ميثاق مكة: اتفاق متعدّد الأبعاد
يحمل ميثاق مكة، الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026، دلالات لم تتضح أبعادها كاملة بعد، ولا سيّما أنّ تطبيقه قد يصطدم بتناقضات فعلية. ويهدف الاتفاق، وفق ما جرى الإعلان عنه، إلى تعزيز الأمن الجماعي للدول الثلاث من خلال إرساء ترتيبات للدفاع المشترك لم تُكشف جميع بنودها. ومع أنّ الأطراف الموقّعة أعلنت أنّ أي هجوم على إحداها سيُعدّ اعتداءً على الدول الثلاث، فإنّ البروتوكولات العملياتيّة وقواعد التدخل لا تزال مجهولة، وإذا كان الاتفاق يُقدّم باعتباره دفاعياً بالأساس، ولا يستهدف بالتالي أيّ طرف، فمن المشروع التساؤل عن دوافع هذا التقارب.
وقد ركّز كثير من المعلّقين على الطابع المذهبي للاتفاق، باعتبار أنّ الدول الثلاث قوى سنّية، واستنتجوا على نحو متسرّع أنّ اتقاء خطر إيران الشيعية هو الدافع الأساسي وراء إبرامه. غير أنّ هذا التحليل ينطلق من منظور خاطئ تماماً. فالقاسم المشترك الذي يفسّر تقارب الدول الثلاث هو، بالأحرى، انعدام ثقتها بالسياسة الإسرائيلية. إذ ترى كل منها، لأسباب مختلفة، أن إسرائيل باتت العامل الرئيسي في زعزعة الاستقرار الإقليمي. ولا شك أن تصريحات بنيامين نتنياهو المتكرّرة، التي يتباهى فيها بخوض حرب على سبع جبهات، أو يصف فيها إسرائيل بأنها "إسبرطة جديدة"، تثير قلق دول المنطقة ومخاوفها. ومن هنا؛ فإنّ دوافع توقيع هذا الاتفاق الثلاثي ينبغي البحث عنها في السياسة الإسرائيلية العدوانية وما تتسم به من غطرسة.
لم تعد دول الجنوب تقبل الانصياع لأوامر الدول الغربية أو الاستجابة لرغباتها، ولا سيّما الولايات المتحدة
ومن هنا يبرز تناقض أول. فالدول الثلاث جميعها حليفة للولايات المتحدة، التي لا تزال تقدّم دعماً شبه غير مشروط لإسرائيل، رغم ما يطرأ على علاقتهما من خلافات عابرة. ومن هذا المنظور، يبدو ميثاق مكة متعارضاً مع مصالح واشنطن، غير أنّ أهمية الاتفاق تتجاوز الظروف الآنية التي أفضت إليه، إذ يعكس في الواقع تحوّلات جيوسياسية أوسع تشهدها المنطقة والعالم.
تراجع الهيمنة الغربية
لم تعد دول الجنوب تقبل الانصياع لأوامر الدول الغربية أو الاستجابة لرغباتها، ولا سيّما الولايات المتحدة، أقواها نفوذاً. صحيح أنّ هذه الدول لا تزال تتمتع بقوة فعلية، لكنّها لم تعد تحتكر القوة، وهو تحوّل بات من المعطيات الأساسية في العلاقات الدولية. ومع ذلك، من المهم إدراك المعنى الحقيقي لهذا التحوّل. فدول الجنوب ليست كتلة متجانسة، ولا يبدو أنها تسعى إلى إقامة نظام بديل عن النظام المهيمن، بقدر ما تطمح إلى انتزاع أفضل موقع ممكن لها داخله، ثم إنّ اكتساب مزيد من الاستقلالية لا يعني بالضرورة القطيعة.
فتركيا، على سبيل المثال، قد تتخذ مبادرات تتعارض مع مصالح شركائها وحلفائها. ومن ذلك قرارها شراء منظومات الدفاع الجوي الروسية إس 400، لكن هذه الخطوة بقيت دون أثر عملي يُذكر، إذ لم تُفعّل تلك المنظومات قط، رغم نشرها على الأراضي التركية في يوليو/تموز 2019. ومع ذلك، تظل تركيا إحدى الركائز الأساسية لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد استضافت قمته الأخيرة في يوليو 2026، إذ حظي الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستقبال رسمي حافل. وتتمتع تركيا كذلك بصفة شريك في الحوار لدى منظمة شنغهاي للتعاون، فضلاً عن علاقاتها الوثيقة بمجموعة "بريكس+"، من دون أن تكون عضواً فيها حتّى الآن.
منذ سنوات عدة، ولا سيّما منذ 28 فبراير/شباط 2026، أخذت السعودية، وهي أيضاً من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، تدرك حدود الضمانات الأمنية التي تزعم واشنطن توفيرها لها. فالمملكة، شأنها شأن معظم الأنظمة الملكية الأخرى في شبه الجزيرة العربية، باتت ترى أنّ علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة لم تعد توفّر لها الحماية، بل أصبحت، على العكس تعرّضها للمخاطر. ويمثّل هذا التحول انقلاباً جيوسياسياً عميقاً لم تتضح جميع تداعياته بعد.
يبدو حلف شمال الأطلسي (ناتو) وكأنه من مخلفات التاريخ التي تجاوزها الزمن
ولا يقتصر هذا التباعد على المجال العسكري. فما زلنا نذكر رفض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الاستجابة لطلب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في يوليو 2022، حين جاء الأخير يلتمس من المملكة زيادة إنتاجها النفطي للتخفيف من التداعيات الأولى للحرب في أوكرانيا على أسعار النفط. لكن الأسوأ بالنسبة إلى واشنطن كان لا يزال قادماً، إذ توصلت السعودية وروسيا، في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، إلى اتفاق في إطار تحالف "أوبك+" لخفض إنتاجهما من النفط.
أما باكستان، فتربطها بالولايات المتحدة منذ سنوات طويلة علاقة ملتبسة، تتعاقب فيها فترات التعاون والتوتر. وتشكل الخلافات المتكرّرة مع الهند حجر عثرة في العلاقات مع واشنطن ومصدر قلق لها، لكن علاقة إسلام أباد ببكين تبقى على الأرجح مصدر التوتر الرئيسي بين الطرفَين. ومع ذلك، تمرّ العلاقات الباكستانية الأميركية حالياً بفترة من الهدوء النسبي.
وعليه؛ ليس المقصود أن قطيعة وشيكة تلوح في الأفق بين هذه الدول الثلاث والولايات المتحدة، بل فهم الكيفية التي تتجسد بها على أرض الواقع سياسات "تعدد الاصطفافات"، وفق النموذج الهندي، أو "عدم الانحياز الفاعل"، وفق النموذج المعتمد في أميركا اللاتينية. وهي سياسات بدأت تتبلور وتتيح للدول المعنية الحدّ من ارتهانها لقوى تدّعي الوصاية عليها.
تكامل فعلي بين الدول الثلاث
ومن المفيد الوقوف على إمكانات التآزر العسكري بين الدول الثلاث الموقّعة على ميثاق مكة، إذ تمتلك كل منها مزايا من شأنها تعزيز قدرات الدولتَين الأخريَين. فرغم الصعوبات الظرفية التي تواجهها السعودية، فإنها تتمتع بإمكانات اقتصادية ومالية تتيح لها تمويل صفقات التسلح والمناورات العسكرية وبرامج التصنيع الحربي. أما تركيا، فتتميّز بخبرات مشهود لها في صناعة الطائرات المسيّرة والسفن الحربية والذخائر الموجّهة، فضلاً عن خبرتها في نشر القوات وتنفيذ العمليات العسكرية. وتملك باكستان، من جهتها، صناعة دفاعية آخذة في التطور، ولا سيّما في مجال تكنولوجيا الصواريخ الباليستية، إلى جانب قدرتها على نشر القوات وامتلاكها السلاح النووي.
وعلى الصعيدَين السياسي والعسكري، تجمع الدول الثلاث علاقات ثنائية وثيقة. فالتعاون بين تركيا وباكستان في المجالَين البحري والجوي قائم منذ عقود، ولم تَشبْه خلافات تُذكر. أما العلاقات التركية السعودية، فقد تجاوزت مرحلة التوترات الحادة التي أعقبت الاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة عامَي 2011 و2012، وتحسّنت بصورة لافتة، خصوصاً منذ ربيع عام 2022، حين تبادل رجب طيب أردوغان ومحمد بن سلمان الزيارات. وقد تُوّج هذا التقارب، من بين أمور أخرى، بشراء الرياض طائرات مسيّرة تركية في العام التالي.
وتجمع السعودية وباكستان علاقات عسكرية وثيقة تعود بدورها إلى ستينيّات القرن الماضي. وتنشر إسلام أباد ما بين 1500 وألفي جندي على الأراضي السعودية لأغراض التدريب والمساهمة في حفظ الأمن. وقد شكّل توقيع اتفاق للدفاع المشترك بين البلدَين في 17 سبتمبر/أيلول 2025 مؤشراً مهماً على تطور هذه العلاقات، وحمل رسالة مفادها أن السعودية قد تستفيد من المظلة النووية الباكستانية.
دول الجنوب ليست كتلة متجانسة، ولا يبدو أنها تسعى إلى إقامة نظام بديل عن النظام المهيمن، بقدر ما تطمح إلى انتزاع أفضل موقع ممكن لها داخله
ميثاق لم تثبت فعاليته بعد
ينبغي النظر إلى هذه المعطيات بوصفها رسائل سياسية تعبّر عن التضامن والتعاون، وتهدف أساساً إلى الردع، أكثر من كونها التزامات بالتدخل العسكري. بل يمكن القول إنّ زمن التحالفات القائمة على حقوق وواجبات محدّدة بدقة قد ولّى. ومن هذا المنظور، يبدو حلف شمال الأطلسي (ناتو) وكأنه من مخلفات التاريخ التي تجاوزها الزمن.
وتكشف طبيعة المواجهة القائمة حالياً بين الحوثيين والسعودية عن حدود ميثاق مكة. صحيح أن الاتفاق لا يزال حديث العهد، وأن ترجمة بنوده إلى ترتيبات عسكرية قابلة للتنفيذ تحتاج إلى بعض الوقت. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كانت تركيا وباكستان مستعدتَين للدفاع عن المصالح السعودية من خلال التدخل العسكري المباشر والمشاركة في العمليات القتالية.
ويبدو هذا الاحتمال مستبعداً في ضوء الاجتماع الذي عقدته الدول الثلاث في مكة يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إذ تدرك جميعها مدى هشاشة الوضع الإقليمي ومخاطر التورّط في نزاع طويل يصعب الخروج منه. وفي هذه المرحلة، تميل كل من باكستان وتركيا إلى إعطاء الأولوية للتحركات والقنوات الدبلوماسية، مع نشر قوات يُقدَّم دورها على أنه دفاعي بحت.
وثمة سؤال آخر يلوح في الأفق يتعلق بإمكانية انضمام دول أخرى إلى ميثاق مكة، وقد تردّد في هذا السياق اسما قطر ومصر. لكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً في المدى القريب. فالدوحة تفضّل مواصلة انتهاج سياستها الخارجية المستقلة ذات الطابع الخاص، التي أكسبتها حتى الآن مكانة على الساحة الدولية. أما مصر، فتعتمد كثيراً على المساعدات المالية والعسكرية الأميركية، إلى درجة تجعل من الصعب عليها الإقدام على أي خطوة، ولو محدودة، نحو مزيد من الاستقلالية.
وهكذا، فرغم الأهمية السياسية والجيوسياسية التي لا شكّ فيها لميثاق مكة، فإن فعاليته على أرض الواقع لم تثبت بعد.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗