سقوط النسوية الغربية وفلاسفة الأنوار.. باحثة إيطالية تفكك جذور الاستعمار في فلسطين
كتاب الأكاديمية الإيطالية فيديريكا ستانيي: كيف فككت جذور الصهيونية في عصر الأنوار، وكشفت تناقضات نسويات الغرب وشرعنت المقاومة بفلسفة فانون؟
آخر تحديث:
لا يعد كتاب "مقاوَمات فلسطينية – من النكبة إلى 7 أكتوبر" الصادر حديثا في ميلانو لفيديريكا ستانيي مجرد عمل أكاديمي قائم على دراسات ميدانية امتدت نحو عشر سنوات داخل فلسطين، يحمل عبر صفحاته القارئ الإيطالي من بدايات العمل الفلسطيني المقاوم في النصف الأول من القرن العشرين إلى السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإنما بحث راديكالي شجاع يخوض في جذور الفكر الاستعماري الغربي ويموضع الحركة الصهيونية ومشروعها الاحلالي في فلسطين ضمن مشاريع الاستعمار الاستيطاني التي عرفها العالم على غرار الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والاستعمار في أمريكا وأستراليا وجنوب أفريقيا.
جذور الفوقية
حرصت الكاتبة على التمييز بينه وبين الاستعمار الاستيطاني القائم على نهب الثروات كالاستعمار البريطاني؛ بينما يركز الاستعمار الاستيطاني على الاستيلاء على الأرض وتهجير السكان وتغيير البنية الديموغرافية للبلاد المحتلة.
ويعد هذا التصنيف الاصطلاحي كما تذكر الكاتبة جديدا على المنظومة المعرفية الغربية التي لم تبدأ بالاعتراف به سوى حديثا. لذا افتتحت الكاتبة عملها بفصل حددت فيه أهم المصطلحات المستخدمة في العمل وعلى رأسها "الاستعمار الاستيطاني" الذي تقوم عليه الفرضية العلمية للدراسة.
وهنا تعود الباحثة لمراجع تاريخية تتبّعت جذور الاستعمار الإسرائيلي حيث تقف ستانيي عند كتاب إيلان بابيه "عشر خرافات عن إسرائيل"، وهو عملٌ ترجمته الباحثة نفسها عام 2022 للإيطالية، وفيه يؤكد بابيه على أن تأسيس إسرائيل يندرج ضمن السعي لإفراغ الأراضي المقدسة من المسلمين.
ومرد ذلك إسلاموفوبيا ناشئة في بريطانيا التي كانت تشعر حينها بالمرارة من خسارة الحملات الصليبية، إلى جانب معاداة السامية المتجذرة حيث أرادت بريطانيا إخراج اليهود من أراضيها لحل "المسألة اليهودية"، وكل ذلك يندرج ضمن الأجندة الإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى لإضعاف الإمبراطورية العثمانية من الداخل من خلال تعزيز الوجود اليهودي.
نبهت الكاتبة إلى أن الاستعمار الإسرائيلي لا يخرج عن مشاريع الاستعمار الغربية التي عرفها العالم والتي بالرغم من أنها انتهت بحسب القانون الدولي في أغلب مناطق جنوب العالم، إلا أنها لا تزال قائمة في فلسطين
مجتمع إحلالي استيطاني
واستحضرت ستانيي الكتاب الرائد لرودينسون الصادر عام 1973 "إسرائيل- مجتمع إحلالي استيطاني" حيث وصف فيه "إقامة دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية كتتويج لمسار يندرج بشكل كامل ضمن حركة التوسع الأورو-أمريكية في القرنين التاسع عشر والعشرين، والذي كان هدفها توطين سكان جدد بين شعوب أخرى".
وضمن هذا الفصل عادت ستانيي إلى جذور الفكر الاستعماري في الغرب والمنظومة المعرفية التي أسست للفوقية الغربية والعنصرية وقد أرجعتهما الكاتبة لعلماء وفلاسفة عصر الأنوار الذين كانوا يعرفون بمصطلح "المفكرين الإنسانيين"، بداية بأسماء صنعت تاريخ العلم الحديث على غرار بيكون، وداروين، وصولا إلى أدباء وفلاسفة كبار كديكارت، وروسو، وفولتير، وفيكتور هوغو.
هذا الأخير ذكرت الكاتبة كيف أن شعوره بالفوقية الذي كان يمرره بأسلوب الوصاية طالما صُدّر على أنه "محبة لخير البشرية". وهنا دعت ستانيي الباحثين الغربيين لمساءلة المنظومة الفكرية الغربية من الداخل من أجل الانخراط في جهد حقيقي لتفكيك الاستعمار من جذوره.
النسوية الغربية واختبار "السابع من أكتوبر"
وبعد العبور بفصول معمقة تشرح تاريخ العمل الفلسطيني المقاوم ضمن منظور الكفاح الشعبي ضد الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني من بداية الثورة العربية وصولا إلى السابع من أكتوبر/تشرين الأول، توقفت الباحثة مطولا عند مأزق الحركة النسوية في دعم النضال الفلسطيني بوصفه نضالا وطنيا لتحرير الأرض ضد استعمار استيطاني شرس.
ولعل الحركة النسوية الغربية تعد من أكثر الحركات الاجتماعية استعارة لمصطلح تفكيك الاستعمار لذلك كان متوقعا تخصيص الكاتبة لفصل مطول عن "الحركات النسوية"، وفيه بلغت الكاتبة ذروة عملها النقدي حيث خصصت مبحثا بعنوان "تاريخ من الأخطاء" شرحت فيه ستانيي كيف عرى السابع من أكتوبر/تشرين الأول تناقضات الحركة النسوية في الغرب، مركزة على النموذج الإيطالي.
وتحدثت ستانيي بمرارة عن حالة التخبط التي أصابت نسويات إيطاليا عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول ووقوعهن في فخ تصديق دعاية اغتصاب عناصر المقاومة الإسلامية لنساء إسرائيليات.
الإسلاموفوبيا المتجذرة التي تصور المسلمين كوحوش، نسفت مسار عقود من محاولات "تفكيك الاستعمار" الفكري داخل الحركات النسوية التي سقطت في امتحان السابع من أكتوبر/تشرين الأول
وقد زاد الطين بلة الرايات الإسرائيلية التي حملتها نسويات إيران المقيمات في إيطاليا والتي وصفتهن الكاتبات بأنهن قريبات من دوائر النسوية الغربية، ليتبين أن الحركة التي يفترض أنها "مفككة للاستعمار" لا تملك حتى الأدوات المعرفية التي تخولها تمييز ماهية الاستعمار نفسه.
التصدع الشديد داخل الحركة النسوية ظهر من خلال محاولة الباحثة نقل شهادات من داخل فلسطين في آخر زيارة قامت بها في ديسمبر/كانون الأول 2024، على غرار شهادات جمعتها خلال رحلاتها الميدانية السابقة، إلا أن ستانيي أكدت أن نسويات أراضي 48 امتنعن هذه المرة عن مشاركة آرائهن وقصصهن.
ورجحت ذلك إلى أن الأعمال الوحشية التي كانت لا تزال دائرة في غزة أشاعت مناخا من الارتياب ومنعت الكثيرات من مشاركة قصصهن بسبب الخوف من الانعكاسات على حياتهن الشخصية والعملية، وقد اكتفت نسوية فلسطينية واحدة بالحديث عن "الانقسامات النضالية" وانعدام الوحدة مع النسويات الإسرائيليات، وهو ما من شأنه وضع مستقبل الحركة ككل على المحك.
فانون ومشروعية الكفاح المسلح
لم يتوقف الزخم النقدي لدى فيديريكا ستانيي عند هذا الفصل، بل تبلور في الفصل الخامس المعنون بـ "الكفاح المسلح"، وفيه عادت الباحثة الإيطالية إلى فرانتس فانون ومحاججته عن مشروعية الكفاح المسلح للشعوب الخاضعة للاستعمار مستشهدا بالتجربة الجزائرية في كتابه الأيقوني "معذبو الأرض" (1961)، كما استذكرت الباحثة خطاب فانون في أكرا عام 1960 الذي قال فيه إن "الشعب الجزائري اختار الحل الوحيد الذي تبقّى له".
أكدت الكاتبة أن فانون لا يسبغ الرومانسية على الكفاح المسلح، وإنما يطرحه كدواء مر للسمّ الاستعماري، و"شرّ لابد منه" تلجأ له الشعوب المستعمَرة التي تتعرض لكافة أشكال العنف، إذ يرى فانون أن "الإنسان الخاضع للاستعمار لا حرية له سوى عبر العنف". لتخلص الكاتبة إلى أنه "من الضروري الاعتراف بأن الاستعمار الاستيطاني مسار قائم بشكل جوهري على العنف، وهو بالضرورة لن يولد سوى العنف".
"السابع من أكتوبر/تشرين الأول لم يكن جزيرة معزولة من العنف تفجرت فجأة وإنما عملية مخطط ومحسوب لها بدقة"، و"العنف بالنسبة للشعوب المضطهدة هو شكل من أشكال الدفاع، وأن ممارسته هي ممارسة حق الدفاع عن النفس"
أكدت الباحثة أن "حتى أولئك الذين طالما مارسوا المقاومة غير العنيفة وجدوا صعوبة بالتنديد بعملية حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد تكون كلمات فانون هي الرد الأفضل على أولئك الذين لا يزالون ينددون بما حصل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول".
المعايشة الميدانية والحصار الأكاديمي
وكان لافتا نقل الباحثة الإيطالية في ختام هذا المبحث تصريحات مناضلة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أكدت فيها على "سعادتها وفخرها العميق بالمقاتلين الذين انتفضوا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول على مضطهِديهم، بالرغم من اختلافاتها الأيديولوجية معهم".
وهكذا بينت فيديريكا ستانيي من خلال دراستها الجريئة أن المقاومة في فلسطين ليست مشروعًا متجانسًا، بل مجموعة ديناميكية من الممارسات تتطور باستمرار وتتشكل بفعل الظروف التاريخية والواقع المادي والتطلعات السياسية للشعب الفلسطيني. وإن إدراك هذا التعدد ضروري لمواجهة الروايات التبسيطية التي تُجرّد النضالات الفلسطينية من شرعيتها، أو تُدمجها في أطر تُحيّد خصوصيتها أو تفرض عليها أجنداتها الخاصة.
يذكر أن فيديريكا ستانيي هي باحثة إيطالية حاصلة على درجة الدكتوراه من كلية العلوم السياسية والاجتماعية من المدرسة العليا للأساتذة ببيزا. يتركز عملها البحثي على الحركات المناهضة لعمليات الهدم والإخلاء في فلسطين معتمدةً على عمل ميداني ودراسات إمبريقية مكثفة في فلسطين وإسرائيل، وقد مُنعت من دخول إسرائيل عام 2025 لمواصلة أعمالها البحثية ـ كما ذكرت في مقدمة كتابها ـ "لأسباب أمنية".
المصدر: الجزيرة نت
