر/كانون الأول 2025 ، إلا أنها توفيت في يوليو/تمّوز 2026، وبعد ثلاثة أسابيع من ذلك اتّصل مندوب الصحة العالمية بذويها ليخبرهم بموافقة السفر وليطلب منها التجهّز للمغادرة خلال يومين!!

أمّا الطعام؛ فإنّ الغالبية العظمى من المواطنين تعتمد على "التكايا" والمساعدات الّتي توفّرها المؤسسات الدولية، خصوصاً منظّمة الغذاء العالمي، أو مؤسساتٌ ومتبرّعون حول العالم، في ظلّ انعدام القدرة الشرائية وتفاقم معدّلات الفقر والبطالة

وليس بعيداً عن ذلك، رغم ضخامة أعداد المصابين والحاجة الماسّة لمنظومةٍ صحيةٍ كاملةٍ للتعامل معهم، إلّا أنّ الصدمة تتجلّى في غيابٍ كاملٍ أو جزئي لمكوناتٍ أساسية في هذه المنظومة، فالجريح حاتم يوسف (54 عاماً) أصيب بجراحٍ وكسورٍ في بداية الحرب، وفقدانٍ جزئي للقدرة على المشي، تمكّن بصعوبةٍ بالغةٍ من تصوير أجزاءٍ من عموده الفقري عبر الأشعة المقطعية(CT)، إلّا أنّ طبيب جراحة الاعصاب أخبره أنّ التضيّق في القناة العصبية غير واضحٍ، وعليه أن يخضع للتصوير بالرنين المغناطيسي، غير أنّ المفاجأة أنّ كل المستشفيات والمراكز الصحية في قطاع غزّة خالية من أي جهاز للرنين المغناطيسي، بعد تدميرها في الحرب، أو تعطُّلها عن العمل، فيما منع الاحتلال إدخال قطع غيارٍ أو أجهزة جديدة.

وعموماً، فإنّ معاناة المواطن الغزي حاضرةٌ في كلّ تفاصيل حياته اليومية، إذ حوّلت حكومة الكيان الحصار المحكم بالكامل، والتحكّم في كلّ ما يدخل القطاع، إلى أداةٍ تخنق الغزيين، وتمعن في مضاعفة معاناتهم، حتّى في أصغر التفاصيل، فإشعال النار للطهي أو لأي سببٍ آخر يحتاج لشعلةٍ غير متاحة، بسبب منع الاحتلال إدخال المقادح، وفي حال وُجدت فإنّ سعرها قد يصل إلى أكثر من 30 دولاراً، فيما لا تتجاوز قيمتها الأصلية شيكلاً واحداً (0.3دولار)، وعند الحاجة إلى التنقل بالمواصلات البدائية سواءً بالعربات المجرورة، أو عربات الكارو، فإنّ المعاناة والتأخير والتكلفة الباهظة قد تدفع الغزّيين إلى تعطيل مصالحهم وتفضيل البقاء في أماكن نزوحهم أو مراكز إيوائهم، أو التنقل مشياً على الأقدام إذا كانت الجهة داخل المحافظة نفسها، فكلّ شيءٍ ممنوعٌ تقريباً على القطاع باستثناء أنواعٍ من الملابس ومواد التنظيف، والمعلّبات واللحوم المجمّدة والخضر والفواكه والمشروبات، ومن المفارقة أنّ أكثر الأصناف التي تدخل وبكمياتٍ كبيرة تُعتبر من الكماليات، كالرقائق المقرمشة، والمُكسرات، والحلوى، والمشروبات الغازية، وكلّها بأسعارٍ خياليةٍ خارج نطاق قدرة أكثر من 90% من العائلات في قطاع غزّة.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.