28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/36517

سام.. أمومة خارج الصورة المثالية

اشتقت من قلبي للكتابة عن ابني سام، عن الأشياء التي أتعلمها منه، وعن الطريقة التي يعيد بها تشكيل عواملي ودواخلي، ويغير بها نظرتي إلى الحياة وإلى نفسي. اشتقت للكتابة عنه، وربما عني أيضاً، وأنا أحاول أن أكون أماً له، وأتعلم كل يوم كيف أراه كما هو، لا كما أتخيله.

حديثاً، خضع ابني سام لتقييم مهاراته النمائية يعرف باسم "جدول مراقبة تشخيص التوحد"، (Autism Diagnostic Observation Schedule)، واختصاراً ADOS. وصدقاً، حتى إني لا أعرف كيف أنطق اسمه أو أشرحه بدقة. لكن، بحسب ما فهمت من الشرح المعمق الذي قدمته لي طبيبة أعصاب الأطفال، ثم المعالجة المختصة التي أجرت التقييم، فإنه يتضمن أنشطة وملاحظات تساعد على تقييم التواصل والتفاعل الاجتماعي وقياس مهاراته وفقاً لعمره.

كانت طبيبته المشرفة قد فضلت تأجيل هذا التقييم إلى ما بعد بلوغه الخامسة من العمر لإتاحة المزيد من الوقت أمامه لاكتساب المهارات وتطويرها.

جاء اليوم الموعود. حممت سام، وعطرته، وألبسته ثياباً جديدة، وأخذت أعدد له أسماء الحيوانات، موضوعه المفضل، وأكرر له اسمه وعمره. كأني أراجع معه امتحاناً مدرسياً. ودعته أختاه بالدعوات، ولم أنس أمي، جدته، التي رافقتنا حتى منتصف الطريق، خوفاً من أن تتأثر نفسيته.

بدأ الاختبار معي، أجبت عن الأسئلة الخاصة بمراحل نمو سام وتطوره بشكل مثالي، على نحو أن ابني طفل جميل جداً بل رائع الجمال، مهذب، حنون، ذكي. ولطالما تخيلته في المستقبل يتسلم جائزة نوبل بالطب البيطري، وهو حقاً ما أراه في مخيلتي.

ثم بدأ اختبار سام، وانتهى التقييم، ثم عدنا إلى المنزل. وعلى مدى أيام، ظللت أتحدث عن تجاوبه، وأستعيد تفاصيل التقييم، وأضخم بعض الإشارات من المعالجة التي فسرتها بمثالية أيضاً، حتى إني شطحت كثيراً لأقول بكل ثقة: أعتقد أن ابني لا يعاني أساساً من اضطراب طيف التوحد، بل من اضطراب التواصل، ربما لأننا لا نفهمه جيداً.

شهر كامل من النظريات والتوقعات المبالغ فيها، مع أن عقلي كان يخبرني بشيء آخر. فعلى مدى ثلاث سنوات وأربعة أشهر، وأنا أرافق ابني سام في رحلة التشخيص والمتابعة، وكانت تقارير الجلسات تشير إلى إصابته باضطراب طيف التوحد. كنت أنا من بدأت البحث عن إجابات قبل أن يبلغ السنتين، وأنا التي خضت هذا المشوار مبكراً، وصارعت قلبي يوم سمعت عبارات الإشادة باكتشافي حالته في سن مبكر، ورددت جملتي التي لا أنساها: "احترق قلبي على بكير".

آه من قلب الأم.. كيف يستطيع أن يعرف الحقيقة، ثم يعود ويتفاوض معها، وكأنه ينتظر أن تتبدل

لكننا تجاوزنا تلك البداية، وتصالحنا مع التوحد، واعترفنا بوجوده، وأدخلناه في تفاصيل يومياتنا. تعايشنا معه وتعلمنا كيف نتعامل معه، كل ذلك كرمى عيون سام. ومع ذلك، آه من قلب الأم.. كيف يستطيع أن يعرف الحقيقة، ثم يعود ويتفاوض معها، وكأنه ينتظر أن تتبدل.

كنت أعرف أن تقييم الـ"ADOS" لا يجيب عن سؤال وجود التوحد من عدمه، بل عن درجاته وحاجة ابني للدعم. مع ذلك، كنت آمل أن تأتي النتيجة مختلفة عما عرفه عقلي منذ سنوات.

ربما لم أكن أنتظر نتيجة فحسب، بل كنت أنتظر أن يطمئن قلبي ويحدثني أن كل شي بخير وأن ما مررنا به على مدى سنوات قد انتهى وأن الطريق إلى جائزة نوبل أسهل مما أتخيل.

عندما جاء يوم النتيجة. ذهبت لاستلامها بنفسي، بعدما أخبرت نصف الكوكب بأن موعد إعلان نتيجة تقييم سام قد حان. بدأت المعالجة حديثها عن ذكائه وجماله، وكان حديثاً دافئاً ومطمئناً. ثم ظهرت النتيجة: سام طفل مصاب باضطراب طيف التوحد بدرجة متوسطة، أي أن معدله 5 من 10، وفق التقييم.

في تلك اللحظة، بدأ قلبي يخفق بقوة. أخذت أتعرق ذلك النوع من العرق البارد الذي يشير إلى هبوط السكر، وبرد جسدي. لم أتقبل النتيجة. بحثت عن تفسير، وتحدثت عن توتر سام أثناء التقييم. وطالبت بإعادته. كان في داخلي صوت يقول إن النتيجة لا بد أن تكون مختلفة، وإن ابني، حتى بتوحده يجب أن يكون في المقدمة.

لماذا نحمل أبناءنا أحلامنا، ثم نحزن حين لا تأتي نتائجهم على مقاسنا؟ ولماذا نتعامل أحياناً مع التقييم كأنه حكم على قيمة الطفل وقيمتنا نحن أيضاً؟

وهنا عدت إلى نقطة الصفر، إلى السؤال الذي لا يخصني وحدي: لماذا يصعب علينا تقبل الاختلاف؟ لماذا نريد لأطفالنا أن يكونوا دائماً في المراتب الأولى، بينما يصعب علينا أن يكونوا بقدرات متوسطة أو أن يحتاجوا إلى وقت أطول ودعم إضافي؟ لماذا لا يستطيع هذا القلب أو العقل أو الموروث أو النفس البشرية التوقف عن رسم المثاليات لأطفالنا، مع أنهم أجمل من كل أمانينا.

لماذا نحمل أبناءنا أحلامنا، ثم نحزن حين لا تأتي نتائجهم على مقاسنا؟ ولماذا نتعامل أحياناً مع التقييم كأنه حكم على قيمة الطفل وقيمتنا نحن أيضاً؟

سام اليوم طفل مصاب باضطراب طيف التوحد بدرجة متوسطة، وفق نتيجة تقييمه. لكنني بدأت أكتشف أنني أنا أيضاً أم بدرجة متأخرة لجهة التقبل، وتعلم التقبل.

سنوات بأيامها ولياليها من المتابعة ومحاولات التصالح لم تكن كافية كي أتخلص تماماً من نزعة الأم التي تريد لطفلها أن يكون مثالياً في كل شيء.

كان علي أن أفهم منذ البداية أن سام ليس مشروعاً مثالياً أثبت من خلاله نجاحي كأم

ربما كان علي أن أفهم منذ البداية أن سام ليس مشروعاً مثالياً أثبت من خلاله نجاحي بوصفي أماً. هو طفل له عالمه وإيقاعه ونظرته وقدراته، ودوري أن أرافقه في اكتشاف هذا العالم.

وقبل أن يكون سام طفلاً مصاباً بالتوحد بدرجة متوسطة، هو سام الذي أحبه وسأحبه دائماً كما هو. وقبل أن يكون أي شيء يراد له أن يكون، هو طفل لديه أم، هو عالمها خارج الصورة المثالية.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.