28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/32515

الاقتصاد الفلسطيني في ظل الاستهداف المستمر

بعد ثلاث سنواتٍ من الحرب، أصبح الاقتصاد الفلسطيني أكثر تجزؤاً، وأضيق قدرةً على الإنتاج وتوليد الدخل وتوفير فرص العمل. ففي قطاع غزّة، دمّرت الحرب الأصول الّتي يقوم عليها النشاط الاقتصادي، وحوّلت البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية إلى الشاغل اليومي للأسر. وفي الضفّة الغربية، تضافرت القيود على الحركة والعمل والوصول إلى الأرض مع الأزمة المالية العامّة لتضغط على المنشآت والأجور والاستهلاك. وبينما يعمل الاقتصادان داخل منظومة سيطرةٍ يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على الموارد والأسواق والمعابر، تتوزّع الأنشطة الاقتصادية بين مناطق منفصلةٍ تحدّد الحواجز والإغلاقات إمكانات التواصل بينها. وتوضّح مؤشّرات الناتج والعمل والأسعار والخسائر حجم التحول الذي أصاب قدرة المجتمع الفلسطيني على تأمين معيشته وتمويل نشاطه الاقتصادي.

اقتصاد الضفّة الغربية: الخنق والاستنزاف

استمرّ النشاط الاقتصادي في التراجع خلال سنوات الحرب نتيجة القيود المفروضة على الإنتاج والتجارة والوصول إلى الموارد والأسواق. فقد شهد الناتج المحلي الإجمالي في الضفّة الغربية انكماشاً بما يقارب 18%، وفق بيانات الإحصاء الفلسطيني ومعهد ماس. فتجزئة السوق تسبّب تعطّل انتقال السلع والعمال، وترفع تكاليف التشغيل، وتحدّ من قدرة المنشآت على توسيع مبيعاتها واستثماراتها، كما تضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتزيد صعوبة الحفاظ على الأعمال القائمة وتمويل توسّعها. ومع تقلّص الإنتاج وفرص العمل، تتراجع قدرة الاقتصاد المحلي على توليد الدخل، ويزداد اعتماد الأسر على مصادر دخلٍ خارج مناطقها، أو على المساعدات والاقتراض لتغطية نفقاتها. وينتقل الانكماش بذلك إلى الحياة الاجتماعية عبر استنزاف المدّخرات وتأجيل الإنفاق على التعليم والصحة، فيما يواجه الشباب فرصاً أضيق للعمل.

حتّى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، بلغت أشجار الزيتون المتضرّرة 98,293 شجرةً، وتجاوزت خسائر المحصول 66.5 مليون دولار، ووصلت خسائر القطاع الإجمالية إلى نحو 128.7 مليون دولار

تضغط قيود الاحتلال الإسرائيلي على سوق العمل في الضفّة الغربية عبر التحكّم في التصاريح والحركة والوصول إلى أماكن العمل، فتربط استمرار دخل العامل بقرارات الاحتلال التقديرية، تُمنح التصاريح وتُسحب بموجبها وفق اعتبارات السيطرة والضغط. وتفرض الحواجز توزيعاً للقوى العاملة بناءً على ذلك، وتحدّ من انتقالها إلى المواقع الأكثر ملاءمةً لمهاراتها واحتياجات المنشآت، بينما يستنزف الانتظار والتنقّل ساعات العمل ويرفعان تكاليف التشغيل. وفي ظلّ هذه القيود، ارتفعت البطالة في الضفّة الغربية من نحو 13% قبل الحرب إلى 28% في الفترة اللاحقة، وانخفض متوسّط الأجر اليومي الحقيقي من 47.1 إلى 38.1 دولار، بتراجعٍ يقارب 19%. ويؤدّي ربط فرص العمل بالتصاريح، مع محدودية قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب العمال، إلى تحميل الأسر كلفة انقطاع الدخل واستنزاف مدّخراتها وزيادة مديونيتها. وتزداد الضغوط الاقتصادية والنفسية على النساء لتأمين احتياجات الأسرة بموارد متناقصة، وقد يضطرّ بعضهنّ إلى البحث عن مصادر دخلٍ بديلةٍ ضمن سوقٍ محدودة الفرص. ومع فقدان الدخل وتراجع القوّة الشرائية للأجور، تنخفض مشتريات الأسر ومبيعات المنشآت، فتتقلّص قدرتها على التشغيل وتتّسع دائرة التعطّل، وتضطرّ الأسر إلى تأجيل الإنفاق على أساسيات حياتهم اليومية كالعلاج والتعليم.

يضيق الاحتلال الإسرائيلي على المالية العامة الفلسطينية عبر احتجاز إيرادات المقاصّة والاقتطاع منها، فيحرم الخزينة من موارد مستحقّة، ويحدّ من قدرتها على دفع الرواتب وتمويل الخدمات، وتسديد التزاماتها للقطاع الخاص. وارتفع الدين العام الرسمي من نحو 3.5 مليارات دولار قبل الحرب إلى 4.7 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2026، بالتزامن مع تراجع نسبة الرواتب المصروفة للموظفين العموميين من 80–85% قبل الحرب، إلى نحو 50% خلال العام الجاري. وتنتقل كلفة نقص الإيرادات إلى الأسر والمنشآت، فيضطرّ الموظّف إلى تدبير معيشته بجزءٍ من مستحقّاته، ويتحمّل المورّدون تأخّر المدفوعات الحكومية على حساب سيولتهم وقدرتهم على سداد الأجور وتمويل التشغيل.

فبينما يؤدّي تقلّص إنفاق الموظّفين وتعطّل مدفوعات الموردين إلى تراجع المبيعات وزيادة الضغوط على فرص العمل، يهدّد نقص تمويل الخدمات العامة انتظامها وجودتها، وقد يحمّل الأسر عبء نفقاتٍ إضافيةٍ للحصول عليها. وبهذا يجعل الاحتلال الإسرائيلي المؤسسات الفلسطينية مسؤولةً عن الرواتب والخدمات، مع تقييد موارد تمويلها، فتتحمّل دخول الأسر ومدّخراتها وسيولة المنشآت جانباً متزايداً من كلفة استمرارها.

ومع تضييق فرص العمل وتراجع الرواتب، يستهدف الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون موسم الزيتون، أحد موارد الأسر لتأمين الغذاء والدخل، عبر منع الوصول إلى الأرض، وتدمير الأشجار، وسرقة المحصول. وحتّى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، بلغت أشجار الزيتون المتضرّرة 98,293 شجرةً، وتجاوزت خسائر المحصول 66.5 مليون دولار، ووصلت خسائر القطاع الإجمالية إلى نحو 128.7 مليون دولار، بحسب بيانات وزارة الزراعة. واستمرّت الاعتداءات مع بدء موسم القطاف؛ إذ وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 136 اعتداءً مرتبطاً بالموسم حتّى 12 أكتوبر/تشرين الأول، شملت منع المزارعين من القطاف وسرقة الثمار وإتلاف الأشجار. وامتدّ الاستيلاء على المحصول إلى عصره وتسويقه داخل بؤرةٍ استيطانيةٍ ، وعرض زيته للبيع. وهكذا وبينما يُحرم المزارع من عائد أرضه، يتحوّل محصوله إلى موردٍ تجاري للمستوطنين. ويهدّد تعذّر القطاف وتلف الأشجار بتقليص الكميات المتاحة للأسر والأسواق، بما قد يضغط على أسعار الزيت والزيتون، ويزيد كلفة غذاءٍ أساسيٍّ في المائدة الفلسطينية. وتخسر الأسر بذلك مورداً للمعيشة، فتزداد حاجتها إلى شراء ما كانت تنتجه، وإلى البحث عن دخلٍ بديلٍ، ويصبح استمرارها في الأرض أكثر كلفةً.

قطاع غزّة: الإبادة الاقتصادية

في قطاع غزّة، أفضت حرب الإبادة إلى كارثةٍ إنسانيةٍ واقتصادية متصلة، قُتل فيها السكّان وهُجّروا ودُمّرت مساكنهم ومصادر رزقهم، وأصبح تأمين الغذاء والماء والمأوى والعلاج معركةً يومية للبقاء. وقد قدّر تقرير "الأونكتاد" أن 92% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزّة تضرّرت أو دُمّرت منذ أكتوبر 2023، فيما انخفض الناتج المحلي الإجمالي من 659.6 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2023 إلى 152.2 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2026، بانكماشٍ يقارب 77%. وتعني هذه الخسائر حرمان الأسر من أماكن العمل والموارد الّتي كانت توفّر غذاءها ودخلها، بالتزامن مع فقدان السكن والخدمات الأساسية. ومع النزوح المتكرّر وتعطّل الإنتاج، يزداد اعتماد السكّان على المساعدات والإمدادات الّتي يتحكم الاحتلال الإسرائيلي في دخولها، فتقترن خسارة وسائل الكسب بحرمانهم من الضروريات اللازمة للبقاء.

وامتدّ تدمير المنشآت إلى انهيار القطاعات الّتي توفّر الغذاء والعمل والسكن، إذ تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بنسبة 94% لكل منهما، والبناء بنسبة 99% مقارنةً بعام 2022. فانهيار الزراعة يحرم الأسر من المحصول الذي كانت تستهلكه أو تبيعه، وتعطّل الصناعة يقطع الصلة بين المنتجين والمورّدين والعمال، بينما يحدّ توقّف البناء من إمكان إصلاح المساكن والمرافق وتشغيل الحرف المرتبطة بها. كما تتراجع قدرة المبادرات العائلية والمنشآت الصغيرة على تعويض النقص، لأنّها تواجه بدورها فقدان الأدوات والطاقة والمواد ومواقع التشغيل.

يضيق الاحتلال الإسرائيلي على المالية العامة الفلسطينية عبر احتجاز إيرادات المقاصّة والاقتطاع منها، فيحرم الخزينة من موارد مستحقّة، ويحدّ من قدرتها على دفع الرواتب وتمويل الخدمات

ومع انهيار الإنتاج وفقدان مصادر الرزق، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 83% مقارنةً بعام 2022، بما يظهر تقلّص الناتج المتاح قياساً بعدد السكان، من دون أن يعني تراجع دخل كلّ فردٍ بالنسبة نفسها. وتواجه الأسر ضيق مواردها باستنفاد مدّخراتها، والاستدانة، وبيع ما تبقّى من ممتلكاتها لتغطية الغذاء والإيواء والعلاج. وقد يشمل البيع أدواتٍ كانت تصلح لمصدر رزق، فتؤمّن الأسرة احتياجها الراهن على حساب قدرتها على الكسب لاحقاً. وتحت ضغط الضروريات، تتقلّص قدرتها على تمويل التعليم، أو أي مشروعٍ صغيرٍ، أو الانتقال إلى سكنٍ أكثر استقراراً. وتتجسّد الإبادة الاقتصادية في هذا الامتداد من تدمير وسائل الإنتاج إلى استنزاف ممتلكات الأسر لتأمين البقاء.

وامتدّ انهيار الإنتاج إلى سوق العمل، فارتفعت البطالة من نحو 45% قبل الحرب إلى نحو 85% خلال الحرب، وتراجع متوسّط الأجر اليومي الحقيقي من 16 دولار إلى 2.1 دولار، بانخفاضٍ يقارب 87%. وبذلك، وبينما فقدت غالبية القوى العاملة فرص الكسب، تضاءلت قدرة الأجور المتبقّية على تغطية الضروريات. ويتحمّل الشباب أثراً أوسع لهذا التعطّل، تبعاً لانقطاع فرص اكتساب الخبرة والمهارة وممارسة المهن، فيما ترتبط معيشة الأسر ارتباطاً متزايداً بالمساعدات والأنشطة المؤقتة. فتدمير مواقع العمل يبدّد أيضاً المهارات والاستقرار المهني اللذين يحتاجهما المجتمع لاستئناف الإنتاج.

كما تُقدّر الأضرار المادّية الناجمة عن الحرب بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار، وفق التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي. أما احتياجات التعافي والإعمار فتبلغ 71.5 مليار دولار، بحسب تقديرات الأونكتاد في سبتمبر 2026، منها 26.3 ملياراً خلال أول 18 شهراً، وفق التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي. وتتطلّب استعادة سبل العيش بشكلٍ أساسي إصلاح المساكن والخدمات، وتشغيل المنشآت، وتوفير فرص العمل للقوى العاملة.

وتظلّ جدوى إعادة الإعمار مقيدةً ومحدودةً بغياب ضماناتٍ تحول من دون تدمير الاحتلال الإسرائيلي الأصول والمنشآت الّتي سيجري تمويلها وإعادة إعمارها من جديد، فتبقى الاستثمارات معرضةً للفقدان قبل استرداد تكاليفها أو تحقيق عوائدها الاقتصادية والاجتماعية. وتتوقّف الجدوى الاقتصادية للإعمار على تحديد أولوياته بقرارٍ فلسطيني، يستند إلى المصلحة الوطنية، واستعادة السكن والخدمات، والقدرة الإنتاجية، وبأن يلتزم المانحون بتمويل هذه الأولويات من دون اشتراطاتٍ تصرف الموارد إلى أهدافٍ خارج احتياجات المجتمع والاقتصاد الفلسطيني.

خاتمة

تكشف حصيلة ثلاث سنواتٍ من الحرب عن سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تجريد المجتمع الفلسطيني من القدرة على تأمين معيشته، وذلك عبر إبادة مقوّمات الحياة والإنتاج في قطاع غزّة، وخنق النشاط الاقتصادي واستنزاف موارده في الضفّة الغربية. وتبلغ هذه السياسات أثرها الأشدّ حين تضطرّ الأسر والمنشآت إلى استهلاك مواردها لتغطية النفقات اليومية، على حساب ما تحتاجه للعمل والإنتاج مستقبلاً. فبيع أدوات العمل، واستنفاد المدّخرات، وتراكم الديون، يموّل المعيشة مؤقتاً، لكنه يقلّص فرص الخروج من الفقر والعوز. وبذلك يمتدّ الضرر من خسارة الدخل إلى فقدان الوسائل الّتي تولّده، وتصبح التبعية للمساعدات نتيجةً لاستنزاف البدائل المحلية. وهذا ما يجعل استمرار الاحتلال عائقاً أمام التعافي، إذ يظلّ المجتمع معرضاً لفقدان حصيلة عمله واستثماره، مهما بذل من جهدٍ لتعويض خسائره.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.