28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/39360

إسرائيل تشن حربا على الفضاء العام في الضفة لتدمير الذاكرة الفلسطينية

دمّر الاحتلال الإسرائيلي، منذ فجر اليوم الثلاثاء، نحو تسعة صروح ونُصب تذكارية للشهداء في ست قرى وبلدات فلسطينية في محافظة نابلس، شمالي الضفة الغربية (مادما، بورين، عراق بورين، بيت فوريك، روجيب، وعزموط)، وهي حملة مستمرة منذ أيام، طاولت العشرات من النصب والصروح التي تستهدف كل ما يخلّد ذكرى الشهداء، من حجر أو يافطة أو نُصب تذكاري، في حرب إسرائيلية معلنة على الفضاء العام في الضفة الغربية، لجعله خالياً من أي ذاكرة فلسطينية.

تعمق أكثر

ورغم أن آلة الحرب الإسرائيلية وذراعها من المستوطنين لا تهدأ في حروبها اليومية المستمرة على الأرض وتهجير السكان، وحرق أشجار الزيتون وسرقة ثمارها، وسرقة المواشي وعيون الماء أينما وُجدت، وسجن الفلسطيني وراء الحواجز والبوابات، فإن هناك حرباً أخرى بدأتها إسرائيل منذ فترة قريبة، عنوانها هندسة الفضاء العام في الضفة الغربية المحتلة، ليصبح خالياً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية؛ فلا نُصْبَ تذكارياً للشهداء، ولا صرحاً للأسير، ولا دوّاراً يخلّد ذكرى مقاوم.

تلهث إسرائيل في صنع فضاء عام يؤكد سيطرتها على الأرض

والذي يتجوّل في مخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية، يدرك أن الفلسطيني يزرع كل يوم جزءاً من ذاكرته في أرضه، على شكل نُصب تذكاري أو صرح نُقش عليه اسم شهيد وصورته، تخليداً لذكراه، بحيث لا تغادر ذكرى الشهيد المكان، رغم مرور عقود على استشهاده.

في المقابل، تلهث إسرائيل في صنع فضاء عام يؤكد سيطرتها على الأرض، حيث تنتشر آلاف من أعلامها على طول الطرق الخارجية، وفوق أعمدة الإنارة، وفي كل مكان تصل إليه يد مستوطن أو بندقية جندي. وإلى جانب العلم هناك آلاف اليافطات بالعبرية على طول الطرق الخارجية بين المدن، تمجد قيادات إسرائيلية أو تروّج للمستوطنات. وقبل الدخول للمدن والبلدات الفلسطينية التي وضع الاحتلال عليها الأبواب الحديدية، لاحق المستوطنون حتى المكعبات الإسمنتية للحواجز وكتبوا عليها بالعربية، موجهين كلامهم لكل فلسطيني يدخل أو يخرج من الحاجز "لا مستقبل في فلسطين".

لم تكتفِ إسرائيل بإثقال الفضاء العام في الشوارع الرئيسية بين المدن بكل رموز الاحتلال، بل دخلت إلى الحيز الفلسطيني المحدود والمزدحم، لإفراغه من أي رموز فلسطينية تؤثث ذاكرة الفلسطيني. وبات من اللافت أن يتم اقتحام حرم جامعة كما حصل في جامعة بيرزيت في رام الله في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول، وتحطيم صرح الشهداء دون ترك أي أثر للصرح، أو كما فعلت إسرائيل في وسط مدينة نابلس أو أحيائها القديمة قبل أيام، وفي وسط مدينة جنين، في عمليات عسكرية باستخدام آليات وعشرات الجنود لتحقيق هدف واحد، وهو هدم وتجريف نصب تذكاري حجري يحمل اسم شهيد وصورته، في ملاحقة عسكرية للذاكرة الفلسطينية.

تلاحق دولة الاحتلال اليوم كل ما له علاقة بالشهداء أو تخليد ذكراهم

ويرى محللون وأكاديميون فلسطينيون أن دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي كانت تطلق النار وتلاحق من يرفع العلم الفلسطيني قبل الانتفاضة الأولى عام 1987، عادت اليوم لتلاحق كل ما له علاقة بالشهداء أو تخليد ذكراهم، تحت ذريعة أن هذه النصب التذكارية "تمجّد الإرهاب"، حسب زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي. ويترافق تدمير صروح الشهداء والنصب التذكارية التي تخلّد ذكراهم، مع توزيع الاحتلال نشرات تهديد جاء فيها: "لن تسمح قوات الأمن بالتحريض على الإرهاب أو تمجيد منفّذي العمليات. كل من يمجّد الإرهاب أو يدعمه سيُعتقل بتهمة التحريض، وكل نصب تذكاري أُقيم لتمجيد منفّذي العمليات سيُهدم. الإرهاب لم يجلب، ولن يجلب، سوى الدمار والخراب، تماماً كما جلبت حماس الخراب لقطاع غزة على مدى سنوات".

ويرى الكاتب والأستاذ المساعد في جامعة بيرزيت عبد الجواد عمر، في تعليق لـ"العربي الجديد"، أنه يمكن إدراج هذه العمليات التي تقوم بها قوات الاحتلال ضمن شقّين:

الأول هو ما يُصطلح عليه بـ"إشعار الفلسطيني بوجود وحضور القوات الإسرائيلية"، وهي تهدف إلى بناء ردعٍ ضد أي شكل من أشكال العمل السياسي والاجتماعي الوطني.

البعد الثاني، والمتسق مع هدم الصرح في الجامعة، فهو حرب على الذاكرة.

ويقول عمر: "لقد رأينا أبشع أشكالها في قطاع غزة، من خلال التعمد الواضح في حرق المنازل وهدمها بما تحتويه، والعمل على إنهاء تاريخ الوجود الفلسطيني، في محاولة أيضاً لوضعنا في مسار الهجرة والرحيل والتخلي عن فلسطين". وبحسب عمر، فإنه في سياق الضفة الغربية، اتخذت هذه الحرب شكلين: الإصرار من قبل المستعمر على زرع رموزه وأعلامه في الشوارع، في تأكيد على ملكيته للأرض، و"لكنه، بأي حال، تأكيد غير مطمئن، والتقدم باتجاه نزع العلم والرموز وكل أشكال التذكّر الفلسطيني".

ويرى عمر أن الاحتلال "يستخدم، في سعيه إلى قتل الذاكرة، أدوات خطابية وقانونية تتضمن إدراج هذه الصروح وغيرها من الممارسات الاجتماعية ضمن مفهوم التحريض، متغافلاً عن أن المحرّض الأساسي على مقاومته بعيد جداً عن الذاكرة، وإنما يتمثل في وجوده بوصفه قوة احتلال دموية على أرض فلسطين".

محاولات للتأثير في الوعي الفلسطيني

أما المحلل والخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد، فيعلّق: "إسرائيل ترى أن تمجيد الشهداء من شأنه أن يُبقي للشهيد مكانة مجتمعية ودينية وأخلاقية تجعله أسطورة في الوعي الفلسطيني الجمعي، وهذا كفيل باستمرار إنتاج الشهداء". ويقول شديد: "إسرائيل وأميركا وأوروبا وأطراف رسمية عربية، تريد أن يبقى المغني واللاعب الرياضي هما النموذج في الوعي الفلسطيني والعربي، وليس الشهداء، بمعنى أن إبقاء الشهداء مصدراً من مصادر الشرعية والقداسة والمكانة المجتمعية يعني أن كل الوسائل العسكرية والاقتصادية والسياسية فشلت في شيطنة هذه الثقافة التي تنتج الحالة النضالية وتشويهها".

ويتابع شديد: "النضال هو إنتاج لحاضنة وبيئة تنتج هذا النضال، بغض النظر عن شكله، وطالما هناك احتضان للشهداء وتخليد لذكراهم وتمجيد لهم والتعامل معهم بوصفهم رموزاً، فبالتالي سنرى الكثير من الأجيال القادمة تسير على نهج هؤلاء الشهداء، وستستثمر في مسيرتهم، وستقوم بتنفيذ عمليات على نهجهم، لأنهم أصبحوا رموزاً وقدوة بعد استشهادهم".

ورداً على سؤال لـ"العربي الجديد" حول مواصلة جيش الاحتلال الإسرائيلي تدمير النصب التذكارية في عمق المدن الفلسطينية، كما جرى في نابلس ورام الله وجنين وطولكرم، وهي مصنفة "أ" حسب اتفاق أوسلو، أي أنها تحت سيادة السلطة الفلسطينية، يجيب شديد: "لم تبقَ مناطق (أ)، اليوم هناك تفاهم فلسطيني وإسرائيلي على أن الجيش الإسرائيلي يصل إلى كل مكان في الضفة الغربية، باستثناء المقرات الأمنية في المحافظات، أي المكان الذي يُسمّى فلسطينياً (المقاطعة)، والموجود في كل محافظة، وغير ذلك، لم تبقَ أي حدود لتصنيفات أوسلو (أ، ب، ج)".

ويتابع شديد: "الاحتلال الإسرائيلي فشل حتى في محاولات إحداث تغيير في المناهج الفلسطينية، وفشل في إنتاج وعي جديد يرفض الشهادة والشهيد، وبالتالي، فإن الإسرائيلي مضطر إلى القيام بعمليات تُستخدم فيها جرافات وآليات عسكرية لتجريف صرح شهيد أينما وُجد في الضفة الغربية، سواء في قرية أو مدينة أو مخيم". ويوضح أن هذا يُفهم في اتجاهين:

أولاً: الاحتلال فشل في إنتاج فلسطينيٍّ وفق ما عمل عليه الجنرال الأميركي كيف دايتون منذ عام 2007، والذي يتلخص في إنتاج جيل فلسطيني جديد لا يعنيه الاحتلال ولا المقاومة، وبالتالي، فإن إسرائيل مضطرة إلى إخراج دباباتها، لا لتواجه دبابة، بل لتواجه صرح شهيد مصنوعاً من قطعة رخام أو حجر كُتب عليها اسم الشهيد وصورته.

ثانياً: إسرائيل تخوض حرباً على الوعي، لأنه يُراد شيطنة الشق الإيجابي المنير من الوعي الوطني والديني، لأن الشهادة لا يُرمز إليها بالبعد الديني فقط، بل بالبعد الوطني والقيمي، وبالتالي، هناك محاولات دائمة لتجفيف مصادر البيئة التي تقدّس الشهيد، وتكريس النظر إلى الشهيد باعتباره عبئاً، كما جرى في موضوع رواتب الشهداء والجرحى والأسرى، والأمر مستمر برغبة إسرائيلية وأميركية، ليس فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما في العالم العربي، من خلال الرغبة في تغيير المناهج لجعلها تتسق مع إسرائيل وتتقبلها وتنبذ قيم المقاومة والشهادة، بذريعة أنها تحريض، لذلك، تطلب أميركا، ومن ورائها إسرائيل، تغيير المناهج وتعديلها في عدد من الدول العربية.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.