28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/23582

ما بعد حماس وفتح: من يحكم غزة؟

شوارع تتنفس، جدرانٌ تتكلم، ساحاتٌ ممتلئة، أبوابٌ مشرعة، نوافذٌ مضيئة، كتبٌ مفتوحة، حبرٌ جديد، منصاتٌ حرة، عقولٌ متقدة، وأقلامٌ جريئة.

ربما دخلت غزة، من حيث لا تريد، مرحلة يصبح فيها سؤال "من يحكم؟" أقل أهمية من سؤال "من يعيد بناء الإنسان؟". فبعد سنوات جعلت القطاع ساحةً لتنازع الشرعيات بين حماس وفتح، كشفت الحرب حقيقة أكثر قسوة: السلطة التي تعجز عن حماية مدرسة أو مستشفى أو مكتبة، ستواجه صعوبة في استعادة ثقة مجتمع يبحث عن معنى جديد للبقاء.

غزة المقبلة لن تحتاج فقط إلى من يدير شوارعها، بل إلى من يعيد بناء مجتمعها. وهنا تبدأ السياسة من مكان غير مألوف: المركز الثقافي.

السلطة التي لا تحمل بندقية

قد يبدو الحديث عن المراكز الثقافية انتقالاً من السياسة إلى الثقافة، لكنه في جوهره انتقال إلى طبقة أعمق منها؛ فالثقافة ليست حكومة بديلة، بل سلطة ناعمة تصنع الوعي، وترمم الذاكرة، وتعيد تعريف الانتماء.

لقد أصابت الحرب البنية الثقافية في غزة بعمق. ووفق بيانات اليونسكو، تضررت مواقع ثقافية عديدة، بينها مركز رشاد الشوا ومتاحف ومواقع أثرية ودينية. لكن تدمير المبنى لا يعني بالضرورة تدمير وظيفته؛ فحين تختفي المدرسة، تظهر مساحة تعليم مؤقتة، وحين تتضرر المكتبة، تبدأ محاولات إنقاذ الكتب، وحين يُهدم المركز، تنتقل رسالته إلى خيمة.

هكذا تتحول الثقافة من نشاط مكمّل للحياة إلى شرط من شروط استمرارها. فالتعليم وسط الركام ليس استعادةً للمعرفة فحسب، بل مقاومة لمحاولة اختزال جيل كامل في تجربة الحرب. والفن الذي يعيد رسم المدينة لا يوثق الخراب فحسب، بل يمنح سكانها قدرة على تخيل ما بعده.

حين سكت الرصاص، تكلّم الكتاب. وحين ضاقت الجغرافيا، اتسعت الذاكرة.

من يملك الذاكرة يملك المستقبل

لسنوات، قاست السياسة الفلسطينية القوة بعدد الأعضاء، والسيطرة الجغرافية، والموارد، والقدرة الأمنية. لكن ثمة قوة أخرى لا تظهر في الخرائط: معلم يعيد طفلاً إلى التعليم، وكاتب يحفظ شهادة ناجٍ، وفنان يستعيد ملامح مدينة مهدمة.

هذه ليست قوة هامشية؛ إنها قوة تشكيل الوعي. فالصراع على غزة لن يكون فقط صراعاً على الإدارة، بل على الرواية أيضاً: من يكتب تاريخ الحرب؟ من يحفظ أرشيف الصور والشهادات؟ ومن يمنع الذاكرة من التحول إلى أرشيف للموت وحده؟

إنها أسئلة سيادة بامتياز؛ فالدولة لا تُبنى بالوزارات وحدها، بل تبدأ حين يشعر المواطن أن هناك مؤسسة تحفظ حقه في التعليم والذاكرة والتعبير.

من الفصيل إلى المجتمع

لا يعني الحديث عن "ما بعد حماس وفتح" نهاية الفصيلين، بل يشير إلى ضرورة تجاوز اختزال المجتمع في ثنائيتهما. فالأزمة لا تتعلق بمن يتولى الحكم فحسب، وإنما بقدرة النظام السياسي على استعادة الثقة، وإنتاج تمثيل يستجيب لتحولات المجتمع واحتياجاته.

الثقافة ليست حكومة بديلة، بل سلطة ناعمة تصنع الوعي، وترمم الذاكرة، وتعيد تعريف الانتماء؛ فحين تُهدم المكتبة أو يختفي المركز، تنتقل الرسالة إلى خيمة ليصبح التعليم شرطاً لاستمرار الحياة

في هذا السياق، يمكن للمؤسسات الثقافية أن تصبح جزءاً من إعادة تشكيل المجال العام؛ مساحاتٍ يلتقي فيها الشباب، وتُناقش فيها الأفكار، وتُستعاد عبرها المشاركة المدنية بعيداً عن الاستقطاب الحزبي.

الفصيل يحتاج إلى جمهور كي يحافظ على نفوذه، أما المؤسسة الثقافية فتستطيع أن تسهم في صناعة مواطن يمتلك أدوات التفكير والنقد والمساءلة. والفرق بين الجمهور والمواطن هو الفرق بين الطاعة والمشاركة، وبين سياسة السيطرة وسياسة بناء الإنسان.

من يملك القدرة على تشكيل الوعي، يشارك في تحديد مستقبل الشارع.

الدولة التي تبدأ من كتاب

في غزة ما بعد الحرب، لن تُحسم معركة المستقبل في غرف السياسة وحدها، بل في المدارس والجامعات والمكتبات والمراكز الثقافية. فالفوز بالانتخابات لا يكفي من دون ثقة الناس، والسيطرة على المؤسسات لا تضمن إنتاج معنى للحياة.

قد لا تحكم المراكز الثقافية غزة مباشرة، لكنها تسهم في تشكيل مفهوم الحكم والمجتمع الذي يستحقه. فمن خلال بناء أجيال عابرة للفصائل، وترسيخ هوية جامعة، وتمكين الشباب من الفعل والمشاركة، تعيد الثقافة صياغة ملامح المستقبل. وربما لا يبدأ بناء غزة المقبلة بقصر حكومي أو مقر حزبي، بل بمدرسة بين الركام وكتاب في يد طفل؛ فحين تنهار الجدران، يصبح بناء الإنسان أعمق أشكال إعادة الإعمار، وتغدو الثقافة معركة حاسمة في تحديد هوية غزة ومستقبلها.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.