نيكولا ساركوزي يوظف "يوميات سجين" لتبييض سمعته السياسية
في الحادي والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، دخل نيكولا ساركوزي سجن "لا سانتيه" في باريس، بعدما أمضى خمس سنوات رئيساً للجمهورية الفرنسية بين عامي 2007 و2012. كان الرجل الذي اعتاد استقبال رؤساء الدول في قصر الإليزيه يستعد لقضاء أيامه في زنزانة ضيقة. وبعد عشرين يوماً، غادر السجن، ليكتب عن تجربته في كتابه "يوميات سجين" (ترجمة: أدونيس سالم، دار نوفل/هاشيت أنطوان، بيروت، 2026).
المفارقة أن رئيساً حكم فرنسا خمس سنوات، أمضى ثلاثة أسابيع في السجن، فكتب عن الأسابيع الثلاثة كتاباً (صدر بالفرنسية عام 2025) يطلب فيه من القارئ إعادة النظر في سنوات سلطته ومحاكمته. ومنذ الصفحات الأولى، يتضح أن السجن هو مسرح الحكاية كلها، بينما تظل السياسة موضوعها الأعمق، فساركوزي يدخل زنزانته حاملاً تاريخاً طويلاً من المعارك والخصومات، ويخرج منها مصمّماً على خوض معركة جديدة، وهذه المرّة مع القضاء والرأي العام، ويتعهّد بأن يخوضها "حتى الرمق الأخير".
تعمق أكثر
كان الحُكم الصادر بحقّه في سبتمبر/أيلول 2025 قد قضى بسجنه خمس سنوات، بعد إدانته بتهمة المشاركة في جمعية أشرار في القضية المتعلقة بالتمويل الليبي المفترض لحملته الرئاسية عام 2007. وبرّأته المحكمة الابتدائية من تُهم أخرى، بينها الفساد والتمويل غير القانوني للحملة، بعدما رأت أن وصول الأموال الليبية إلى الحملة لم يثبت، لكنها اعتبرت أن الأدلة تكفي لإثبات وجود اتفاق إجرامي هدفه الإعداد لعملية فساد. وقد استأنف ساركوزي الحكم، وأُفرج عنه في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل أن تعاد محاكمته استئنافياً خلال ربيع 2026.
الرئيس الذي اكتشف السجن
كانت العلاقة بين ساركوزي والسجون قائمة قبل هذه التجربة بسنوات طويلة. فقد كان، حين تولّى وزارة الداخلية، أحد أبرز وجوه التشدّد الأمني في فرنسا. وارتبط اسمه باضطرابات الضواحي عام 2005، وهو نفسه يؤرّخ خصومته مع القضاء بتلك المرحلة. ففي ذلك العام طالب بمحاسبة القاضي الذي أفرج إفراجاً مشروطاً عن رجل عاد فارتكب جريمة قتل، فردّ عليه أحد القضاة: "إذا كان وزير الداخلية يريد الحرب فسينالها". ويكتب ساركوزي بعد عشرين عاماً في يومياته: "نعم، لقد نلتُ الحرب، وما زلت أدفع ثمنها حتى اليوم".
تجربة اكتشاف السجن لا تتطور عنده إلى مساءلة النظام العقابي
في كتاب "يوميات سجين" نلتقي ساركوزي آخر، شديد الحساسية تجاه القيود المفروضة على حريته، يتأمل الجدران والأبواب المغلقة، ويصف الضجيج المتواصل، والعزلة، واضطراب النوم، وافتقاده أسرته، وتثير فيه الزنزانة أسئلة عن الكرامة الإنسانية. ومع ذلك، يصعب القول إن تجربته أحدثت انقلاباً في رؤيته إلى العقاب. فهو يتعاطف مع بعض السجناء، ويثني على العاملين في المؤسسة العقابية. ويلاحظ أن نسبة الإشغال في سجن (La Santé)، الذي حُبس فيه، بلغت 191%، وأن العنف هو الواقع اليومي لمكان يُنتظر منه أن يعيد المجرمين إلى المجتمع.
لكنه يكتفي بأن يعد بمقاربة هذه المسائل، بعد خروجه "مقاربة أعمق وأشمل مما كنت أفعل في الماضي"، من دون أن يقدم مراجعة واضحة للسياسات الأمنية التي تبناها حين كان في الحكم. وتبدو تجربته أقرب إلى اكتشاف شخصي لقسوة السجن، أكثر منها مساءلة للنظام العقابي الفرنسي. مع العلم أن ساركوزي لم يعش تجربة غيره من السجناء. فقد وُضع في ظروف احتجاز خاصة لأسباب أمنية، وحظي باهتمام استثنائي من إدارة السجن، واستمرت اتصالاته بمحاميه وأسرته وشخصيات سياسية بارزة.
تعمق أكثر
ويصل الكتاب إلى القارئ العربي في لحظة تمنحه قراءة ثانية، فمنذ سبتمبر/أيلول الماضي تشهد فرنسا موجة احتجاجات بدأت في ثانوية بمدينة كريتاي، ثم امتدت إلى ثانويات سين سان دوني وفال دو مارن، أي إلى الضواحي نفسها التي اشتعلت عام 2005. واتهمت فيها الحكومة حزب "فرنسا الأبية" بإشعال الاحتجاجات الأخيرة. هذا الإطار حاضر في الكتاب قبل أن يحضر في الشارع. فساركوزي يصوّر نائبَي "فرنسا الأبية" اللذين زاراه في السجن ورثةً للمقصلة، ولروبسبيير أحد أبرز قادة الثورة الفرنسية، ورمز عهد الإرهاب الثوري. ويُطالب ساركوزي برفع "الطوق الصحي المصطنع" عن التجمع الوطني المتطرف. وهكذا رسم السجين السابق، قبل عام، الخريطة التي تُقرأ بها احتجاجات اليوم في فرنسا.
صناعة المظلومية ومحاكمة القضاء
غير أن أكثر ما يلفت في الكتاب هو الجهد الذي يبذله صاحبه لصناعة رواية متكاملة عن مظلوميته. فالظلم القضائي حاضر في معظم الصفحات، وساركوزي يستعيد تفاصيل المحاكمة، ويهاجم خصومه، ويشكك في دوافع القضاة، ويقدم نفسه ضحية لاتهامات استهدفت سمعته ومكانته. وتبلغ هذه الرواية ذروتها حين يستحضر قضية الضابط الفرنسي ألفريد دريفوس، الذي أُدين ظلماً بالخيانة في نهاية القرن التاسع عشر، والمقارنة هنا ذات دلالة بالغة، لكن استدعاء دريفوس يطرح مشكلة جوهرية. فقد أصبحت براءة الضابط الفرنسي حقيقة تاريخية وقضائية، بينما ظلت قضية ساركوزي، وقت كتابة هذه السطور، منظورة أمام القضاء الاستئنافي. غير أن تشبيه تجربته بقضية دريفوس يمنح روايته الشخصية حكماً تاريخياً سابقاً لأوانه.
يُشبّه ما جرى معه بقضية دريفوس ليمنح نفسه حُكماً استباقياً
وتزداد أهمية هذه المسألة عند العودة إلى قضية الأموال الليبية. فقد دارت الاتهامات حول اتصالات بين مقربين من ساركوزي ومسؤولين في نظام معمر القذافي، واحتمال وجود اتفاق لتقديم دعم مالي لحملته الانتخابية مقابل خدمات سياسية لاحقة. يرفض ساركوزي هذه الرواية رفضاً قاطعاً، ويطعن في صدقية بعض الشهادات والوثائق، ويؤكد أنه تعرض لحملة استهداف طويلة. ويبرّر في المقابل علاقته بنظام القذافي بضرورات ضبط الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب وتأمين الفرص التجارية للشركات الفرنسية، ثم ينسب إلى نفسه "الفضل في إطاحة الديكتاتور الليبي".
تعمق أكثر
رسائل إلى ماكرون ومارين لوبان
يحمل الكتاب رسائل سياسية تكشف الكثير عن التحولات التي يشهدها اليمين الفرنسي، وتقدم صورة عن موقع الرئيس الأسبق في الصراع على مستقبله. تبدو علاقته بالرئيس إيمانويل ماكرون مثالاً على التداخل بين الصداقة السياسية والخصومة الشخصية. حيث يروي ساركوزي لقاء جمعهما في قصر الإليزيه قبل دخوله السجن، ويعبر عن خيبة أمله من تدهور العلاقة بينهما، خصوصاً بعد قرار ماكرون حل الجمعية الوطنية في يونيو/حزيران 2024، وما أعقبه من اضطرابات سياسية.
أما الرسالة الأشد إثارة فتتعلق بمارين لوبان وحزبها "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، إذ يكشف ساركوزي أنه اتصل بلوبان لشكرها على موقفها المؤيد له بعد الحكم القضائي، ويروي أنها سألته عن موقفه من تشكيل جبهة جمهورية لمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة. وجاء جوابه بالرفض، مؤكداً أنه لن يشارك في جبهة كهذه، وأنه مستعد لإعلان موقفه علناً عندما يحين الوقت. وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي يحملها الكتاب. فساركوزي، الذي كان يوماً زعيماً لليمين الجمهوري، يبدو أكثر استعداداً للاعتراف بالتجمع الوطني طرفاً مشروعاً في معادلة السلطة.
فنّ التفسير وفنّ الإصغاء
يقرّر ساركوزي في أحد فصول كتابه أن السياسة "فنّ التفسير"، ويراه أصعب من فنّ الإصغاء. وقد كتب مئة وثلاثين صفحة يفسّر فيها براءته، فيما يخرج في ضواحي باريس جيلٌ لا ينتظر من يفسّر له شيئاً، ويطلب قبل كلّ شيء أن يُسمَع. ومن اللافت أن الكتاب صدر عن دار فايار، التابعة للمجموعة الإعلامية التي يسيطر عليها الملياردير المحافظ فنسان بولوريه، أحد أبرز الداعمين إعلامياً لفكرة التقارب بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف. ولا يكفي هذا الارتباط وحده لتفسير مواقف ساركوزي، لكنه يضع الكتاب داخل بيئة سياسية وإعلامية تشهد إعادة رسم حدود التحالفات الفرنسية.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗