28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/40855

عياء في بلادنا... الخروف العربي والذئب الإسرائيلي

I

يسير العالم الذي تشكّلت صورته غداة الحرب العالمية الثانية إلى الانحلال المتدرّج. وها هو اليمين المتطرّف يصعد، بثبات وقوة وعناد، إلى الحكم في الولايات المتحدة (دونالد ترامب)، وهو على وشك الوصول إلى السلطة في فرنسا (ماري لوبان وجوردان بارديلا)، وإيطاليا (جورجيا ميلوني)، وألمانيا (أليس فايدل)، تماماً مثلما صعدت النازية، بُعيد الحرب العالمية الأولى والكساد العالمي الكبير (1929) إلى الحكم في ألمانيا (هتلر)، والفاشية في إيطاليا (موسوليني)، وكما صعد في البرتغال (سالازار) وفي إسبانيا (فرانكو) في أثناء الحرب العالمية الثانية. ولا يقتصر الأمر على أوروبا والولايات المتحدة فحسب، فاليمين يكتسح الآن بيلاروسيا (لوكاشينكو) والهند (ناريندرا مودي)، مثلما اكتسح في الماضي تشيلي في زمن بينوشيه (1973). ومن الراجح أن يكون المهاجرون السود والملوّنون والمسلمون والعرب ضحايا أي انفجار عنصري مُحتمل أو مُرتقب في غرب الكرة الأرضية وشرقها. والعولمة، بدينامياتها الاقتصادية والعلمية المتركزة اليوم في الولايات المتحدة، هي التي أطلقت تلك الأنماط من القادة الشعبويين والديماغوجيين في جميع أنحاء العالم. ومثلما هناك عولمة للمال والتجارة والأعمال والاستثمار والتكنولوجيا ووسائط الاتصال، ثمّة عولمة للفقر والإرهاب والجرائم. وثمّة جماعات تتزايد أعدادها كل يوم كالمتسربين من قطاع التعليم، والذين يتلقون الإعانات من دولهم، والمشرّدين ومدمني المخدرات، والمنخرطين في عصابات التهريب والاتجار بالبشر. ولا هوية لهؤلاء، ويجري طردهم باستمرار إلى خارج الفضاء الاجتماعي لأنهم يُعتبرون، بكل بساطة، نفايات، أي غير قادرين على الاستهلاك النافع والمفيد.

ولأن العولمة، في أحد وجوهها، انتقال إدارة العالم من الدول إلى الشركات أمثال "مايكروسوفت"، و"آبل"، و"آيفون"، و"سامسونغ"، و"أمازون"، و"غوغل"، و"تسلا"، و"ميتسوبيشي"، و"تويوتا"، و"هوندا"، و"ديملر"، و"وول مارت"، فإن تعميم النموذج الأميركي على العالم هو أحد مظاهر الفوضى المسيطرة الآن على معظم دول الكرة الأرضية، لكن هذا "الانتصار" (تعميم النموذج الأميركي) سيؤدي، على الأرجح، إلى هزيمة غير وشيكة تتمثل في فقدان المركزية الأميركية، وفي تحويل عناصر قوة الدولة إلى الشركات العابرة للقوميات والأوطان. إنه مكر التاريخ، وما تفعله الولايات المتحدة الآن بالعالم، لا سيما في أوروبا والشرق الأوسط والمحيط الهادئ، إنما هو قتال مجنون في جميع النواحي والجبهات كي لا تتحطّم المركزية الأميركية، ولا تتهاوى مكانة الولايات المتحدة في ميدان الأمن والاقتصاد والمال والتكنولوجيا.

تعميم النموذج الأميركي على العالم هو أحد مظاهر الفوضى المسيطرة الآن على معظم دول الكرة الأرضية

تميز القرن العشرون، ومعه القرن الحادي والعشرون، بصراعات وحشية لا رادع أخلاقياً لها إطلاقاً، وبعنف بهيمي لا حدود له. وتجلى هذا، بالدرجة الأولى، في أوشفيتز وهيروشيما وناغازاكي، ثم في كمبوديا وراوندا، ولاحقاً في بلاد الصرب والكروات والبشناق (يوغوسلافيا السابقة). أما في قطاع غزّة فقد شاهدنا وسمعنا وقرأنا وعلمنا وقائع مروّعة عن جنود إسرائيليين يطلقون كلباً متوحشاً من صنفهم على فلسطيني من ذوي الاحتياجات الخاصة فيقتله الكلب. وعن جنود آخرين يُقحمون أسياخاً معدنية محماة في أدبار بعض السجناء الفلسطينيين. والسؤال الذي يحزّ في نياط القلب: لماذا تخدّرت المؤسّسات السياسية والفكرية والإنسانية أمام تلك الأهوال، ولم ترفع صوتها بالاستنكار والتنديد والاحتجاج والتظاهر؟ وقد تكرّر صمت "الإنسانية" بصورة مريبة، فسكتت عما يجري في فلسطين، خصوصاً في غزة، وفي لبنان أيضاً.

II

لنتذكّر كوندوليزا رايس وحديثها المشؤوم في أثناء زيارتها إسرائيل في يونيو/ حزيران 2005 عن "الفوضى الخلاقة" Creative Chaos كمرحلة مخاض قاسية قبل ولادة الشرق الأوسط الجديد. وكررت رايس مثل ذلك الكلام في يوليو/ تموز 2006 أثناء الحرب على لبنان. أما صاحب فكرة "الفوضى الخلاقة" فهو برنارد لويس الذي كثيراً ما كان يردّد أن الدول العربية فاسدة ومستبدة، وأن دعم الولايات المتحدة حكامها الذي كانت غايته حماية إسرائيل ما عاد نافعاً. ويجب، والحال هذه، قلب تلك النظم، وإحلال الديمقراطية مكانها، ومحاربة الإرهاب الإسلامي، وتخليص المسلمين من عقائدهم الفاسدة، وإعادة تقسيم بلدان المنطقة على أساس إثني وطائفي. وقد شكّكنا كثيراً في جدّية هذه الأفكار، بل سخرنا منها أيما سخرية، ولكن يبدو أن الأمر كان جدّيّاً جدّاً. وها هو المشرق العربي يتغير باطراد وتسارع، من دون أن نعرف ما محطة النهاية له، وما الصورة التي سيرتسم عليها هذا المشرق البائس المبتلى بالأصوليات والإرهاب والعشائر الدموية والفساد والنهابين والمرتشين.

يكاد المشرق العربي يتفكّك كلية، وهو غارق في منازعاتٍ لا مخارج منها، ولا فكاك من أشراكها كالطوائف والإثنيات والعشائر، وهو يتحلل ويتدحرج إلى هاوية ما قبل الدولة

صورة المشرق العربي، كما تلوح لي، هي اليوم، وربما غداً، على الهيئة التالية: إسرائيل دولة قوية جدّاً، ومدجّجة بالأسلحة فائقة الذكاء والفاعلية، ولديها رؤية أمنية وعقيدة عسكرية واضحة، وتدعمها الولايات المتحدة بلا تردّد. كما أن أوروبا تدعمها بقوّة، مع أنها أحياناً تتردّد في دعم سياساتها الهمجية ضد الفلسطينيين. أما المشرق العربي فيكاد يتفكّك كلية، وهو غارق في منازعاتٍ لا مخارج منها، ولا فكاك من أشراكها كالطوائف والإثنيات والعشائر، وهو يتحلل ويتدحرج إلى هاوية ما قبل الدولة، لذلك لا أتوقع من إسرائيل غير ما تفعله بنا؛ إنها فرصتها لتأبيد تفوقها، وتدمير أي إمكان لخروج عرب المشرق من أحوالهم المتردية. ولا ننسى ما فعلته بنا في الماضي كتدمير مفاعل تموز (أوزيراك) في العراق في 7/6/1981، ونزع سلاح الدمار الشامل في ليبيا في 19/12/2006، بما في ذلك برنامج الأسلحة النووية، وتدمير مفاعل الكبر في دير الزور في 6/9/2007.

أما المراهنة الساذجة والغبية على تفكّك المشروع الصهيوني جرّاء الصراعات المحتدمة بين العلمانيين والحريديم مثلاً، أو جرّاء السقوط الأخلاقي لصورة إسرائيل في الأوساط الليبرالية الأوروبية والأميركية، من الأوهام البائسة لدى بعض العرب؛ فالمشروع الصهيوني لا يفكّك نفسه، ولا يتفكك بعوامله الداخلية. إن هذه "الأمنيات" مجرد أحلام يُطلق زفراتها أشخاص يائسون، وينتظرون المخلص الذي لن يأتي أبداً ما دام العرب على مثل هذا الهوان التاريخي، وما دامت إسرائيل قد صارت دولة إمبريالية ميدانها المشرق كله، بعدما كانت، إلى فترة قريبة، مخلباً للإمبريالية وليست شريكة لها.

III

لا نحتاج، للمرّة الألف، إلى أي برهان على أن الولايات المتحدة لا تهتم، على الإطلاق، بمصير غزّة، أو بمستقبل جنوب لبنان أو جنوب سورية. وكل ما يهمها أمن إسرائيل ودوام سؤددها، لأن إسرائيل ليست مجرّد دولة حليفة للولايات المتحدة، بل هي يدها ورجلها وسيفها ومطرقتها، وهي الثروة الاستراتيجية التي لا تُقدّر قيمتها الأمنية والعسكرية بأي ثمن. ومن باب الإشارة إلى ما يلزم أروي ما يلي: بعد استقالة ألكسندر هيغ من وزارة الخارجية الأميركية في أثناء العدوان الإسرائيلي على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان سنة 1982، خلفه جورج شولتز الذي كانت له صلة قوية بحسيب صبّاغ مؤسس شركة اتحاد المقاولين CCC، حين كان شولتز مسؤولاً في شركة باكتل الأميركية للمقاولات. ولم يضيّع حسيب صباغ الوقت بعدما أصبح شولتز وزيراً للخارجية، فصاغ مع باسل عقل مذكرة باسم ياسر عرفات لتعبر عن النيات السلمية لعرفات، وعن استعداده للبحث في إيجاد تسوية عادلة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وعُرضت المذكرة على عرفات الذي درسها ثم وقّعها. وحمل صبّاغ المذكرة إلى واشنطن وسلمها إلى مكتب جورج شولتز من دون أن يقابله جرّاء مشاغله الكثيرة في بداية عهده في وزارة الخارجية. وانتظر حسيب صبّاغ وباسل عقل وياسر عرفات أسبوعاً، ثم أسبوعين، ثم شهراً وشهرين من غير أن يتلقوا أي ردّ. وأخيراً تلقى حسيب صبّاغ إشارة هاتفية من سكرتير شولتز الذي نقل إليه الرسالة التالية حرفياً: "لا تهاتفني، لا تتصل بي، لا تكتب إليّ لأن ذلك يهدّد مركزي" (انظر: محمد يوسف نجم، حسيب صبّاغ: قضية في سيرة، بيروت: لا ناشر، 1997، ص 75-77).

حتى اتفاق أوسلو لم يتمكّن الشعب الفلسطيني من أن يفرضه على جدول أعمال السياسات الدولية في المشرق العربي

كان أنور السادات أول مَن روّج مقولة إن 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط بيد الولايات المتحدة الأميركية. وفي لبنان يعتقد كثيرون أن الاسترخاء في الأحضان الأميركية الدافئة سيجعل أميركا تضغط على إسرائيل فتنسحب من جنوب لبنان وتوقف عدوانها. وهؤلاء يعتقدون أن 100% من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة، ويتناسون أن أمين الجميّل كان قد وضع بيضه كله في السلة الأميركية قبلهم، ولم يحصل على أي شيء بما في ذلك تنفيذ اتفاق 17 أيار (1983) الكسيح. وثمة اتجاهات في السلطة الفلسطينية ترى أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على تخليص الدولة الفلسطينية من بين أنياب إسرائيل. ولذلك لا خيار إلا السير خلف العربة الأميركية، والاستمرار في التعلق بمؤخّرة العربة لعل السائق يفطن، في لحظة ما، إلى هؤلاء المتعلقين بعربته فيمنحهم بركته.

IV

السؤال الحائر الذي يحوم اليوم في رؤوس فلسطينيين كثيرين: هل ما زالت قضية فلسطين هي نفسها كما كانت عليه في 1948؟ أو في السنوات الأولى بعد اتفاق أوسلو؟ واتفاق أوسلو، أو إعلان المبادئ الفلسطيني - الإسرائيلي، لم يكن خياراً فلسطينيّاً قط، بل كان اضطراراً. ونتساءل أيضاً: هل الشعب الفلسطيني قادر، بقواه الذاتية أو بالقوة التي من الممكن أن يوفرها له حلفاؤه، على تحرير فلسطين؟ والحقيقة التي لا جدال فيها أن الشعب الفلسطيني لم يكن قادراً على تحرير بلاده لا عندما أطلق ثورته الوطنية المسلحة في 1/1/1965، ولا عندما اضطرّ إلى توقيع اتفاق أوسلو بعد انتفاضة مديدة اندلعت في عام 1987. وقد كان اتفاق أوسلو أقصى ما يمكن الحصول عليه في مطالع تسعينيات القرن المنصرم انطلاقاً من ميزان القوى آنذاك. وحتى اتفاق أوسلو لم يتمكّن الشعب الفلسطيني من أن يفرضه على جدول أعمال السياسات الدولية في المشرق العربي. واليوم صار اتفاق أوسلو غاية لا تُدرك.

المراهنة ساذجة وغبية على تفكك المشروع الصهيوني جرّاء الصراعات المحتدمة بين العلمانيين والحريديم مثلاً، أو جرّاء السقوط الأخلاقي لصورة إسرائيل

انتهى إعلان المبادئ الفلسطيني - الإسرائيلي منذ اغتيال يتسحاق رابين في 1995، ودُفن في "كامب ديفيد" الثانية سنة 2000، لكن فكرة "أوسلو"، على ما تثيره من مشكلات تاريخية وسياسية ومبدئية، لم تنتهِ. وهذه الفكرة إنما تهدف، في مضمونها وغايتها، إلى انفصال الفلسطينيين عن المستعمرين الإسرائيليين في دولة خالصة لهم في الضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس الشرقية. وهذا هو "خلاص" الفلسطينيين المرحلي الذي دونه أهوال تُعدّ ولا تُحصى. وهذا "الخلاص" يتشابه، إلى حد ما، مع "خلاص" اليهود الذي برعت الحركة الصهيونية في ترويجه في أوروبا بقولها إن اليهود لا يمكنهم "الخلاص" من الجحيم الأوروبي ما داموا يقيمون في أراضٍ غير يهودية، ولذلك يجب أن تكون لهم دولتهم الخاصة، ويجب عدم إنزالهم إلى مكانة الأقلية في أي أرض يحلّون فيها، لأنهم سيتعرّضون للاضطهاد مجدّدًاً (لنتذكر هنا فتوى ناصر الدين الألباني في 1974 التي دعا فيها الفلسطينيين إلى مغادرة فلسطين وتركها لليهود). والفلسطينيون، في الأمس واليوم، لا يريدون غير دولة مستقلة يكونون فيها هم الأغلبية.

لا ترغب إسرائيل في إقامة أي تفاهم مع عرب المشرق، بل تريد أن تكون وصية على دول المنطقة العربية المحيطة بها، ويدها الأعلى، ولا أحد يعلو عليها. والصهيونيون الذين يريدون المضي في حروبهم التي لا تنتهي لحماية هذه الرؤية، إنما يرغبون في جرّ العالم وراءهم، وهو أمر من المحال أن يستمر إلى أجل غير معلوم. لقد بات الصهاينة من طراز نتنياهو وأيزنكوت، ومعهما طابور اليمين الشعبوي والغوغائي الذي يتسيّد دول العالم، كالذئاب الجائعة التي تتبع روائح الدماء. وهذه الروائح إنما هي جذورهم الخرافية، مثل مملكة داود، ومملكة سليمان، وقصة الخروج من مصر والتيه في سيناء.

الخروف الساذج لا يعرف لماذا يريد الذئب أن يأكله، لكن الذئب يعرف لماذا يأكل الخروف؟ لأنه من دون اللحم سيموت جوعاً باعتباره حيواناً لاحماً. وإسرائيل من دون حروبها الدائمة ستموت في دروعها كالإمبراطورية الأشورية القديمة، لكن، مَن يعرف متى ستبدأ تلك الدروع بالتآكل والصدأ؟

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.