عملية الخليل بين الاستغلال الانتخابي وتحطيم الردع المطلق للفلسطينيين
تأتي عملية إطلاق النار على حاجز فرش الهوى شمال غربي الخليل جنوبي الضفة الغربية، صباح اليوم الجمعة، في توقيت حساس للاحتلال الإسرائيلي، قبل أيام من انتخابات الكنيست، الثلاثاء المقبل، وتحمل دلالات عدة لا يستطيع الاحتلال تجاوزها، حيث وقع اشتباك مسلح لأكثر من عشرين دقيقة على واحد من الحواجز العسكرية الرئيسية التي تحيط بمدينة الخليل وتذلّ مئات الفلسطينيين يومياً.
تعمق أكثر
ورغم أن الاحتلال سارع بالتهديدات وبالإجراءات العقابية غير الجديدة بعد العملية مباشرة، من إغلاق للحواجز المحيطة بالمدن والبلدات في الضفة الغربية، وهدم منازل ومنشآت فلسطينية، أصبحت هذه الممارسات روتيناً للاحتلال، لا يحتاج إلى عملية للمقاومة ذريعةً لها. وبعد دقائق من العملية، كان وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير في مكان العملية، يطلق التهديدات تجاه السلطة الفلسطينية، محذراً من "سابع من أكتوبر جديد سينطلق من الضفة الغربية". وبعد ذلك، حضر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى المكان، معلناً تطبيق نموذج مخيمات اللاجئين على الأحياء التي خرج منها منفذو العملية، في إشارة إلى مخيمات طولكرم وجنين، شمالي الضفة.
🔹 كاميرا مراقبة توثق لحظة تنفيذ عملية إطلاق النار عند حاجز عسكري للاحتلال الإسرائيلي في منطقة فرش الهوا عند المدخل الشمالي لمدينة الخليل #العربي_الجديد #الخليل https://t.co/fKxtTLO4E9
— العربي الجديد (@alaraby_ar) October 23, 2026
تحطيم نظرية الردع المطلق في الضفة
ويرى محللون وخبراء أن أهم الرسائل التي وجهتها عملية إطلاق النار، التي نفذها شابان من مدينة الخليل، تتمثل في تحطيم نظرية الردع المطلق في الضفة الغربية، التي ترددها المستويات السياسية والعسكرية لجيش الاحتلال بشكل شبه يومي. ويعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية عزام أبو العدس في حديث مع "العربي الجديد"، أن العملية جاءت في ظل نظرية روّجتها الحكومة الإسرائيلية، وهي نظرية الردع المطلق في الضفة الغربية، وثانياً، في ظل الانتخابات الإسرائيلية، إذ تُعدّ حالة التغيير الشامل في الضفة إحدى أقوى أوراق اليمين الإسرائيلي، وبالتالي، أحرجت هذه العملية الحكومة الإسرائيلية التي كانت تنادي بأنها حققت الأمن المطلق في الضفة الغربية لأول مرة منذ عام 1967.
أبو العدس: المعارضة الإسرائيلية ستبقى أسيرة البرنامج السياسي لنتنياهو
ويتابع أبو العدس، في تصريحات لـ"العربي الجديد": "هذه العملية ستمنع المعارضة الإسرائيلية من الحديث عن أي بديل أو برنامج سياسي، وبالتالي ستبقى هذه المعارضة أسيرة البرنامج السياسي لنتنياهو، بحيث إنها، حتى لو أُجريت الانتخابات، وحتى لو فازت فيها، ستبقى عالقة في برنامج نتنياهو". ويعتبر أبو العدس أن هذه العملية تأتي أيضاً في إطار رد فعل على توحّش المستوطنين وجيش الاحتلال في الضفة الغربية، وإذلال آلاف الفلسطينيين على الحواجز العسكرية الإسرائيلية.
ويوضح أن "الجيش الإسرائيلي والمستوى الأمني يحذّران طوال الوقت من حدوث مثل هذه العمليات، رغم أن جيش الاحتلال يعلن يومياً اعتقال خلايا في الضفة الغربية، واعتقال منفذي عمليات أو أشخاص يُشتبه بتخطيطهم لعمليات أو محاولتهم تنفيذها، أو حيازتهم وسائل قد تؤدي إلى تنفيذ عمليات، وبالتالي فإن هذه الحالة مستمرة". ويقول أبو العدس: "السؤال الآن لدى كل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية هو: كيف تمكّن شابان في السابعة والعشرين من عمرهما، ومتزوجان، ويتمتعان بوضع مالي مستقر، من تنفيذ عملية نوعية من هذا القبيل؟ ما يعني أن هناك الكثير من الاعتبارات لدى الاحتلال بشأن مواصفات منفذي العمليات، وهي اعتبارات غير صحيحة على أرض الواقع. وبالتالي، فإن الوضع في الضفة الغربية مرشح للتصعيد الحتمي، وهذا ما يتوقعه المستوى الأمني في إسرائيل، وما تشير إليه أيضاً كل المتغيرات على الأرض".
إخفاق جديد لنتنياهو
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي عادل شديد، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن نتنياهو سيستخدم عملية الخليل ويحوّلها إلى إنجاز، بالقول إن العملية كانت ستوقع قتلى أكثر لولا يقظة جنوده، وإن الهدف الفلسطيني من العملية، سواء من جانب السلطة أو الفصائل أو المنفذين، هو إسقاط الانتخابات. ويتابع شديد: "هذا بالنسبة إلى نتنياهو، أما بقية الأحزاب الإسرائيلية فستتعامل مع العملية على أنها إخفاق وفشل جديد يُضاف إلى سلسلة الإخفاقات التي يتحمّل نتنياهو مسؤوليتها منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وحتى يومنا هذا، والتي يرفض الاعتراف بها".
شديد: نتنياهو سيستخدم هذه العملية ويحوّلها إلى إنجاز بينما ستتعامل بقية الأحزاب الإسرائيلية معها على أنها إخفاق جديد له
ويضيف شديد: "رغم كل هذه الادعاءات، فإن النقاش الجدي سيكون حول كيفية حدوث عملية منظمة بهذا الشكل الماهر، واستغراقها أكثر من 20 دقيقة. لماذا لم يستطع أقوى جيش في الشرق الأوسط القضاء على منفذَين اثنين يمتلكان أسلحة عادية، بعد الدقيقة الأولى أو الثانية؟ أين ذهب عشرات الجنود الذين يوجدون على هذا الحاجز يومياً؟". ويلفت إلى أن "الأمر الآخر يتعلق باستراتيجية المكان؛ فهذا شارع عسكري يربط المستوطنات في الخليل بعضها ببعض، وبداخل إسرائيل. أي إننا نتحدث عن منطقة أمنية وعسكرية واستيطانية بالكامل".
وغير بعيد عن المكان، نفّذ المقاوم مهند العسود، وهو عنصر سابق في الحرس الرئاسي الفلسطيني، في سبتمبر/ أيلول 2024، عملية نوعية أسفرت عن مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة الإسرائيلية، قبل أن تلاحقه قوات الاحتلال وتقتله.
التحريض على السلطة عقب عملية الخليل
ورغم أن قيادة الاحتلال والمستوطنين لا يحتاجون إلى أي مناسبة للتحريض على السلطة الفلسطينية، شكّلت عملية "فرش الهوى" منصةً إضافيةً للتحريض على السلطة؛ فبعد دقائق من العملية في الخليل أغلقت قوات الاحتلال جميع الحواجز العسكرية المحيطة بمدينة رام الله وسط الضفة، حيث مقر الرئاسة، في رسالة واضحة إلى السلطة.
وفي السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأميركية، أيمن يوسف، في حديث مع "العربي الجديد"، أن وجود بن غفير ورموز اليمين المتطرف الإسرائيلي يهدف إلى إرسال عدة رسائل إلى المستوطنين والفلسطينيين. ويقول يوسف إن "بن غفير يريد أن يقول للمستوطنين إنه موجود بين الجنود، وإنه قائد ميداني، وإن الوضع تحت السيطرة، إذ إن تصريحاته حملت ثلاثة أبعاد رئيسية. فعندما قال: "لا نريد أن يكون هناك 7 أكتوبر جديد في الضفة الغربية"، فإن ذلك يأتي في إطار محاولاته المستمرة لعسكرة المجتمع الإسرائيلي، خاصة المستوطنين. ويحاول بن غفير إرسال رسالة مفادها بأن أفضل طريقة لمواجهة الفلسطينيين هو عبر الحلول الأمنية والعسكرية، وأنه إذا فشلت إسرائيل في ذلك، فستقع أحداث مشابهة للسابع من أكتوبر، ولكن بنموذج الضفة الغربية".
ويتابع يوسف: "أما البعد الثاني، فهو التهديد المباشر للسلطة الوطنية الفلسطينية، لأنه يحاول أن يقول، بمعنى ما، إنه لا يوجد مشروع سياسي؛ فالسلطة، على ضعفها، وعلى الرغم من كل ما يعتري الوضع الحالي، تبقى تمثل شكلاً من أشكال الرمزية الوطنية الفلسطينية، مثل رفع العلم ووجود رجال أمن بزي رسمي، وهذا ما لا ترغب إسرائيل اليمينية في رؤيته في هذه المرحلة".
يوسف: مشروع اليمين الإسرائيلي يقوم على أن الحلول المستقبلية يجب أن تتمثل في إزالة السلطة كاملة وتفكيكها
ويضيف يوسف: "أما البعد الثالث، فهو مرتبط بالمزايدات الانتخابية وحشد الأصوات وتجنيدها، والتحريض على الهجوم على السلطة. وإن كان هذا يأتي في إطار المزايدات الانتخابية، فإن مشروع اليمين الإسرائيلي، بما فيه نتنياهو، يقوم في الوقت ذاته، وبشكل واضح، على أن الحلول المستقبلية يجب أن تتمثل في إزالة السلطة كاملة وتفكيكها، وتحويل الفلسطينيين إلى مجتمعات محلية تعيش من دون حقوق سياسية، حتى وإن كانت رمزية. وبالتالي، أعتقد، في هذا السياق، أن بن غفير يحاول إرسال رسائل أيديولوجية مفادها أنه ضد أي وجود فلسطيني رسمي، وفي الوقت نفسه يحاول استغلال هذه الحالة انتخابياً لصالح اليمين المتطرف".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗