الحقوق البيئية في سياق الصراعات الهجينة... سورية نموذجاً
لم تعد البيئة في سورية مجرد ضحية جانبية للحرب، كما لم يعد تدهور الموارد الطبيعية قضية منفصلة عن الاقتصاد والصحة والغذاء والاستقرار الاجتماعي، فالأراضي التي تفقد خصوبتها، ومخلفات الحرب التي تبقى في الأرض، كلها أصبحت أجزاء من أزمة واحدة تتداخل فيها العوامل العسكرية والاقتصادية والمناخية والمؤسسية.
تعرّضت البنية التحتية للمياه والزراعة والصرف الصحي والطاقة في سورية لأضرار كبيرة خلال سنوات الصراع، فيما أدّت موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة واستنزاف المياه الجوفية إلى زيادة الضغط على الموارد الطبيعية. وبذلك أصبحت البيئة السورية أمام معادلة أكثر تعقيداً: موارد تتراجع، وحاجات تتزايد، وقدرة مؤسساتية محدودة على الإدارة، لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود التدهور البيئي، ففي سياقات الصراعات الهجينة، يمكن أن تتحول الموارد الطبيعية نفسها إلى أدوات نفوذ وضغط، ويمكن أن يصبح التحكم بالمياه والأرض والطاقة والغذاء جزءاً من معادلة الصراع. وهنا تبرز قضية الحقوق البيئية: هل يملك السوري اليوم حقاً فعلياً في المياه الآمنة؟ وفي أرض سليمة؟ وفي هواء نظيف؟ وفي معلومات بيئية شفافة؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية هذه الحقوق؟ والأهم: كيف يمكن بناء منظومة بيئية قادرة على الصمود في بلد خرج من سنوات طويلة من الصراع؟
أزمة تتجاوز التلوث
قد يبدو الحديث عن البيئة في بلد يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية وإنسانية واسعة نوعاً من الترف، لكن الواقع يقول العكس، فالبيئة ليست ملفاً منفصلاً عن حياة الناس. عندما تتراجع المياه، تتراجع الزراعة. وعندما تتراجع الزراعة، يتراجع دخل الريف. وعندما ينخفض الإنتاج الغذائي، ترتفع الحاجة إلى الاستيراد وتزداد الأسعار، وعندما يصبح العيش في الريف أكثر صعوبة، تزداد الهجرة نحو المدن، فتزداد الضغوط على الخدمات والبنية التحتية. هذه السلسلة تجعل البيئة جزءاً من الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وليست مجرد قضية تخص وزارة البيئة أو المنظمات المتخصصة، وقد أظهرت التجربة السورية خلال السنوات الماضية أن أزمة المياه، على سبيل المثال، أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والصحة العامة والزراعة والاستقرار الاجتماعي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الزراعة تستحوذ على الجزء الأكبر من استخدام المياه في سورية، ما يجعل أي تراجع في الموارد المائية ينعكس سريعاً على إنتاج الغذاء وسبل العيش.
من الحرب إلى الصراع على الموارد
في الصراعات التقليدية، يكون الهدف العسكري واضحاً ومباشراً، أما الصراعات الهجينة، فتتداخل فيها أدوات متعدّدة، وقد تصبح الموارد الطبيعية جزءاً من أدوات الضغط أو النفوذ. المياه مثال واضح على ذلك؛ فالتحكم بمصدر المياه لا يعني فقط التحكم بمياه الشرب، بل يمكن أن يعني التأثير في الزراعة والطاقة والصناعة وحركة السكان، والأمر نفسه ينطبق على الأراضي الزراعية ومصادر الطاقة والممرات الاقتصادية، لكن الخطر الأكبر يظهر عندما تتقاطع هذه الأدوات مع تغير المناخ وضعف المؤسسات. عندها لا يعود من السهل التمييز بين ما هو نتيجة طبيعية للجفاف، وما هو نتيجة لسوء الإدارة، وما هو نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للصراع، ولهذا فإن حماية الموارد الطبيعية في سورية يجب أن تتحول إلى جزء من مفهوم الأمن الوطني والإنساني.
لا يظهر تدهور الأراضي دائماً على شكل صحراء تمتد أمام العين. قد يبدأ بفقدان المادة العضوية في التربة، ثم انخفاض الإنتاجية، ثم زيادة الحاجة إلى الأسمدة والمياه، ثم ارتفاع تكاليف الإنتاج
المياه.. حق أصبح مهدّداً
لا تحتاج سورية إلى سيناريو تختفي فيه المياه بالكامل حتى تصبح أمام أزمة مائية خطيرة، يكفي أن تصبح المياه المتاحة أقل من الاحتياجات، أو أن يصبح الوصول إليها أكثر كلفة، أو أن تعتمد المجتمعات بصورة متزايدة على الآبار العميقة والصهاريج ونقل المياه، حتى تتحول الأزمة من مشكلة موسمية إلى مشكلة هيكلية، وقد شهدت سورية في السنوات الأخيرة تداخل الجفاف مع تراجع الموارد المائية وتدهور البنية التحتية واستنزاف المياه الجوفية، وتظهر المشكلة بوضوح عندما تتراجع الأمطار، فيزداد الاعتماد على الآبار، ثم تنخفض مناسيب المياه الجوفية، فيضطر المزارع إلى الحفر بصورة أعمق واستخدام طاقة أكبر لضخ المياه. وهكذا تتشكل حلقة يصعب كسرها: جفاف - مياه سطحية أقل - اعتماد أكبر على الآبار - استنزاف المياه الجوفية - ارتفاع كلفة الري - تراجع ربحية الزراعة - هجرة من الريف إلى المدينة. وهذه ليست أزمة مياه فقط، بل أزمة اقتصاد ريفي وأمن غذائي. وقد أشار تحليل حديث للوضع المائي السوري إلى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل بالضرورة في اختفاء المياه من البلاد، وإنما في نشوء مناطق تعاني عجزاً مائياً مزمناً إذا استمر الاستنزاف ولم تتغير أنماط الزراعة والري ـ الإفلاس المائي في سورية.
المياه الجوفية.. الثروة التي لا نراها
خطورة المياه الجوفية في أنها لا تظهر أمام العين؛ يمكن للمزارع أن يستمر في زراعة أرضه لأن البئر ما زالت تعمل، لكن ذلك لا يعني أن الخزان الجوفي بخير، وقد يستمر الضخ عاماً بعد آخر، فيما ينخفض المخزون بصورة تدريجية. المشكلة أن انخفاض المياه الجوفية لا يظهر دائماً في لحظته. قد تبدأ المشكلة بزيادة عمق البئر، ثم بزيادة كلفة الضخ، ثم بانخفاض غزارة المياه، ثم بتغير نوعيتها أو ارتفاع ملوحتها، وعندما يصل الخزان إلى مرحلة حرجة، لا يستطيع المزارع تعويضه خلال موسم واحد أو حتى عدة مواسم. لذلك فإن المياه الجوفية ليست مجرد مورد إنتاجي للمزارع الحالي، بل رأس مال طبيعي للأجيال المقبلة، والسؤال الذي يجب أن تطرحه السياسة الزراعية السورية لم يعد: كم بئراً يمكن حفرها؟ بل ما هي كمية المياه التي يمكن سحبها من الحوض من دون استنزافه؟
التصحّر خسارة اقتصادية
لا يظهر تدهور الأراضي دائماً على شكل صحراء تمتد أمام العين. قد يبدأ بفقدان المادة العضوية في التربة، ثم انخفاض الإنتاجية، ثم زيادة الحاجة إلى الأسمدة والمياه، ثم ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهنا تصبح التربة نفسها جزءاً من المعادلة الاقتصادية؛ فالأرض التي تفقد خصوبتها تحتاج إلى مدخلات أكبر لإنتاج الكمية نفسها. وإذا ارتفعت كلفة المدخلات والطاقة والمياه، يصبح المزارع أمام خيار صعب: الاستمرار في الإنتاج بخسارة، أو تقليص المساحة، أو تغيير المحصول، أو ترك الزراعة. وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن تدهور الأراضي والجفاف وإنتاجية الأرض أصبحت ملفات أساسية في تقييم مستقبل الموارد الطبيعية السورية، مع الحاجة إلى ممارسات أكثر استدامة لإدارة التربة والمياه والأراضي. لذلك لا يمكن أن تعني مكافحة التصحر زراعة الأشجار فقط. إنها تعني أيضاً حماية التربة والمياه والغطاء النباتي وإعادة بناء قدرة النظام الزراعي على الصمود.
الزراعة بين الحاجة إلى الإنتاج وحدود الطبيعة
تحتاج سورية زيادة إنتاجها الغذائي، لكن السؤال: بأي موارد؟ يمكن أن نرفع الإنتاج في موسم معيّن من خلال ضخ مزيد من المياه واستخدام مزيد من الأسمدة والطاقة، لكن هذا لا يعني أن النظام الزراعي أصبح أكثر قوة. قد تكون الأرض أكثر إنتاجاً اليوم، لكنها أكثر فقراً غداً، وهنا يجب الانتقال من مفهوم زيادة الإنتاج بأي ثمن إلى مفهوم زيادة الإنتاجية لكل وحدة من المياه والأرض والطاقة. فالزراعة المستدامة ليست الزراعة التي تنتج أكبر كمية ممكنة في موسم واحد، بل الزراعة القادرة على الإنتاج في الموسم المقبل أيضاً. وهذا يتطلب: أصنافاً أكثر تحملاً للجفاف - تقنيات ري أكثر كفاءة - حصاد مياه الأمطار - تحسين خصوبة التربة - تقليل فاقد المياه - تنويع المحاصيل - الإدارة المتكاملة للآفات - إعادة استخدام المياه المعالجة بصورة آمنة - دعم المزارعين للانتقال إلى تقنيات أكثر استدامة.
النفايات مشكلة تتضاعف بصمت
في المدن والمناطق المكتظة، تبدو النفايات مشكلة خدمية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة مشكلة بيئية وصحية واقتصادية، فالمكب غير المنظم لا يحتفظ بمشكلته داخل حدوده. يمكن أن تنتقل ملوثاته إلى التربة والمياه الجوفية، ويمكن أن يؤدي حرق النفايات إلى انبعاث ملوثات في الهواء، وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما تختلط النفايات المنزلية بالطبية والصناعية. ولهذا فإن إعادة بناء منظومة النفايات في سورية يجب ألا تبدأ فقط من جمع النفايات، وإنما من الفرز والمعالجة وإعادة الاستخدام والتدوير والتخلص الآمن، وهنا يمكن للبيئة أن تتحول من عبء مالي على البلديات إلى قطاع اقتصادي يوفر فرص عمل ويستعيد جزءاً من قيمة المواد المهدرة.
ربما يكون الخطأ الأكبر التعامل مع البيئة من خلال مشاريع منفصلة، مشروع مياه هنا، ومشروع تشجير هناك، ومشروع نفايات في منطقة ثالثة
مخلّفات الحرب.. الخطر الذي يبقى
قد تنتهي المعركة، لكن آثارها البيئية يمكن أن تستمر عقوداً: الأنقاض، الألغام، الذخائر غير المنفجرة، المواد الكيميائية، المنشآت الصناعية المتضررة، والتلوث النفطي، كلها قد تجعل بعض المناطق غير آمنة للسكان أو للزراعة. ولهذا فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تبدأ بالجرافة وحدها. قبل إعادة استخدام الأرض، يجب معرفة ما يوجد فيها. وقبل إنشاء مشروع زراعي أو صناعي، يجب تقييم مخاطر التلوث، وقبل إعادة إسكان السكان، يجب التأكد من سلامة المياه والتربة، فالترتيب الصحيح يجب أن يكون: مسح المخاطر - إزالة الخطر - تقييم التلوث - المعالجة - إعادة الاستخدام. وهذا هو أحد أهم الدروس التي يجب أن تدخل في سياسة إعادة الإعمار السورية.
هل البيئة حقّ أم خدمة؟
هنا نصل إلى جوهر القضية، إذا كانت المياه النظيفة خدمة، يمكن أن يتغير مستوى الخدمة بحسب الظروف. أما إذا كانت المياه الآمنة حقاً، فإن الدولة والمجتمع والمؤسسات الدولية تصبح أمام مسؤوليات مختلفة، والأمر نفسه ينطبق على الهواء والتربة والغذاء والمعلومات البيئية، فالحق في البيئة السليمة يعني أن المواطن ليس مجرد مستفيد من مشروع بيئي، بل صاحب حقٍّ في معرفة مستوى التلوث في المنطقة التي يعيش فيها، ومعرفة جودة المياه التي يشربها، والمشاركة في القرارات التي تؤثر في موارده الطبيعية، وهذا يتطلب شفافية أكبر في البيانات البيئية؛ أين تبدأ الأولوية؟ لا يمكن معالجة كل المشكلات في الوقت نفسه، ولهذا تحتاج سورية إلى خريطة وطنية للأولوية البيئية تحدد المناطق الأكثر حاجة وفق مجموعة من المؤشرات، أهمها: شح المياه، تلوث مصادر الشرب، تدهور الأراضي، كثافة السكان، الفقر، النزوح، تضرر البنية التحتية، ومخلفات الحرب. وقد تختلف الأولوية من منطقة إلى أخرى. فالحسكة، مثلاً، تواجه مزيجاً من الجفاف واستنزاف المياه الجوفية وصعوبات تأمين مياه الشرب، بينما تواجه مناطق في حوض الفرات تحديات مرتبطة بالمياه والزراعة والطاقة، ويواجه الجنوب ضغوطاً مائية وزراعية واقتصادية متشابكة. أما المناطق الساحلية، فعلى الرغم من وفرة الأمطار نسبياً، فهي ليست بمنأى عن تغير المناخ وتذبذب الهطولات والفيضانات وتغير نمط التغذية المائية. إذن، لا توجد وصفة بيئية واحدة لكل سورية. ما الذي يمكن فعله الآن؟
الحلول العاجلة لا تحتاج دائماً مشاريع ضخمة
في ملف المياه، يمكن البدء بإصلاح الشبكات وتقليل الفاقد ومراقبة جودة المياه وتنظيم الآبار وحماية مصادر الشرب، وفي الزراعة، يمكن دعم المزارعين في استخدام الري الحديث واختيار المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، بالتوازي مع إعادة تأهيل شبكات الري. وفي ملف النفايات، يمكن البدء بالفرز التدريجي وإنشاء مكبات صحية ومعالجة النفايات الطبية ومنع الحرق العشوائي، أما في المناطق المتضررة من الحرب، فيجب إعطاء الأولوية للمسح البيئي ومخلفات الحرب والتلوث قبل إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، لكن المشكلة أن الإجراءات العاجلة، مهما كانت مهمة، لن تكفي وحدها.
المطلوب ليس مشروعاً.. بل سياسة
ربما يكون الخطأ الأكبر التعامل مع البيئة من خلال مشاريع منفصلة، مشروع مياه هنا، ومشروع تشجير هناك، ومشروع نفايات في منطقة ثالثة. هذه المشاريع قد تنجح منفردة، لكنها لن تغير المسار العام إذا لم تكن جزءاً من سياسة وطنية متكاملة.
سورية تحتاج إلى سياسة بيئية طويلة الأمد تربط المياه بالزراعة، والزراعة بالطاقة، والطاقة بالاقتصاد، والاقتصاد بحماية الموارد الطبيعية، وتحتاج هذه السياسة إلى قاعدة بيانات وطنية دقيقة للمياه والتربة والزراعة والغابات والتلوث والتنوع الحيوي. كما تحتاج إلى نظام معلومات جغرافي بيئي يستطيع أن يجيب عن أسئلة أساسية: أين تتراجع المياه الجوفية؟ أين تتدهور التربة؟ أين ترتفع مخاطر التصحر؟ أين توجد مصادر التلوث؟ أين توجد المناطق الأكثر هشاشة؟ وأين يجب أن يذهب التمويل أولاً؟
من الإنقاذ إلى التعافي
يمكن بناء الاستجابة البيئية السورية على ثلاث مراحل: الإنقاذ البيئي، وتركز على مياه الشرب والصرف الصحي والتلوث الخطير ومخلفات الحرب والأمن الغذائي. التعافي البيئي، وتشمل إعادة تأهيل شبكات المياه والري، واستعادة الأراضي المتدهورة، وبناء منظومات إدارة النفايات، ودعم الزراعة المستدامة. التحول البيئي، حيث تصبح الطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري والزراعة الذكية مناخياً وإعادة استخدام المياه واستعادة النظم البيئية جزءاً من نموذج التنمية الجديد.
والمطلوب في النهاية ليس العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، بل بناء نظام أكثر قدرة على مواجهة أزمات المستقبل.
قد تبدو الطاقة الشمسية حلاً مثالياً لمشكلة ضخ المياه، خصوصاً في المناطق الزراعية. لكن هناك مفارقة يجب الانتباه إليها، إذا أصبحت الكهرباء مجانية تقريباً بالنسبة إلى المزارع، فقد يصبح ضخ المياه أكثر سهولة، لكن هذا لا يعني أن المياه نفسها أصبحت أكثر وفرة. يمكن للطاقة الشمسية أن تخفض كلفة الضخ، لكنها لا تزيد بالضرورة مخزون الخزان الجوفي. ولهذا فإن استخدام الطاقة المتجددة في الري يجب أن يترافق مع تنظيم استخراج المياه. طاقة نظيفة لضخ مياه مستنزفة ليست سياسة بيئية مستدامة. والحل هو الجمع بين الطاقة المتجددة وكفاءة الري ومراقبة الآبار وقياس مناسيب المياه الجوفية.
الحق في البيئة ليس حقاً بعيداً عن حقوق الإنسان، بل هو جزء من الحق في الحياة والصحة والغذاء والماء والعمل والاستقرار
نحو عقد بيئي سوري جديد
تحتاج سورية إلى ما يمكن تسميته "العقد البيئي السوري الجديد"، وهو ليس وثيقة قانونية بالضرورة، بل رؤية وطنية تضع الموارد الطبيعية في قلب عملية إعادة البناء. العقد الجديد يجب أن يقوم على أسئلة مختلفة: ليس كم هكتاراً سنزرع؟ بل كم هكتاراً تستطيع موارد المياه تحمّل زراعته؟ وليس كم بئراً يمكن حفرها؟ بل كم متراً مكعباً يمكن سحبها من الحوض دون استنزافه؟ وليس كم شجرة يمكن زراعتها؟ بل كيف يمكن استعادة النظام البيئي الذي يحمي التربة والمياه والتنوع الحيوي؟
وليس كم مشروعاً بيئياً يمكن تنفيذه؟ بل كم تغيراً دائماً يمكن تحقيقه في حياة الناس والموارد؟
الخطر الحقيقي ليس في المستقبل فقط
قد يبدو الحديث عن البيئة السورية وكأنه حديث عن مشكلة ستظهر بعد سنوات. لكن بعض مظاهرها موجودة بالفعل؛ المزارع الذي يضخ من بئر أعمق كل عام يعيش المشكلة الآن، والأسرة التي تحصل على المياه لساعات محدودة تعيش المشكلة الآن، والأرض التي فقدت إنتاجيتها تعيش المشكلة الآن، والمنطقة التي أصبحت غير آمنة بسبب مخلفات الحرب تعيش المشكلة الآن.
لذلك فإن تأجيل الملف البيئي يعني في الواقع زيادة كلفة معالجته لاحقاً. كل متر مكعب من المياه يتم استنزافه اليوم، وكل طن من التربة يفقد خصوبته، وكل مصدر مياه يتلوث، وكل غابة تتراجع، كل ذلك سيحتاج إلى كلفة أكبر لاستعادته في المستقبل.
هذه ربما تكون أهم الأسئلة: عندما تتلوث المياه، من يدفع؟ عندما تتدهور التربة، من يدفع؟ عندما تنخفض الإنتاجية الزراعية من يدفع؟ وعندما تصبح مدينة أو قرية أكثر عرضة للفيضانات أو الجفاف من يتحمل الكلفة؟
غالباً ما يكون المواطن والمزارع والمجتمع المحلي هم الذين يدفعون الجزء الأكبر من الفاتورة، ولهذا فإن العدالة البيئية ليست شعاراً نظرياً. إنها تعني ألا تتحمل المجتمعات الأضعف وحدها كلفة تدهور الموارد، وألا يتم توزيع المياه والأرض والاستثمارات بطريقة تزيد الفوارق بين المناطق والسكان.
البيئة والسلام.. علاقة لم تعد قابلة للتجاهل
قد تبدو قضايا البيئة بعيدة عن مفاوضات السلام، لكنها في الواقع يمكن أن تكون جزءاً من بناء السلام. إدارة المياه المشتركة، واستعادة الأراضي، وإعادة تأهيل شبكات الري، وحماية الغابات، وإدارة المراعي، كلها مجالات يمكن أن تجمع المجتمعات المحلية حول مصلحة مشتركة. وفي المقابل، فإن غياب قواعد واضحة لإدارة الموارد قد يعيد إنتاج التوترات، ولهذا فإن حماية البيئة ليست فقط حماية للطبيعة، بل يمكن أن تكون أيضاً أداة لبناء الثقة والتعاون.
تحتاج سورية إلى رؤية واضحة يمكن اختصارها في سبعة مسارات: أولاً: بناء قاعدة بيانات بيئية وطنية. ثانياً: حماية المياه الجوفية وتنظيم استخدامها. ثالثاً: إعادة بناء الزراعة على أساس الميزانية المائية لكل منطقة. رابعاً: إعادة تأهيل شبكات المياه والري وتقليل الفاقد. خامساً: معالجة التلوث والنفايات ومخلفات الحرب. سادساً: استعادة الأراضي والغابات والنظم البيئية المتدهورة. سابعاً: إدماج البيئة والمناخ في كل مشاريع إعادة الإعمار. لكن تنفيذ هذه المسارات يحتاج مؤسسات قوية وتمويلاً طويل الأجل ومشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية والجامعات والخبراء.
قد يكون من السهل إعادة بناء جدار أو طريق أو منشأة، لكن إعادة بناء نظام بيئي أكثر تعقيداً. التربة تحتاج إلى سنوات، المياه الجوفية تحتاج إلى عقود، الغابات تحتاج إلى أجيال، والتنوع الحيوي قد لا يعود بسهولة إذا فقد موائله. ولهذا فإن إعادة الإعمار التي تتجاهل البيئة قد تبدو ناجحة في السنوات الأولى، لكنها يمكن أن تنتج أزمات جديدة بعد سنوات. أما إعادة البناء البيئي فتعني أن كل مشروع جديد يجب أن يجيب عن سؤال بسيط: هل سيجعل هذا المشروع سورية أكثر قدرة على الصمود، أم سيستهلك مواردها بصورة أكبر؟
الخلاصة.. المعركة المقبلة على طريقة إدارة الموارد
تقف سورية أمام فرصة صعبة لكنها مهمة. يمكن أن تستمر في التعامل مع البيئة باعتبارها ملفاً ثانوياً يأتي بعد الاقتصاد والسياسة وإعادة الإعمار، ويمكن أن تضع البيئة في قلب عملية إعادة البناء. الخيار الثاني ليس ترفاً، فالمياه تحدد مستقبل الزراعة، والزراعة تحدد جزءاً كبيراً من الأمن الغذائي، والأمن الغذائي يؤثر في الاقتصاد والهجرة والاستقرار، فيما تحدد صحة البيئة جزءاً من صحة المجتمع وقدرته على التعافي. لذلك فإن القضية الحقيقية ليست فقط: كم تملك سورية من المياه والأراضي والغابات؟ بل: كم تستطيع أن تستخدم منها اليوم من دون أن تسلب الأجيال المقبلة حقها فيها؟
وهنا تبدأ فكرة الحقوق البيئية؛ فالحق في البيئة ليس حقاً بعيداً عن حقوق الإنسان، بل هو جزء من الحق في الحياة والصحة والغذاء والماء والعمل والاستقرار. وقد لا تكون سورية أمام خطر بيئي واحد يمكن حله بمشروع واحد، بل أمام مجموعة أزمات متداخلة: مياه، تربة، زراعة، نفايات، تلوث، تغير مناخ، مخلفات حرب وتراجع في القدرة المؤسسية، ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يبدأ من سؤال: كيف نعالج الضرر؟ بل من سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني نظاماً يمنع إعادة إنتاج الضرر؟
إذا نجحت سورية في الانتقال من إدارة الأزمات البيئية إلى إدارة مواردها على أساس الاستدامة والعدالة والشفافية، يمكن للبيئة أن تتحول من ضحية للصراع إلى أحد مفاتيح التعافي. أما إذا استمر استنزاف الموارد، فقد تصبح كلفة الأزمة البيئية في المستقبل أكبر بكثير من كلفة مواجهتها اليوم.
إن المعركة البيئية السورية الحقيقية ليست فقط مع الجفاف أو التصحر أو التلوث، وإنما مع الطريقة التي ندير بها الماء والأرض والطاقة والموارد. وربما يكون السؤال الذي يجب أن يرافق إعادة بناء سورية خلال العقد المقبل هو: هل نعيد بناء ما دمرته الحرب فقط، أم نبني سورية قادرة على حماية مواردها وحقوق أجيالها القادمة؟
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗