28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/27261

كيف تحاصر تطبيقات التقسيط بيوت المصريين؟

في الشارع المصري اليوم، لم يعد النقاش يقتصر على كيفية تدبير الميزانية الشهرية لشراء المُستلزمات الأساسية، بل أصبح يدور حول كيفية جدولة "أقساط" الشهر المُقبل. فبينما تسير في شوارع القاهرة، أو تفتح التلفزيون، أو تتصفّح منصّات مواقع التواصل الاجتماعي، تُحاصرك لافتات وشعارات برّاقة تَعدك بامتلاك كلّ شيء فوراً: قسّط على أطول فترة سداد من دون مقدّم.

هذه الإغراءات الرقمية والتمويلية لم تعد مجرّد تسهيلات تجارية عابرة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية ونفسية جادة للغاية، تُعيد تشكيل وعي الأسرة المصرية، وتدفعها برفق نحو فخ الديون المُتراكمة تحت وهم تلبية الاحتياجات الأساسية أو مواكبة المظاهر الاجتماعية.

لقد طرأ تحوّل عميق على نمط الاستهلاك في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة. قديماً، كانت ثقافة الادخار و"على قد لحافك مد رجليك" هي القاعدة الذهبية التي تحكم البيوت؛ فلا يتم شراء جهاز كهربائي جديد أو تجديد أثاث المنزل إلا بعد توفير ثمنه بالكامل، أو من خلال "الجمعيات الأهلية" التقليدية بين الأقارب والجيران. أمّا اليوم، ومع الضغط الاقتصادي وضعف الأجور أصبحنا نعيش عصر الانتشار الانفجاري لتطبيقات التمويل الاستهلاكي والبطاقات الائتمانية. أصبح بإمكان الشاب أو ربّ الأسرة الحصول على أحدث هاتف ذكي، أو السفر لقضاء عطلة تفوق قدراته المادية، بضغطة زر واحدة على تطبيق في هاتفه، من دون أن يستشعر للحظة ثقل المبلغ الذي يلتزم بسداده مُستقبلاً.

مبدأ التقسيط، الذي وُجد أصلاً كأداة لمساعدة الأسر على شراء السلع المُعمّرة والضرورية، أصبح محمّلًا بفوائد مالية مضاعفة وخطيرة

الخطورة الحقيقية لهذه الظاهرة تكمن في "تخدير الوعي المالي". فالتقسيط، الذي وُجد أصلاً أداةً لمساعدة الأسر على شراء السلع المُعمّرة والضرورية كالسيارة أو شقة الزوجية أو الأجهزة الكهربائية الأساسية، أصبح مُحمّلاً بفوائد مالية مُضاعفة وخطيرة، سواء كان يُقدِّم خدمة أساسية أو انحرف عن مساره ليصبح نمط حياة يشمل السلع الاستهلاكية اليومية والترفيهية. واليوم، نرى عروضاً لتقسيط الملابس، وحجز الحفلات والمصايف، بل وحتى شراء المواد الغذائية والوجبات السريعة بالتقسيط! هذا التوسّع غير المدروس يخلق رفاهية زائفة تعزل المواطن عن واقعه الاقتصادي الفعلي، ويجعل الفرد يعيش بمستوى معيشة لا يعبّر عن دخله الحقيقي، بل يعبّر عن حجم الائتمان المُتاح له على هاتفه.

هذا النمط الاستهلاكي المُفرط لا يمرّ بسلام، بل تدفع الأسرة المصرية ثمنه من استقرارها النفسي والاجتماعي. عندما تتعدّد الأقساط وتتداخل مواعيد سدادها، يتحوّل المنزل إلى ساحة من التوتّر الدائم والقلق المستمر من تعثّر السداد أو المُلاحقات القانونية والسجن.

هذا الضغط النفسي ينعكس مباشرة على العلاقات الأسرية، حيث تزداد المُشاحنات الزوجية، ويتحوّل الأب من مربٍّ ومصدر للأمان إلى ما يشبه آلة سداد لا تتوقّف عن العمل لمُلاحقة الديون. وفي كثير من الأحيان، تنتهي هذه الدوامة بوقوع عائلات بأكملها في فخّ العجز التام، ما يهدّد بتفكك الأسر وضياع مستقبل الأبناء بسبب قرارات شرائية اتُّخذت في لحظة اندفاع خلف بريق الإعلانات.

عندما تتعدّد الأقساط وتتداخل مواعيد سدادها، يتحوّل المنزل إلى ساحة من التوتّر الدائم والقلق المستمر

ولا يمكن هنا إلقاء اللوم بالكامل على المواطن البسيط؛ فالشركات الكبرى ومؤسسات التمويل تستخدم آليات نفسية بالغة الذكاء في إعلاناتها، حيث تلعب على أوتار المقارنة الاجتماعية وشعور الفرد بالعجز أحياناً عن الشراء إذا لم يواكب جيرانه أو زملاءه في العمل. تُصوَّر بعض السلع الترفيهية في الإعلام وكأنّها حقوق أساسية لا تكتمل الحياة من دونها، وتُقدَّم الاستدانة والتقسيط في ثوب "الذكاء المالي" وسهولة الإجراءات، ما يضعف المقاومة النفسية للمُستهلك ويقنعه بأنّ بضع مئات من الجنيهات شهرياً لن تؤثّر على حياته، مُتناسياً أنّ مجموع هذه المئات سيشكّل في النهاية جبلاً يعجز عن تسلّقه.

لم يعد الحديث عن "التقسيط" في تجمّعات العائلات أو وسائل المواصلات يعبّر عن رغبة في الترف أو ملاحقة صيحات الموضة والرفاهية، بل أصبح يُطرح بوصفه آلية دفاعية حتمية وسلاحاً أخيراً تلجأ إليه الأسر المصرية لترميم الفجوة الآخذة في الاتساع بين رواتب ثابتة وأسعار سلع أساسية لا تتوقّف عن الصعود. في الشارع المصري اليوم، تلاشت رفاهية الاختيار؛ فالناس لم يعودوا يشترون بالتقسيط حبّاً في الاستهلاك، بل لأنّهم في كثير من الأحيان مضطرون بكلّ ما تحمله الكلمة من ثقل، بعد أن بات كاش الوفاء بالالتزامات عصياً على جيوب الملايين، لتتحوّل شركات التمويل الاستهلاكي من جهات استثمارية إلى ما يشبه شرايين الحياة اليومية التي تحمي البيوت من الإفلاس اللحظي وتهددّها بالإفلاس والسجن المستقبلي.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.