مصر تتجه للتصعيد قانونياً ضد اتفاقية ليبيا وتركيا
تعتزم مصر تصعيد تحركها القانوني ضد مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا، عبر تقديم مذكرة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بالتزامن مع تحركات سياسية وأمنية تستهدف احتواء تداعيات الخلاف مع معسكر شرق ليبيا، بعدما صادق مجلس النواب الليبي على الاتفاقية التي تعتبرها مصر مساساً بحقوقها البحرية في شرق البحر المتوسط، بحسب ما أفاد به مصدر دبلوماسي مصري لـ"العربي الجديد".
وقال المصدر إن الإدارة القانونية في وزارة الخارجية المصرية تعكف حالياً على إعداد المذكرة وصياغتها، تمهيداً لتقديمها إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، موضحاً أن القاهرة أبلغت تركيا وليبيا والاتحاد الأوروبي بموقفها الرافض للاتفاقية. وأضاف أن مصر مقبلة على مرحلة من التصعيد السياسي والقانوني مع شرق ليبيا، بسبب ما وصفه بالضرر البالغ الذي لحق بالمصالح المصرية جراء تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية، رغم العلاقات الوثيقة التي ربطت القاهرة بقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، الذي كان أحد أبرز حلفائها في الملف الليبي.
مصدر مصري: القاهرة مقبلة على مرحلة من التصعيد السياسي والقانوني مع شرق ليبيا، بسبب الضرر البالغ الذي لحق بالمصالح المصرية جراء التصديق على الاتفاقية
وأوضح المصدر الدبلوماسي أن المذكرة القانونية التي تعمل الخارجية المصرية على إعدادها تستهدف تثبيت الاعتراض المصري على الاتفاقية أمام المؤسسات الدولية، ومواجهة ما تعتبره القاهرة تداعيات تمس حقوقها السيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري في شرق البحر المتوسط. ولا يقتصر التحرك، وفق المصدر، على تسجيل موقف سياسي، بل يشمل بناء أساس قانوني للاعتراض على أي آثار يمكن أن تترتب على المذكرة البحرية.
القاهرة تستقبل صدام حفتر
وفيما يتصاعد الخلاف بشأن الاتفاقية، استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصري، اللواء حسن رشاد، نائب القائد العام للقوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق أول صدام حفتر، في القاهرة مساء الأحد، في لقاء لم يعلن عنه رسمياً، وذلك في زيارة جاءت بعد أيام من تصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة البحرية. وكان رشاد، قد أجرى السبت الماضي، اتصالاً هاتفياً مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، الذي أكد حرص حكومته على مراعاة الشواغل المصرية المتعلقة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية في البحر المتوسط. وحمل استقبال حسن رشاد لصدام حفتر أهمية خاصة في توقيت الخلاف، إذ يتيح للقاهرة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع قيادة شرق ليبيا، بالتزامن مع اعتراضها على قرار اتخذه البرلمان المحسوب على هذا المعسكر.
وقال المصدر الدبلوماسي المصري لـ"العربي الجديد"، إنّ القاهرة باتت أمام معادلة معقّدة، في ظل ما تعتبره تقاطعاً بين مصالح حفتر والتحركات التركية في ليبيا، مضيفاً أن المرحلة المقبلة مرشحة لتصعيد سياسي وقانوني مع شرق البلاد. وبحسب المصدر، فإن التحرك المصري لا يستبعد استمرار العلاقات مع قيادة شرق ليبيا، لكنه يعكس أن هذه العلاقات لن تحول دون اتخاذ القاهرة خطوات لحماية ما تعتبره حقوقها ومصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، يكتسب اتصال رشاد بالدبيبة دلالة سياسية موازية. فبحسب بيان حكومة الوحدة الوطنية، بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، وأكد رشاد عمق العلاقات بين البلدين والحرص على تطويرها. من جانبه، شدد الدبيبة على استعداد حكومته لمعالجة الشواغل المصرية المتعلقة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية عبر الحوار والتنسيق المشترك.
واعتبر المصدر المصري أن الاتصال يمكن قراءته ضمن سياسة مصرية للتعامل مع حفتر، وإبلاغه بأن القاهرة قادرة على تنويع تحالفاتها داخل ليبيا، وعدم قصر علاقاتها على شرق البلاد. ورجح أن يزور الدبيبة القاهرة قريباً، في خطوة قد تتيح بحث الخلاف البحري إلى جانب ملفات العلاقات الثنائية، وإن كان لم يصدر إعلان رسمي عن موعد للزيارة أو جدول أعمالها.
خيارات مصر
وتضع هذه التحركات القاهرة أمام مسارَين متوازيَين:
الأول، المضي في مواجهة قانونية ودبلوماسية للاتفاقية، مع الحفاظ على التواصل مع قيادة شرق ليبيا
الثاني، فتح المجال أمام تعزيز العلاقات مع حكومة طرابلس، بما يتيح لها تنويع قنوات تأثيرها في المشهد الليبي، وعدم حصر خياراتها في المعسكر الذي ارتبطت به لسنوات.
وقال مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير حسين هريدي، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن أمام مصر عدة مسارات للتعامل مع تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، يأتي في مقدمتها التحرك الدبلوماسي، وتثبيت موقفها القانوني الرافض للاتفاق، ودراسة مدى توافر الشروط اللازمة للجوء إلى الهيئات والجهات القضائية الدولية المختصة، بما يحفظ حقوقها البحرية في شرق المتوسط.
حسن هريدي: تحديد إمكانية الطعن على المذكرة دولياً يتطلب أولاً فحص طبيعتها القانونية، ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي للبحار
وأوضح هريدي أن تحديد إمكانية الطعن على المذكرة دولياً يتطلب أولاً فحص طبيعتها القانونية، ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي للبحار، فضلاً عن تحديد الجهة التي يمكنها النظر في النزاع ومدى توافر شروط اختصاصها، فليس كل خلاف بين دولتين أو اعتراض على اتفاق دولي يتيح تلقائياً رفع دعوى أمام محكمة دولية، إذ يرتبط ذلك بالأساس القانوني لاختصاص المحكمة ومدى قبول الدول المعنية بالخضوع له. وأضاف أن تصديق البرلمان الليبي على المذكرة لا ينهي الجدل بشأن مشروعيتها أو يجعل أحكامها ملزمة للدول الأخرى بصورة تلقائية، فهناك فارق بين إقرار اتفاق بين طرفيه وبين إمكانية الاحتجاج به في مواجهة دولة ثالثة لم تكن طرفاً فيه. ومن ثم، فإن الخطوة البرلمانية الليبية لا تكفي وحدها لحسم النزاع حول الحقوق البحرية المصرية.
وأشار إلى أنّ مصر تستطيع مواصلة توثيق اعتراضها الرسمي على المذكرة، والتأكيد في المحافل الدولية على عدم قبول أي ترتيبات تمس حقوقها السيادية، بالتوازي مع التنسيق مع الدول التي تتبنى موقفاً معارضاً للاتفاق، وفي مقدمتها اليونان، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، بما يدعم الموقف المصري سياسياً وقانونياً. ولفت هريدي إلى أن جوهر الاعتراض لا يرتبط بمجرد توقيع اتفاق ثنائي بين تركيا وليبيا، وإنما بمدى تأثيره على حقوق الدول الأخرى في المناطق البحرية، ومدى اتساقه مع القواعد المنظمة لترسيم الحدود البحرية. وفي هذا السياق، تبرز اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار باعتبارها أحد الأطر القانونية الرئيسية التي يمكن الاستناد إليها عند تقييم المطالبات والحقوق البحرية في شرق المتوسط.
وشدّد على أهمية التفرقة بين المسارات الدبلوماسية والقانونية؛ فالأولى تتيح لمصر مواصلة التعبير عن رفضها ومنع تفسير صمتها باعتباره قبولاً بالترتيبات محل الخلاف، بينما يتطلب المسار القضائي إعداد ملف قانوني يحدّد طبيعة الضرر أو النزاع، والأسس التي يستند إليها الاعتراض المصري، والجهة الدولية التي تملك الاختصاص بنظره. واختتم هريدي بالتأكيد أن تصديق مجلس النواب الليبي لا يعني، في حد ذاته، سقوط الحقوق المصرية أو تغيير وضعها القانوني تلقائياً، وأن التعامل مع المذكرة ينبغي أن يقوم على حماية المصالح البحرية المصرية، والتمسك بقواعد القانون الدولي، وتقييم الخيارات المتاحة على نحو يضمن اختيار المسار الأكثر ملاءمة لطبيعة النزاع.
وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت رفضها القاطع تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019، ووصفتها بأنها "باطلة بطلاناً مطلقاً ومعدومة الأثر القانوني"، مؤكدة أن التصديق الليبي لا يرتب أي آثار قانونية في مواجهة مصر. وتستند القاهرة في اعتراضها إلى ما تعتبره مساساً بحقوقها البحرية، فضلاً عن تعارض الاتفاقية، بحسب موقفها المعلن، مع قواعد القانون الدولي للبحار.
كما أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي كان قد أبلغ نظيره التركي هاكان فيدان رفض القاهرة التصديق على المذكرة، خلال لقائهما في إسطنبول يوم الجمعة الماضي. ووفقاً للبيان المصري، أكد فيدان تفهمه الشواغل المصرية إزاء التطورات في ليبيا وأهمية استمرار التشاور والتنسيق بشأنها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗