29 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/14430

بيتر هاندكه.. الغريب الذي عاد إلى بيته في "أنشودة الضيف الأخيرة"

في سن الثانية والثمانين، يكون الروائي النمساوي بيتر هاندكه، الحائز جائزة نوبل 2019، قد كتب ما يكفي من المسرحيات والقصص والمقالات والسيناريوهات، بالثيمات والمواضيع الأثيرة لديه منذ روايته الأولى "الدبابير" (1966). تشكل قضايا الاغتراب، والهوية، واللغة، أرضيّةً قوية للعديد من أعماله، بما في ذلك "حزن يفوق الأحلام" (1972) وهي مذكرات كتبها عقب انتحار والدته، ورواية "خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء" (1970). ويتمحور كلا العملين حول حوار ومونولوغ داخلي مكثف ومرهِق، يصل أحياناً إلى حدّ الشعور بالاختناق. يشرح بإسهاب وجود المرء في عالم ما وقد تغيّر إلى الأبد.

في روايته "أنشودة الضيف الأخير" (ترجمة كريشنا وينستون، منشورات فارار، ستراوس آند جيرو، نيويورك 2025)، كان غريغور ويرفر ذو العين الواحدة، في طريق عودته إلى منزل طفولته، حين تلقى رسالة على هاتفه، تُخبره بمقتل شقيقه الأصغر هانز، الذي كان يقاتل مع فيلق فرنسي في المناطق الاستوائية برصاصة معادية.

تعمق أكثر

يمضي في سيره سارحاً مع الذي مضى واندثر إلى الأبد، ليتداخل الحاضر بالماضي بينما تطفو ذكريات الطفولة على السطح، مستدركاً في الوقت ذاته التغيرات التي أحدثها القرن الحادي والعشرون في الأرض وفي المجتمعات وآلامها الغامضة. يتأمل غريغور ويرفر الموت وما أحدثه الزمن في المكان الذي ولد فيه، خلال زيارته لمنزل طفولته. لقد غطى التوسع العمراني المناطق الريفية، وأصبح منزل أحد الجيران الآن "على بُعد ذراع" من فناء منزل عائلته. ولتجنب إفساد زيارته، أخفى عن والديه وشقيقته الصغرى النبأ المفجع بمقتل شقيقه الأصغر هانز في المعركة. لا يُفسر هاندكه سبب عدم وصول الخبر لأهله، وسرعان ما يتجنبهم غريغور، ليقضي ليلته في غابة قريبة، ومن ثم يتنقل بين عدة حانات، غارقاً في شكل علاقته بهانز، ونوع الأب الروحي الذي سيكون عليه لطفل أخته المولود خارج إطار الزواج، ومزايا كونه آخر زبون في المطعم، وعن علاقته بسكان البلدة المحليين الذين كانوا يعانون من الحزن العميق، وكأنهم في حداد على شيء ما، وتبدو عليهم آثار إعاقة ما، والخوف من الموت يُطاردهم يوماً بعد يوم. نتيجة كل ذلك الاستكشاف المذهل: معاناة رجل واحد مع التغيير والفقد وضياع الهوية.

عوالم داخلية مشحونة بالقلق والحيرة والتوتر بنى تجربته عليها

تزخر الترجمة الإنكليزية التي أعدتها كريشنا وينستون للرواية بملاحظات عائلية بارعة وتأملات حول تأثير الزمن والمسافة على الهوية الذاتية. وتحدد أقسام الرواية الثلاثة مساراً تحولياً للشخصية المركزية في الرواية، يرتكز على ترسيخ الواقع ووصف التجربة، ثم صياغتها في قالب سردي يسهل التفاعل معه. ومع نهاية رحلاته الجسدية والنفسية في أرجاء المدينة، يتقبل هويةً صاغها لنفسه تتمحور حول مفهوم "الغريب" الذي يطالب بأن يُؤخذ على محمل الجد. أكثر من "الأنماط الرائجة" الأخرى، وذلك من خلال الإقرار بمنطقٍ غير واضح للتغيير، يخص الذي عاينه عن قرب: عائلته ومسقط رأسه. الانتقال السلس بين حميمية السرد بضمير المتكلم، ووجهات النظر النقدية بضمير الغائب التي تتيح لهاندكه مراقبة شخصياته وموضوعاته من مسافة ما.

هنا لا تكتسي التسلسلات الزمنية للأحداث أهميةً تضاهي التعليقات التي يوردها حول المقتنيات والبنى الاجتماعية والذكريات التي ينقّب فيها غريغور بتتابع سريع وإن كان غير منظم، فالحانات والمقاهي وأماكن السهر المريبة وما شابهها لم تكن يوماً تستهوي رجل الاستكشاف هذا، إلا إذا كان هناك ثمة ما يستدعي الاحتفالية، ولكن، ما الذي يستدعي الاحتفال في أمسية كهذه، ومع من؟ يندرج كل هذا ضمن عملية تشكيل العوالم الداخلية المشحونة بالقلق والحيرة والتوتر، التي بنى هاندكه مسيرته الأدبية عليها.

هاندكه وُلد في مدينة غريفين بالنمسا حين كانت لا تزال جزءاً من الرايخ الألماني، وقد قاتل كل من والده وزوج والدته في صفوف الجيش الألماني (الفيرماخت). ومثل راويه "غريغور" وجد طريقته الخاصة في وصف عالم فوضوي يتألف من بشر وأماكن طرأت عليها تغيرات جذرية لا رجعة فيها، ومع ذلك تظل مألوفة ويمكن التعرف عليها بفضل لحظات الجمال والرعب التي تجعل الحياة فيه جديرة بأن تُعاش.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.