حين يحارّب الفلسطيني لأجل زيتونه: وجع الموسم وحكايات البقاء
يترقّب الفلسطينون موسم قطف الزيتون، مجدّدين في كلّ عامٍ ارتباطهم الأصيل بالأرض عبر هذا الموسم بصفته مكوِّناً هويّاتياً مركزياً، ذا جذورٍ ورمزياتٍ خاصّة، ارتبطت دوماً بالصمود والمواجهة. لكنّ المواسم الأخيرة التحمت بمواجهةٍ دمويةٍ مفتوحةٍ مع منظومةٍ استعماريةٍ تسعى إلى طمس الهوية واقتلاع جذورها عبر مشروعٍ ممنهج. اليوم يقف المزارع يُراقب أرضه بحسرة المغترب على الرغم من قربها منه، وحين يُحاول الوصول إليها، يجد رصاصة مستوطنٍ مسلّح تقف حائلاً بينه وبين أرضه وهويته.
لا يمكن قراءة استهداف أشجار الزيتون بمعزلٍ عن ضرب الصميم الهوياتي والرمزية الوطنية القائمة، إذ اقتلعت قوّات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه مئات الآلاف من الأشجار، في محاولةٍ محمومةٍ لاقتلاع الإنسان الفلسطيني بالمنع والإحلال الشامل. تتجلى هذه المواجهة في صرخة المواطنة أمّ عمّار من قرية المغير، وهي تشاهد اقتلاع أشجار آبائها وأجدادها. تصرخ في وجه المحتلّ: "هذه الأشجار أكبر من عمركم ودولتكم!".
يرى الفلسطيني أنّ المستعمر يعجز عن فهم أنّ هذه الحقيقة متجسّدةٌ في وجدان كلّ فلسطيني. وهذا ما يفسر تصاعد اشتباك الفلسطيني مع المستوطن على الأرض، فخلال موسم قطاف الزيتون الحالي، شهدت الضفّة الغربية، وبالتحديد قرى شمال شرق وشمال غرب رام الله، وقرى جنوب نابلس، اشتباكاً دائماً ومتصاعداً بين جماعاتٍ استيطانيةٍ منظَّمةٍ ومسلّحة، وبين المواطنين الساعين للوصول إلى أرضهم، ما واكبه قتل وجرح عشرات الفلسطينيين، وإحراق المركبات، وسرقة المحصول بعد جنيه، وصولاً إلى سرقة الهوية والرمزية من خلال إنشاء المستوطنين أوّل معصرة زيتونٍ لهم بالضفّة الغربية، وممارسة طقوس الموسم الفلسطينية.
أدّت اعتداءات الرعي الاستيطاني واقتلاع عشرات آلاف الأشجار خلال أيامٍ معدودة إلى انخفاض إنتاج الزيتون بنسبةٍ تجاوزت ثمانين بالمئة في المناطق المستهدفة
تتكامل هذه الحرب الهوياتية مع سياساتٍ إحلاليةٍ ممنهجةٍ؛ إذ يسعى الاحتلال، عبر نشر البؤر الرعوية، وتقطيع الأوصال بشبكات الطرق الالتفافية، وفرض الإغلاقات العسكرية، إلى إفقار المزارعين وقطع أرزاقهم وتقويض سيادتهم الغذائية، لرفع كلفة الصمود على الأرض ودفع الأهالي قسراً نحو الرحيل.
تصاعدت هذه الاعتداءات تصاعداً غير مسبوقٍ في السنوات الأخيرة، مع وصول حكومة اليمين المتطرّف إلى سُدّة الحكم؛ إذ أسبغت على اعتداءات المستوطنين غطاءاتٍ دينيةً وقانونيةً وتسهيلاتٍ رسميةً حاسمةً. تحوّلت الممارسات الفردية الّتي كانت تجري في الخفاء سابقاً إلى إرهابٍ منظّمٍ ومسلّحٍ ترعاه الدولة، وتقوده تشكيلاتٌ عاتيةٌ تتجاوز مجموعات "شبيبة التلال"، بحمايةٍ عسكرية وحصانةٍ قضائية مطلقة. فبعد أن كان المستوطن يتجنّب المرور بالقرب من القرى والمركبات الفلسطينية، أصبح اليوم يقتحم البلدات والأرياف جهاراً برفقة جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويسلب الأهالي مواشيهم وأغنامهم تحت ذرائع كاذبة ومختلَقة، بهدف تجريد الفلسطيني من آخر مقوّمات وجوده، وإجباره على بيع ما يملك قبل أن يُسلب منه أو أن يرَحَّل قسراً.
ولم تتوقّف هذه الأساليب عند حدود الترهيب الميداني، بل امتدّت لتصبح أكثر قسوةً وإذلالاً؛ إذ تتجلى القرصنة في أبشع صورها حين يستولي المستوطنون بالقوّة على حقول الزيتون المحرَّمة على أصحابها، ويجنون ثمارها لبيع زيتهم المنسوب في الأسواق بأسعارٍ زهيدة، ما يضع المزارع صاحب الأرض في مفارقةٍ قاسية ومؤلمة تجبره على شراء زيت زيتونه المنهوب ليطعم أطفاله.
تتقاطر الحكايات الإنسانية على تخوم القرى والبلدات شاهداً ناطقاً على وجع الناس وقسوة الحرب المفتوحة ضدّهم. فالمزارع كاظم من قرية المغير يرفع عينيه نحو حقوله الممتدة على أطراف القرية، لكنّه يقف عاجزاً عن ملامسة شجره الذي أفنى عمره في سقايته ورعايته. أصبحت الأرض الّتي لا تبعد عنه سوى بضع خطواتٍ مكاناً محفوفاً بالخطر والموت؛ إذ أقيمت البؤر الاستيطانية الرعوية أنشوطة خناق، يُطلق منها المستوطنون الرصاص المتفجر والحي على كلّ من يجرؤ على الاقتراب. يتذكّر كاظم تلك اللحظة القاسية عندما حاول رفقة نجله الوصول إلى زيتونهم، إذ باغتهم المستوطنون بوابلٍ من الرصاص المباشر الذي أصاب قدم ابنه، ليمتزج دم الابن بتراب الأرض الّتي حُرموا من خيرها. لم يكن انخفاض إنتاج كاظم من خمسين تنكة زيتٍ إلى ثلاث تنكاتٍ مجرّد خسارةٍ مادّيةٍ في دفتر الحسابات، بل كان ترجمةً حيّةً لسنواتٍ من القهر والمنع القسري؛ إذ حُرم من العناية بحقله، وشاهد بأمّ عينيه جرّافات الاحتلال تقتلع الأشجار، والمستوطنين يسرقون الثمار جهاراً تحت حراسة البنادق، بينما تحوّلت رحلته اليومية للوصول إلى أطراف الأرض من دقائق معدودةٍ إلى مشقّةٍ وتفتيشٍ وإذلالٍ يستغرق أكثر من ثلاث ساعاتٍ عبر بواباتٍ حديديةٍ وسواتر ترابيةٍ أُقيمت لتقطيع أوصال حياته.
وفي المأساة نفسها، يقف الحاجّ رتيب النعسان من قرية المغير شامخاً برغم مرارة الفقد الّتي يعصرها في قلبه، وهو يتأمّل ما آلت إليه حقوله الّتي كانت تضمّ زهاء عشرة آلاف شجرة زيتونٍ معمّرة، ربّاها شجرةً شجرة، وسقاها بتعب عقودٍ طويلة من العرق والكد. لم يتبقّ للحاجّ رتيب اليوم من هذه الأفق الخضراء سوى ثلاثمئة شجرةٍ يتيمة محاصرة بالخوف والتجريف؛ فقد نهبت الآليات الاستيطانية آلاف الأشجار، وقطعت أغصانها، وعزلت باقي الحقل بالشوارع الالتفافية الّتي شُقَّت فوق جذورها. إنّ غصّة الحاج رتيب ليست على المورد المالي المفقود فحسب، بل على ذبول قطعةٍ من روحه وذاكرته الّتي كبرت مع كلّ شجرةٍ أقتُلعت من مكانها. وتتكامل هذه المشاهد الميدانية لتعكس انهياراً كاملاً للبنية الزراعية والأمن الغذائي، إذ أدّت اعتداءات الرعي الاستيطاني واقتلاع عشرات آلاف الأشجار خلال أيامٍ معدودة إلى انخفاض إنتاج الزيتون بنسبةٍ تجاوزت ثمانين بالمئة في المناطق المستهدفة، ليتضرّر نسيج آلاف العائلات الّتي أصبحت بلا دخلٍ ولا سند، محاصرةً بين فكي الفقر ومنع الوصول.
لا يمكن قراءة استهداف أشجار الزيتون بمعزلٍ عن ضرب الصميم الهوياتي والرمزية الوطنية القائمة، إذ اقتلعت قوّات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه مئات الآلاف من الأشجار، في محاولةٍ محمومةٍ لاقتلاع الإنسان الفلسطيني بالمنع والإحلال الشامل
ولا تتوقّف آلات التدمير عند حدود المزارع في حقله، بل تمتدّ لتطاول المؤسسات والهيئات القروية والمحلية الّتي تشكّل العصب الإداري والخدماتي لثبات الناس في قراهم. يصف رئيس المجلس القروي في المغير، أمين أبو عليا، أبعاد هذا التضييق السياسي والخدماتي المؤلم، موضحاً أنّ المجالس القروية والمحلية أصبحت في مرمى الاستهداف المباشر لمنعها من تقديم أي مقوِّمٍ من مقوِّمات الصمود. يُلاحَق رؤوساء المجالس وأعضاؤها، ويتعرضون للاحتجاز المتكرّر والتهديد، وتُفرَض عليهم كفالاتٌ وغرامات مالية باهظة لمجرّد محاولتهم شقّ طريقٍ زراعي يخدم المزارعين، أو إيصال خطّ مياهٍ إلى حقلٍ مهدد بالاستيلاء.
ويترافق هذا التضييق الداخلي المُحكَم مع ضغوطٍ وسياسات احتلالية تمنع المؤسسات الحقوقية والإنسانية والممثليات الدولية من تقديم الدعم أو المساعدات الإغاثية للمناطق المصنَّفة "مناطق مهددَّة"، لتُترَك الهيئات القروية الممثِّلة للأهالي لتقاوم بحدٍّ أدنى من الإمكانيات في مواجهة هجمةٍ استيطانية منظَّمة تملك الميزانيات الهائلة والسلاح والحصانة المطلقة. تتكامل هذه المنظومة لعزل التجمعات السكّانية وتحويل القرى إلى سجناء في معازل جغرافية (كانتونات)، يُمنع فيها حتّى المتضامنون الأجانب والناشطون الدوليون من الدخول أو مساندة الأهالي، إذ يتعرضون للضرب والاعتداء المباشر لإبعادهم ومنع توثيق الجرائم ونقل حقيقة ما يحدث إلى العالم.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗