28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/30047

صناعة الترندات... من لحظة الانتشار إلى صناعة المعنى الرقمي

يبدو الترند على منصات التواصل الاجتماعي حدثاً سريعاً يصل خلال أيام أو ساعات إلى ملايين المستخدمين، ثم يتراجع تدريجياً حتى يبدو كأنه موجة عابرة؛ لكن النظر إليه بهذه الطريقة يحجب آلية اجتماعية ورقمية أكثر تعقيداً، لأنّ كل ترند يمثل في جوهره عملية إنتاج للانتباه والمشاركة والمعنى، تبدأ بمادة أولية يطرحها شخص أو مجموعة صغيرة، ثمّ تدخل هذه المادة في دوائر متتابعة من التقليد وإعادة الإنتاج والتعليق والتفسير، حتى تتحوّل من محتوى منشور إلى ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو قانونية تمتلك حضوراً خاصاً داخل المجال الرقمي.

يبدأ الترند من لحظة صغيرة قد تكون أداءً عفوياً، أو قصة شخصية، أو حادثة عابرة، أو صورة جَمعية، أو جملة، أو نكتة، أو معلومة، أو موقفاً مثيراً للجدل، أو تحدياً يدعو الآخرين إلى المشاركة، وقد يبدأ أحياناً من واقعة عرضية تلتقطها كاميرا الهاتف فتمنحها المنصة حياة جديدة. وهنا يجب التمييز بين المحتوى والترند؛ لأنّ المحتوى هو المادة الخام الأولى، بينما الترند هو المسار الذي تسلكه هذه المادة حين تنتقل من حساب إلى آخر ومن مجموعة اجتماعية إلى أخرى، وتدخل في عمليات التكرار وإعادة الإنتاج والتفسير والتحليل.

تتعدّد أشكال الترند بحسب طريقة ولادته؛ فهناك ترندات الأداء التي تقوم على حركة أو رقصة أو طريقة تصوير يعيد المستخدمون إنتاجها ويتداولونها، وترندات التحدي التي تحول المشاركة إلى لعبة اجتماعية، وترندات المعلومات التي تبدأ بتجربة أو اعتراف أو قصة شخصية، وأخبار الحوادث التي تنطلق من موقف مفاجئ التقطته الكاميرا، إلى جانب ترندات الاكتشاف التي تعيد تقديم شخصية أو أغنية أو صورة أو قصة قديمة باعتبارها اكتشافاً جديداً. ومع انتقال المادة بين المنصات والجماعات قد تتحوّل الصورة أو الفيديو أو العبارة إلى رمز يحمل معنى اجتماعياً أو سياسياً أو دينياً أو ثقافياً يتجاوز لحظة ظهوره الأولى.

الترند لا يصنعه المحتوى وحده، بل تكرار الجمهور له وإعادة إنتاجه

بعد الظهور تأتي مرحلة الاكتشاف المبكر، حين يلتقط عدد محدود من المستخدمين المادة ويعيدون إنتاجها، فتتحوّل الحركة أو الصورة أو الجملة إلى قالب قابل للتعرف والتكرار، ومع التكرار ينتقل المستخدم من المتلقي إلى المشارك. تدفع المشاهدة إلى التقليد، والتقليد ينتج محتوى جديداً، والمحتوى يجذب مشاهدات وتفاعلات إضافية، فتتشكّل حلقة متصاعدة فيها المشاركة تنتج تفاعلًا، والتفاعل ينتج ظهوراً، والظهور ينتج مشاركة جديدة.

تلتقط الخوارزميات هذا الزخم والضخ الهائل من خلال مؤشرات مثل مدة المشاهدة، وعدد المشاهدات، والمشاركة، والتعليق، وسرعة التفاعل وطبيعة المتفاعلين (مشاهير أو مستخدمين عاديين)، ثم توسع توزيع المحتوى الذي يحقق تفاعلاً مرتفعاً. ومع اتساع الجمهور ترتفع فرص التقليد وإعادة الإنتاج، فيتحول الانتباه إلى وقود لمزيد من الانتباه. تؤدي الشخصيات المؤثرة والحسابات الكبرى دوراً إضافياً في تسريع الدورة؛ لأنّ مشاركة واحدة من حساب واسع الانتشار قد تنقل الترند من دائرة اجتماعية محدودة إلى جمهور كبير. وهنا يظهر الفرق بين صانع الترند ومسرّعه؛ فقد يكون صانع الفكرة مستخدماً عادياً مغموراً، بينما يمنحها المؤثر سرعة انتشار أكبر، وقد يأتي حساب إعلامي أو سياسي أو ديني ليعيد تأطيرها ويمنحها معنى جديداً.

لا يبقى الترند ثابتاً مع اتساع تداوله، لأنّ معناه نفسه يتغيّر كلما انتقل بين الجماعات والمنصات؛ لأنه قد يبدأ كمواد ترفيهية، ثم يقرأه جمهور آخر باعتباره تعبيراً عن تغيّر اجتماعي، ويقرأه جمهور ثالث باعتباره مؤشراً أخلاقياً أو دينياً أو ثقافياً، قبل أن تدخل وسائل الإعلام أو الشخصيات العامة لتقديم تفسير جديد. عند هذه النقطة ينتقل الترند من مادة ترفيهية إلى موضوع للنقاش العام.

ولا يحتاج الترند بالضرورة إلى اتفاق الناس حول معناه أو أخلاقياته (مفيد، ناجح، فاشل، سيّئ) حتى يستمر؛ لأن التأييد والسخرية والنقد والتحليل وإعادة النشر للتحذير منه كلها أشكال من المشاركة تضيف دورة جديدة إلى حياته الرقمية. لذلك يرتبط استمرار الترند بالتفاعل الذي يولده أكثر من ارتباطه بالاتفاق حول معناه، وقد يصبح الجدل نفسه محركاً للانتشار.

تتبع الترندات دورة زمنية مرنة تبدأ بالظهور والتجريب خلال الساعات الأولى، ثم الانتشار السريع خلال يومين أو عدة أيام، وقد تبلغ الذروة خلال أسبوع أو 10 أيام قبل الدخول في التشبّع والانحسار. تستمر بعض الترندات لأسابيع أو أشهر حين تمتلك قدرة عالية على إنتاج نسخ وتنويعات جديدة، فيما تتحوّل أخرى من ظاهرة يومية إلى قالب ثقافي معروف يمكن استدعاؤه بعد سنوات، مثل "رقصة التابوت" التي بقيت حاضرة بعد انتشارها خلال جائحة كورونا.

لهذا يجب التمييز بين عمر الانتشار، أي الفترة التي يحقق فيها الترند أعلى مستويات الوصول والمشاهدة، وعمر المشاركة، أي الفترة التي يستمر خلالها المستخدمون في إنتاج نسخه؛ والعمر الثقافي، أي المدة التي يبقى فيها معروفاً في الذاكرة حتى بعد توقف انتشاره. فقد يعيش الترند خمسة أيام في ذروة المشاهدة، وثلاثة أسابيع في إنتاج النسخ، ثم يبقى معروفاً لسنوات.

وبذلك يمكن النظر إلى الترند باعتباره دورة اجتماعية للانتباه أكثر من كونه موجة رقمية عابرة فيها مادة أولية، ثمّ اكتشاف، فتقليد وتعليق، فتكرار ونسخ، ثم تدخل الخوارزمية والتوسع الأفقي، وإنتاج معانٍ متعددة، فالتشبع والانحسار، مع احتمال التحول إلى رمز أو ذاكرة أو ترند جديد.

تلفت الحالة المصرية الانتباه بكثافة الترندات اليومية، كما تكشف طريقة تسمية بعضها عن ميل واضح إلى تحويل المحتوى الرقمي من مقطع عابر إلى حدث اجتماعي مكتمل الأركان. تتكرّر تسمية "واقعة" في عناوين مثل "واقعة فتاة سندوتش الطعمية" و"واقعة فتاة الأوبر" و"واقعة أسرة التجمع"، ثم تنتقل المواد إلى الترند وقضايا الرأي العام، بما يجعل التسمية نفسها جزءاً من صناعة الحدث.

تمنح كلمة "واقعة" المحتوى إطاراً قصصياً واجتماعياً وقانونياً، فيما تضيف عبارة "تتصدر الترند" قوة الانتشار، فيتحول مقطع مصور أو خبر إلى قصة لها أطراف وملابسات وتداعيات.

وتكشف بيانات "واقعة فتاة أوبر"، التي ارتبطت بفتاة انتحلت صفة إعلامية لتخيف سائق أوبر ثم اتهمته بمحاولة الاعتداء عليها بعد خلاف على تسعيرة الرحلة، هذا التحول بوضوح؛ فقد سجل الترند 221 نتيجة بحث ووصل إجمالي الوصول إلى 153 مليوناً، بمتوسط يومي بلغ 1.7 مليون، مع قفزة حادة في الانتشار بين 4 و7 أغسطس/ آب الماضي.

ويتكرّر النمط نفسه في "واقعة سندوتش الطعمية"، التي ارتبطت بفيديو لزوج ضبط زوجته مع شاب داخل سيارة خاصة يتناولان السندوتشات، لتنتقل خلال أيام قليلة من غياب كامل عن التداول إلى 26.5 مليون وصول ومتوسط يومي قدره 295 ألفاً بين 10 و12 أغسطس، مع إعادة نشر واسعة من وسائل إعلام مصرية وتفاعل اجتماعي سلبي.

يكشف النموذجان مساراً متكرراً يمكن اختصاره في مقطع يتحول إلى واقعة، ثم إلى ترند، ثم إلى قضية رأي عام؛ إذ تمنح التسمية الحدث إطاراً اجتماعياً وإعلامياً يعيد إنتاجه مع كل إعادة نشر وتفسير.

ازدادت كثافة تداول الترندات والتفاعل معها في سورية بصورة كبيرة بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، حتى أصبح أي حدث أو خبر قابلاً للتحول إلى ترند خلال وقت قصير. يرتبط ذلك بانهيار احتكار الرواية، وتوسع مساحة التعبير وصناعة المحتوى، وانحسار الرقابة الأمنية، وارتفاع الحاجة إلى المعلومات، إلى جانب سيولة المشهد السياسي والاجتماعي والفراغ المعلوماتي الذي رفع قيمة كل معلومة وربط الأحداث اليومية بأسئلة أوسع حول السلطة والهوية والدين والمجتمع والمال.

ومع تحول المواطن إلى منتج للخبر وتراجع مركزية المؤسسات الإعلامية، أصبح الجمهور شريكاً في تحديد ما يستحق الاهتمام، فيما أسهمت قابلية الأحداث للتسييس والشخصنة في تحويل الوقائع الصغيرة إلى قصص قابلة للتداول والسخرية والتأويل، وتعمل الحسابات المؤثرة والإعلامية والخوارزميات على تسريع انتشارها.

لذلك، يبدو الترند السوري أقرب إلى حدث اجتماعي حي يبدأ بصورة أو فيديو أو جملة أو تصريح، ثم ينتقل بين الحسابات ويكتسب اسماً مختصراً مستمداً من أكثر عناصره تداولاً، قبل أن يتحوّل إلى قصة يعاد روايتها والسخرية منها وتمثيلها والتعليق عليها، فتمنحه الحسابات العامة والإخبارية دورة جديدة من الانتشار.

بعض الترندات تصنع انتشارها من التكرار والمحاكاة وإعادة الأداء والموسمية

ويقدم ترند "وصول المايسترو إلى سورية"، المرتبط بالمؤثر اللبناني طوني نصراني، مثالاً واضحاً على هذه السرعة؛ إذ بقي التفاعل قريباً من الصفر حتى 7 أغسطس، ثم تجاوز 32 ألف وصول يومي في 8 أغسطس، قبل أن ينخفض إلى نحو ألفي وصول في 9 أغسطس ويقترب من الصفر خلال اليومين التاليين. وبلغ إجمالي الوصول نحو 34.7 ألفاً بمتوسط يومي قدره 2.9 ألف، كاشفاً دورة قصيرة يمكن تلخيصها في الكمون، والانفجار، والذروة، ثم الانحدار والانطفاء.

تقوم بعض الترندات على الأداء والمحاكاة، حين يتحوّل سلوك أو حركة محددة إلى قالب يعيد المستخدمون أداءه وتصويره. ويجسد "تحدي ثقب البطيخ بالإصبع" هذا النوع؛ فقد سجل 1.37 مليون وصول بمتوسط يومي بلغ 114 ألفاً، ونمو قدره 87,700% مقارنة ببدايات ظهوره في يونيو 2026. بقي التفاعل شبه معدوم حتى 3 أغسطس، ثم ارتفع في 5 أغسطس وبلغ نحو مليون وصول في 6 أغسطس، قبل أن ينهار إلى نحو 500 وصول في 8 أغسطس.

يكشف هذا المنحنى أن بعض الترندات تصنع انتشارها من التكرار والمحاكاة وإعادة الأداء والموسمية أكثر مما تصنعه قيمة المحتوى الأصلي؛ فكلما استنفد المستخدمون إمكانات تقليد الفكرة، وصل الترند إلى التشبع سريعاً.

في المقابل، شهد "ترند الثمانينيات" قفزة مختلفة، إذ تجاوز نمو الإشارة Mentions عشرة آلاف في المئة مقارنة بالفترة السابقة، ووصل إجمالي التفاعل إلى نحو 8.87 ملايين تفاعل، مع أكثر من 13.9 مليار مشاهدة. بدأ الترند بهدوء في الأيام الأولى من سبتمبر، وبلغ ذروته في 10 سبتمبر قبل أن يتراجع سريعاً، وتصدرت منصة إكس النقاش بأكثر من 52 ألف حالة إشارة، تلتها "إنستغرام" و"فيسبوك"، وامتد التداول إلى أكثر من 190 دولة، من دون تركّز جغرافي واضح، بما يعكس ترنداً عالمياً عابراً للحدود وطابعاً نصياً وحوارياً أكثر من كونه بصرياً. بلغ عدد الحسابات التي استخدمت " Add Yours" على خاصية القصص Stories الخاصة بفكرة ترند الثمانينيات حتى 13 سبتمبر/ أيلول الماضي نحو 2 مليون مستخدم مع ملاحظة وجود أطفال ما دون 18 عام منخرطون بهذا التصوّر.

لا ينتهي الترند بطريقة واحدة، لأنه ذلك قد يحدث عبر الاستبدال حين يظهر حدث او نشاط أكثر إثارة فينتقل إليه الانتباه، أو عبر المسار القانوني عندما تنتقل القصة إلى التحقيق أو المحاكمة أو التسوية، أو عبر المسار الاجتماعي من خلال الاعتذار والتصالح والتوضيح، أو عبر المسار الإعلامي حين تقدم جهة رسمية أو أحد الأطراف تفسيراً يغيّر مسار القصة.

وقد يحدث الإغلاق رقمياً عبر حذف المحتوى أو إغلاق الحسابات، أو معلوماتياً عندما تظهر وثائق موثوقة تغيّر الرواية المتداولة، أو من خلال التصحيح والتحقق عندما تنكشف معلومة أساسية باعتبارها زائفة.

كذلك، يفقد الترند زخمه بسبب التشبع والتكرار، أو الاستنزاف والسخرية حين يتحول إلى مادة للميمات والنكات، أو فقدان المصداقية حين تتراكم التناقضات حول القصة، كما ظهر في بعض قصص خطف النساء في سورية مع تضارب المعلومات والتصريحات والتبعات القانونية.

وفي حالات أخرى ينتقل الترند من المجال الرقمي إلى المؤسسة أو السياسة، كما حدث في ترند "مطاعم الطيبات" في مصر، حين استخدم النائب أشرف أمين طلب إحاطة في 3 يونيو 2026 للمطالبة برقابة حكومية على التراخيص والسلامة الغذائية والادعاءات الصحية والإعلانات المضللة. وقد يسلك الترند مساراً تجارياً يتحول فيه الزخم إلى حملة أو مبادرة، أو مسار إحياء تعيده حادثة جديدة أو شخصية مرتبطة به إلى الواجهة.

لهذا يمكن التمييز بين ترند ينطفئ بفقدان الانتباه، وترند ينتهي بحسم القضية، وترند ينتقل إلى مؤسسة أو مجال آخر، وترند يعاد تدويره في سياق جديد. وفي جميع هذه الحالات يبقى الترند أقل شبهاً بموجة تمر وتنتهي، وأكثر شبهاً بدورة اجتماعية يعيد المجتمع من خلالها توزيع الانتباه، وإنتاج المعنى، وتحديد ما يستحق أن يتحول من محتوى عابر إلى قضية أو ذاكرة أو ظاهرة ثقافية.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.