إسرائيل التي تأكل نفسها.. هل يكون بن غفير هو مستقبلها؟
تقف إسرائيل على أعتاب مواجهة داخلية تهدد تماسكها، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي وتفاقم الأزمات الاقتصادية وتآكل الثقة بمؤسسات الدولة.
آخر تحديث:
في مارس/آذار 2025، حذر الرئيس الأسبق للمحكمة العليا الإسرائيلية، أهارون باراك، من أن إسرائيل "تتجه نحو سفك الدماء والحرب الأهلية". وكان من السهل حينها قراءة التحذير بوصفه مبالغة خطابية من النوع الذي اعتاده الإسرائيليون، لكن ربعهم رأوا أنه محق تماما، فيما رأى ثلث آخر أنه بالغ قليلا، وإن كان الخطر حقيقيا.
اليوم مع دخول يوم الانتخابات، لم يعد هذا الاحتمال بعيدا كما كان آنذاك. فلم يسبق أن اجتمعت كل هذه العوامل الدافعة إلى التراجع في لحظة واحدة من تاريخ إسرائيل: حربٌ هي الأطول والأعقد في تاريخها، لم تحسَم على أي جبهة؛ واقتصاد يدفع ثمنها؛ ومجتمع ينقسم حول سؤال من يقاتل ومن يعفى من القتال؛ وكتلتان سياسيتان تعجز كل منهما، وفقًا للاستطلاعات، عن بلوغ عتبة الـ61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة.
ويبدو أن الاستثناءات الكثيرة التي حاولت هذه الدولة قصيرة العمر تكريسها، بين العرب واليهود، وبين الحريديم وغير الحريديم، وبين سكان المستوطنات وسكان المدن، تتحول اليوم إلى صدوع في بنية المجتمع نفسه، وربما تدفعه إلى هاوية الاقتتال الأهلي.
أهارون باراك حذر عام 2025 من أن إسرائيل "تتجه نحو سفك الدماء والحرب الأهلية" (موقع محكمة العدل الدولية)
استثناءات لا تنتهي
تخوض إسرائيل الآن أطول حروبها وأكثرها تعقيدا في تاريخها، ما يشكل ضغطا شديدا على القدرات البشرية لقواتها المسلحة. وكان الجيش الإسرائيلي قد حذر في وقت سابق من نقص يقدر بنحو 12 ألف جندي، وهي فجوة مرشحة للاتساع. وقد دفع هذا الاحتياج الماس إلى جنود الاحتياط الجيش إلى اتخاذ إجراءات كثيرة أثارت سخطا واسعا، من بينها تقليص فترات الراحة، وإعادة الجنود الذين يعانون اضطرابات نفسية أو اضطراب ما بعد الصدمة إلى الخدمة قسرا، وتهديدهم بالسجن والعقاب في حال امتناعهم عن ذلك.
وقد أثار هذا النقص في القوى البشرية جدلا واسعا، أسهم في تأجيج الاحتقان داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن المساواة في التجنيد الإجباري، ولا سيما تجنيد الحريديم. وهنا تكمن المشكلة؛ فقد نجحت أحزاب الحريديم، على مدى سنوات، في ترسيخ تحالف وثيق مع حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي اعتمد عليهم للاستمرار في قيادة الحكومة، لا سيما أن الناخبين المحسوبين على الحريديم يشكلون أكثر من 15% من إجمالي الناخبين. لكن هذه الكتلة تدخل الانتخابات منقسمة على نفسها، مع ترجيح استمرار حزب "شاس" في دعم نتنياهو، في حين أعلنت قيادات حزب "يهدوت هتوراه" أنها لم تعد تثق به. وقد وضع الحزبان شرطا صارما للمشاركة في أي حكومة مقبلة، يتمثل في تقنين إعفاء الحريديم من التجنيد، وهو ما يعني معارضة أي مرشح لا يتعهد بتحقيق "المساواة" بين المواطنين الإسرائيليين من دون استثناءات.
"الجيش الإسرائيلي لا يستدعي المواطنين العرب للتجنيد، في ظل غياب سياسة مكتوبة أو قانون رسمي ينص على ذلك"
و"دون استثناءات" هنا، بالطبع، لا تشمل العرب، ولا يمكن أن تشملهم. فالجيش الإسرائيلي لا يستدعي المواطنين العرب للتجنيد، في ظل غياب سياسة مكتوبة أو قانون رسمي ينص على ذلك، وربما لما يرى فيه من مخاطر أمنية وأيديولوجية يمكن أن تهدد تماسك وحداته. وقد انتقد وزير في حكومة نتنياهو هذه "التفاهمات الصامتة" انتقادا لاذعا في رسالة وجهها إلى المحكمة العليا العام الماضي، بعدما رفع مواطن حريدي دعوى أمامها متسائلا عن عدالة مطالبته بالخدمة العسكرية، في حين لا يُستدعى العرب إلى الجيش. وألزمت المحكمة الحكومة بالرد على هذا التساؤل بحلول مارس/آذار الماضي، لكن الرد لم يصل بعد. وإذا وضعنا العرب والحريديم معا، نجد أنهم يشكلون نحو 35% من سكان إسرائيل، ونحو ربع ناخبيها. إنها كتلة سكانية يصعب استبعادها من منظومة التجنيد الإجباري دون أن يعاني الجيش نقصا في أعداد جنوده، ودون أن يثير ذلك تساؤلات بشأن الأساس القانوني للاستثناءات التي تحظى بها الجماعتان (على اختلاف الدوافع والمبررات).
رفض الحريديم التجنيد ينظر إليه داخليا بوصفه "خيانة" لإسرائيل، لا سيما مع احتدام المواجهات الأمنية (رويترز)
هذه المسائل ليست جديدة في إسرائيل، ولطالما دارت حولها معارك سياسية واجتماعية. لكن واقع ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حولها من مجرد نقاط احتكاك وتفاوض بين القوى السياسية إلى براميل بارود قد تنفجر في أي لحظة. وصار رفض الحريديم التجنيد ينظر إليه بوصفه "خيانة" لإسرائيل، لا سيما مع احتدام المواجهات الأمنية، والزيادة الكبيرة في أعدادهم، وصغر سنهم مقارنة ببقية مكونات المجتمع الإسرائيلي. ومن المتوقع أن تقابل أي تسوية تقنّن إعفاءهم من التجنيد بغضب عارم في أوساط جنود الاحتياط، الذين تركوا وظائفهم وأعمالهم الخاصة مرارًا لخوض حروب كان الحريديم وقياداتهم الروحية والسياسية، إلى جانب اليمين المتطرف، من أبرز مؤيديها، كما عارضوا أي تسوية أو اتفاق سياسي ينهيها.
وفي المقابل، لا توجد مؤشرات واضحة على تراجع الحريديم عن مطالبهم بإعفاء شبابهم من الخدمة العسكرية ومواصلة تمويل مدارسهم الدينية. بل شهدت الأشهر القليلة الماضية مواجهات متكررة بين مئات من شباب الحريديم وقوات الأمن، كلما حاولت الأخيرة اعتقال أحد المتهربين من التجنيد. وفي مثل هذه المواجهات، تواجه القوات صعوبة في إنفاذ القانون، وسط قيود على لجوئها إلى العنف. وقد يتحول هذا التمرد شبه المفتوح إلى غضب عارم يوجّهه شباب الحريديم الناشطون سياسيًا وحركيًا إلى المراكز الأمنية ومقار الأحزاب، إذا أفرزت الانتخابات الجارية حكومة تسعى إلى إنهاء وضع الإعفاءات الذي يصفه منتقدوه بأنه "غير دستوري".
ومن جهة أخرى، بات تجنيد العرب أكثر صعوبة، وأصبحت الدعوات إلى دمجهم في المجتمع أو الإشارة، من قريب أو بعيد، إلى تحالف انتخابي معهم أشبه بالانتحار السياسي. ويتجلى ذلك في رفض معظم المرشحين لتولي رئاسة الوزراء الدخول في تحالف حزبي مع الأحزاب العربية، رغم أن مثل هذا التحالف قد يصبح ضروريًا لتشكيل الحكومة، في ظل تقديرات بحصول القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، على ما بين 10 و15 مقعدا. ولهذا تبدو احتمالات تشكيل حكومة مستقرة وقادرة على العمل بعد السابع من أكتوبر بعيدة المنال، ما يفتح الباب أمام سيناريو إعادة الانتخابات، ويثير مزيدًا من التساؤلات بشأن جدوى الحلول السياسية في معالجة التناقضات التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي.
منصور عباس رئيس حزب "القائمة العربية الموحدة" يتحدث في تجمع انتخابي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (الفرنسية)
أغلى من النمسا والدنمارك
"لثلاثة أعوام، حشدنا الاقتصاد كله لخدمة وزارة الدفاع. ومع امتلاكها القدرة على ضرب نافذة في مبنى على بعد مئات الكيلومترات بدقة، ربما ينبغي على وزارة الدفاع أن تتعلم كيف تلبي احتياجاتها بطريقة لا تضر بمستوى المعيشة"
بواسطة (تامار ليفي، نائبة مفوض الميزانية)
بعد السابع من أكتوبر، لجأت القيادة السياسية إلى زيادة حادة في نسبة الإنفاق العسكري من الناتج الإجمالي، من نحو 5.4% في 2023 إلى 8.8% في 2024، ثم انخفضت قليلًا إلى 7.8% في العام التالي، لكنها تظل من أعلى النسب في العالم. ولتتضح الصورة، أنفقت إسرائيل العام الماضي ضعف ما أنفقته على جيشها عام 2022 قبل طوفان الأقصى بعام، وأعلى بنسبة 120% من عام 2016. والمنحنى صاعد لا شك، إذ يروج نتنياهو لفكرة أن إسرائيل لا خيار لها سوى أن تصبح "سوبر إسبرطة"، أي نسخة حديثة من المدينة اليونانية الشهيرة التي كرست حياتها وحياة أهلها للحرب. ولهذا الغرض، يريد تحالفه، الذي يرى الأمن "أساس كل شيءٍ آخر"، رفع ميزانية الدفاع إلى 183 مليار شيكل، أي نحو 60 مليار دولار، بما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبالطبع، كلما زاد الإنفاق العسكري، تراجعت الموارد المتاحة للإنفاق على مجالات أخرى، بما في ذلك الإنفاق الاجتماعي الحكومي والاستثمار في الخدمات العامة. وحينها "سيعاني التعليم، وستتراجع جودة البنية التحتية، وكذلك أداء نظام الرعاية الصحية"، بحسب إستيبان كلور، أستاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية في القدس. ويُضاف إلى ذلك الأثر السلبي في نمو الاقتصاد، لنجد أن الإسرائيليين "يدفعون ثمن الحرب مرتين"، بحسب كلور. وإلى جانب ذلك، يثقل الإنفاق العسكري كاهل المالية العامة، مع تفاقم عجز الموازنة والدين العام، "ما يجعل مسار الإنفاق الحالي غير قابل للاستدامة دون إجراءات للتشديد المالي"، ويضع الحكومة المقبلة أمام تحد هائل، وفقًا لعومر موآف، أستاذ الاقتصاد بجامعة ووريك البريطانية.
ولهذا، بدأت أصوات تتعالى بالفعل للتحذير من أضرار تضخم الإنفاق العسكري. ويقدر محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، الكلفة الإجمالية للحروب والصراعات الإقليمية التي خاضتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر بنحو 138 مليار دولار. وقال يارون في مؤتمر اقتصادي بهرتسليا، شمال تل أبيب، قبل أشهر: "إنه رقم ضخم، أكثر من 17% من الناتج المحلي الإجمالي". كما دعا الحكومة المقبلة إلى الحد من الإنفاق الحكومي على قطاع الدفاع، وتوجيه مزيد من الموارد إلى التعليم والبنية التحتية ومحركات النمو الاقتصادي الأخرى. وفي السياق نفسه، حذّرت نائبة مفوض الميزانية، تامار ليفي، مما وصفته بـ"اقتصاد الصدمة"، الذي تتحدد فيه الاحتياجات الاقتصادية وفقًا للاستجابة للصدمة الأمنية التي مرت بها إسرائيل، لا وفقًا لاحتياجاتها الفعلية. وقالت: "لقد شهدنا ذلك من قبل، بعد حرب يوم الغفران، وكانت له عواقب وخيمة".
"يقدر محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، الكلفة الإجمالية للحروب والصراعات الإقليمية التي خاضتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر بنحو 138 مليار دولار"
وتأتي هذه التكاليف الباهظة على الاقتصاد، وما تنفقه الحكومات المتعاقبة من أموال طائلة على الأمن، في مجتمع ظلّت فيه كلفة المعيشة موضوعا شائكا. فسلة الاستهلاك التي تنفق عليها الأسرة الإسرائيلية في المتوسط، وتشمل الغذاء والسكن والكهرباء والصحة والتعليم، تزيد كلفتها بنسبة 21% على نظيرتها في دول أوروبية أغنى، مثل النمسا وفنلندا والدنمارك، يمتلك فيها الفرد نصيبا أعلى من الناتج المحلي الإجمالي. وترتفع الفجوة إلى 68% عند المقارنة بدول يقل فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عن نظيره الإسرائيلي، مثل اليونان وقبرص وإيطاليا وإسبانيا.
وقد دفع غلاء المعيشة الإسرائيليين إلى الشوارع مرارا منذ مطلع الألفية. ففي عام 2003، قادت فيكي كنافو مسيرة للأمهات العازبات من متسبيه رامون إلى القدس، احتجاجًا على تقليص المخصصات الاجتماعية الذي أقرّه نتنياهو حين كان وزيرًا للمالية. وفي عام 2007، أضرب الطلاب احتجاجًا على رفع الرسوم الجامعية. ثم بلغت موجة الاحتجاجات ذروتها في صيف 2011، حين بدأت بمقاطعة جبنة "الكوتيج" على فيسبوك في يونيو/حزيران، وتلتها إقامة خيام احتجاجية في شارع روتشيلد بتل أبيب، ثم مظاهرات شارك فيها نحو 400 ألف شخص في سبتمبر/أيلول. وعاد الغضب في عام 2014 مع "احتجاج الميلكي"، حين قارن منشور واسع الانتشار سعر حلوى الشوكولاتة الإسرائيلية بنظيرتها الأرخص في ألمانيا.
وتبقى أسباب هذا الغلاء كلها بلا حلول سهلة، بل وتزداد تفاقمًا مع التطورات المتسارعة. فإسرائيل تقع في موقع جغرافي بعيد عن عدد من شركائها التجاريين الأساسيين، فيما تظل علاقاتها متوترة مع جيرانها. وحتى إن شهدت توجهات القيادات السياسية تحولا أفضى إلى توقيع اتفاق أمني هنا أو وقف إطلاق نار هناك، فمن المرجح أن يستمر العداء الشعبي لإسرائيل، خاصة بعد المذابح المروعة التي ارتكبتها في غزة.
"حتى العلاقات مع الشركاء البعيدين باتت تواجه مخاطر متزايدة"
وحتى العلاقات مع الشركاء البعيدين باتت تواجه مخاطر متزايدة، إذ تتلقى إسرائيل صفعة تلو الأخرى، مرة من المملكة المتحدة بعد حظر التجارة مع المستوطنات، وبعد إعلان حزب الخضر الصهيونية أيديولوجية عنصرية، وبعد الخلافات العلنية وطرد دبلوماسيين بريطانيين، ومرة من لجنة نوبل للسلام النرويجية، التي منحت الجائزة للمحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، التي ترأست لجنة تحقيق أممية بشأن أفعال إسرائيل في غزة. ويأتي ذلك في ظل التغير الملموس في المزاج العام الأمريكي تجاه دعم إسرائيل. وقبل أيام من الانتخابات، حذّر نتنياهو من أن فرض عقوبات على إسرائيل قد يقطع صلتها بالنظام المصرفي العالمي، وقال إنه طلب من المسؤولين إعداد خطة للاستعداد لعقوبات مصرفية محتملة، بما في ذلك بحث استخدام العملات المشفرة وتقنيات سلاسل الكتل "البلوك تشين" لتجاوزها، على غرار ما تلجأ إليه دول مثل روسيا وإيران في مواجهة العقوبات الدولية.
ولا تقتصر آثار هذه العزلة المتزايدة على تضرر صورة إسرائيل أو اقتصاد المستوطنات وحده. فبحسب محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، قد يتحمل الاقتصاد الإسرائيلي ككل، رغم صموده حتى الآن أمام الضغوط، أعباء متزايدة بفعل النظرة السلبية إليه في الرأي العام العالمي، بما يفرض ما يشبه "ضريبة على التجارة"، داعيا صناع القرار إلى أخذ العواقب طويلة الأمد لسياساتهم في الحسبان. وسيكون تعويض الأضرار أكثر صعوبة إذا تُرجمت هذه الصورة السلبية إلى قيود تجارية مع الاتحاد الأوروبي، أحد أكبر الشركاء التجاريين لإسرائيل، أو إلى تراجع في الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي. =
تتفاعل هذه العوامل الخارجية أيضا مع اختلالات بنيوية داخلية تزيد الوضع سوءا. فالاقتصاد الإسرائيلي ذو بنية مزدوجة، إذ يجمع بين قطاع للتكنولوجيا المتقدمة عالي الإنتاجية وقطاعات تقليدية أقل إنتاجية. ويحصل العاملون في قطاع التكنولوجيا على أجور مرتفعة يصعب على القطاعات التقليدية مجاراتها، ما يعمّق الفجوة في الدخول بين العاملين في القطاعين، فيما يواجه أصحاب الدخول الأقل ضغوطًا متزايدة على قدرتهم الشرائية، الأمر الذي يغذي الاستياء من تدهور الأوضاع المعيشية.
وثمة مشكلة أخرى تتمثل في ضعف المنافسة وتركّز النفوذ في قطاعات بعينها، ومنها سوق الألبان. وكان أحدث فصول هذه الأزمة مشروع إصلاح قطاع الألبان الذي طرحه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ضمن قانون التسويات المصاحب لموازنة عام 2026. ويشمل المشروع خفض السعر الذي يتقاضاه المزارعون عن لتر الحليب بنحو 15%، وإلغاء رسوم جمركية على الواردات تصل إلى 40%. وكان سموتريتش قد علّق هذه الرسوم لمدة 6 أشهر في أغسطس/آب 2025، في محاولة لمواجهة نقص الحليب. وردّ المزارعون باحتجاجات شملت تعطيل حركة المرور، فيما لوّحوا بتصعيد تحركاتهم وصولًا إلى القدس. وفي الثاني من فبراير/شباط 2026، أوقفوا توريد الحليب إلى مصانع الألبان، ما أدى إلى تراجع الإمدادات ونقص الحليب في المتاجر، التي لجأ بعضها إلى تحديد الكميات المسموح بشرائها. وانتهى وقف التوريد بعد تدخل وزير الزراعة آفي ديختر، وإن استمرت خطط الاحتجاج.
ومع أن مستوى المعيشة قد لا يتصدر أولويات النخب والجمهور في الوقت الراهن، في ظل انشغالهم بالتحديات الأمنية، سواء أكانت حقيقية أم مُضخّمة، فمن المرجح أن يعود إلى صدارة اهتمامات الإسرائيليين في المستقبل القريب. ففي استطلاع أُجري بين أواخر أبريل/نيسان وأوائل مايو/أيار 2026، أفاد 31% من العاملين، من الموظفين وأصحاب الأعمال الحرة، بأن أجورهم أو دخولهم من أعمالهم ظلت أدنى مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومن شأن استمرار الصراع وغياب الحسم على جبهاته المختلفة أن يزيد الضغوط الاقتصادية.
رجال غاضبون وسلاح بلا ضابط
"إسرائيل ليست مجرد مجتمع منقسم؛ بل تقترب من مرحلة قد يتحول فيها الاستقطاب السياسي والاجتماعي إلى اقتتال أهلي"
بواسطة (اقتباس من دراسة نشرتها جامعة تل أبيب)
لا يغيب عن الإسرائيليين شبح الاقتتال الداخلي، بل يرونه أحد أخطر التهديدات التي تواجه بلادهم في المستقبل القريب. فحين سئلوا في استطلاع أواخر الصيف عن أشد التحديات خطرا على البلاد، أشار 55% منهم إلى الاستقطاب والانقسامات الداخلية، بزيادة كبيرة على الخطر النووي الإيراني الذي لم يذكره سوى 23%، ويرى 6 من كل 10 أن خطر سفك الدماء في اقتتالٍ داخلي هو خطرٌ حقيقي.
تعزز هذا القلق مؤشرات بحثية أخرى. فقد أظهرت دراسة مشتركة لمعهد أجام وقسم الاتصال بجامعة تل أبيب، نُشرت عام 2026، أن إسرائيل سجلت 8.3 من 10 على مؤشر الاستقطاب الوطني والاجتماعي، وهو مستوى وصفه الباحثون بأنه يشير إلى مرحلة متقدمة جدًا من الاستقطاب. وفي سياق أكثر إثارة للقلق، نقل موقع "دروب سايت"، عن مصدرين أمريكيين لم يسمّهما، أن وحدة "الخلية الحمراء" المعنية بالتحليلات البديلة في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حذّرت، في تقييم صدر في أغسطس/آب، من أن تراكم الضغوط على إسرائيل قد يقود إلى حرب أهلية، أو حتى، في سيناريو أشد تطرفا، إلى انهيار مؤسسات الدولة. وشملت الضغوط التي أشار إليها التقييم الأزمة الاقتصادية، وتصاعد الإنفاق العسكري، والغضب من إعفاء الحريديم من التجنيد، وتزايد عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وإذا كانت التناقضات التي عرضناها سابقًا بمثابة براميل بارود، فثمة عاملان قد يشعلانها: غضب بعض العائدين من جبهات القتال، وتنامي الشعور بالخيانة. فمن جهة، تثير عودة جنود من جبهتي غزة ولبنان، بعد فترات طويلة من القتال وما قد يصاحبها من صدمات نفسية، تساؤلات بشأن كيفية تعامل المجتمع والدولة مع تبعات الحرب. وتستحضر هذه المخاوف سوابق تاريخية، من بينها "الفيالق الحرة" (Freikorps) في ألمانيا، وهي تشكيلات مسلحة ضمت محاربين قدامى عادوا من الحرب العالمية الأولى، ورفض بعضهم تقبّل الهزيمة، وتبنّوا أسطورة "الطعنة في الظهر"، التي حمّلت الساسة المدنيين مسؤولية ما اعتبروه خيانة لتضحيات الجنود. والمفارقة أن حكومة فايمار، التي قادها الاشتراكيون الديمقراطيون في بدايات الجمهورية، استعانت بهذه التشكيلات لقمع انتفاضات اليسار عام 1919، قبل أن ينقلب أحد فصائلها عليها في محاولة انقلاب كاب عام 1920. وانضم بعض المحاربين القدامى لاحقًا إلى الحركة النازية.
لكن هذا لا يعني أن المحاربين القدامى عنيفون بطبعهم. فقد عاد ملايين الجنود الفرنسيين والبريطانيين من الخنادق نفسها، ومن أهوال لا تقل فظاعة، وانخرط أغلبهم في جمعيات نزعت إلى السلمية وطالبت بحقوقها عبر السياسة لا السلاح. أما الميليشيات، فانتشرت في ألمانيا والنمسا والمجر ودول البلطيق، وحتى في إيطاليا. ذلك أن هذه المجتمعات اجتمعت فيها عدة شروط في آن واحد: سردية خيانة تحمّل الساسة مسؤولية ضياع تضحيات الجنود، ودولة عاجزة عن احتكار العنف أو متواطئة مع من يمارسه، وعودة الجنود إلى اقتصاد مأزوم لا مكان لهم فيه، وبقاء شبكات الوحدات العسكرية وأسلحتها بعد التسريح، وأخيرًا قادة سياسيون مستعدون لتنظيم هذا الغضب وتوجيهه.
"كثير من شروط العنف الأهلي حاضرة في إسرائيل بدرجة أو أخرى"
وكثير من هذه الشروط حاضر اليوم في إسرائيل بدرجة أو بأخرى. فجنود الاحتياط يعودون من جولات خدمة متكررة إلى اقتصاد يقول نحو ثلث العاملين فيه إن دخولهم تراجعت مقارنة بما قبل الحرب، ويرون في الوقت نفسه شبابا حريديم معفيين من الخدمة تحميهم أحزابهم. ونظام الاحتياط بطبيعته يُبقي على روابط الوحدات قائمة بعد العودة إلى الحياة المدنية، إذ يُستدعى الجنود أنفسهم مرة بعد مرة إلى الوحدات ذاتها. أما السلاح، فلم يعد حكرا على الجيش. فقد قاد إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي اليميني المتطرف المثير للجدل، أكبر حملة لتسليح المدنيين في تاريخ إسرائيل. فقبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان نحو 150 ألف شخص يحملون رخصًا لحيازة سلاح شخصي، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كان عدد رخص السلاح قد ارتفع بنحو 157 ألفًا، ليصل إجمالي الرخص إلى نحو 330 ألفًا. وكان الهدف المعلن لهذه الحملة سد الثغرة التي كشفها هجوم السابع من أكتوبر، حين كانت فرق الطوارئ المدنية في البلدات أول من تصدى للمهاجمين؛ فخفّف بن غفير شروط الترخيص تحت شعار "السلاح ينقذ الأرواح"، وتعهد بتأسيس مئات من هذه الفرق في أنحاء البلاد.
غير أن الخطر لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في هوية من يوزع السلاح ولمن يدين حامله بالولاء. فهذا السلاح لم توزعه مؤسسة عسكرية محايدة نسبيا، بل وزير يقود حزبا من أقصى اليمين له خصومه وأجندته السياسية. والتجربة الألمانية مثلا تقول إن الحكومة التي تمنح جماعات مسلحة الشرعية لمواجهة "عدو" ما لا تستطيع أن تضمن بقاءها تحت سيطرتها حين يتغير هذا العدو. وستحدد نتائج الانتخابات إلى حد بعيد مسار هذه التفاعلات، لكن لا يبدو أن ثمة تسوية قادرة على كبح سخط أي طرف من الأطراف.
فتشكيل الحكومة يتطلب إما تحالفا مع الحريديم يُقنّن إعفاءهم أو يؤجله، في أفضل الأحوال، وهذا كفيل بإثارة غضب آلاف جنود الاحتياط وتعميق أزمة عزوفهم عن الخدمة. وإما أن تتحالف المعارضة مع الأحزاب العربية (وهو احتمال مستبعد)، بعد سنين من شيطنة العرب ووصمهم بالخيانة والعمالة، وإرسال الجنود لقتل أقاربهم على الجانب الآخر من السياج، ومثل هذا التحالف سيثير حنق اليمين عمومًا واليمين المتطرف خصوصا. أما الطريق الثالث، فهو ألا يتشكل توافق ولا حكومة، ما سيرسخ لدى الجميع قناعة بعقم العملية السياسية وانعدام جدواها.
"يرى 70% من الإسرائيليين أن نزاهة الانتخابات مهددة"
كل هذا بافتراض أن الخاسرين سيتقبلون نتيجة الانتخابات برحابة صدر، وهناك الكثير من المؤشرات المقلقة في هذا الصدد. إذ يرى 70% من الإسرائيليين أن نزاهة الانتخابات مهددة، ولم يُبدِ سوى 40% في الاستطلاع نفسه تفاؤلهم بمستقبل الديمقراطية الإسرائيلية. وقد ربطت دراسات مثل هذه الانطباعات عن تراجع المؤسسات الديمقراطية وتفككها بتزايد القبول بالعنف ضد المسؤولين والمؤسسات العامة، لدى اليهود والعرب في إسرائيل على حد سواء.
ويبقى متغير أخير يتعلق بنهاية الحروب الإقليمية.. فإن انتهت حرب إسرائيل متعددة الجبهات بتسوية سياسية تمنح حماس أو حزب الله ولو مكسبًا بسيطًا، فهذا كفيل بتغذية الإحساس بأن الحرب التي خاضها هؤلاء الجنود، وتركوا لأجلها عائلاتهم وأعمالهم، ذهبت سدى؛ وهي بالضبط سردية "الطعنة في الظهر" التي غذّت الفيالق الحرة قبل أكثر من قرن في ألمانيا. وإن استمرت الحرب بلا نهاية، فمن المرجح أن يؤدي الضغط المتواصل وطول فترات الخدمة إلى تزايد سخط جنود الاحتياط وتهربهم من الخدمة، فضلًا عن أن تجنيد الحريديم سيصبح حينها أمرًا لا مفر منه.
وهنا بالضبط تكمن المعضلة، فإسرائيل التي قامت على الاستثناءات، تُعفي هذا من التجنيد، وتستبعد ذاك من المواطنة الكاملة، وتؤجل الحسم في كل مسألة خلافية، لم تعد تملك ترف التأجيل. لم تعد هناك صيغة تُرضي الجميع، والحرب التي كان يُفترض أن توحد الجبهة الداخلية صارت هي نفسها مصدر الانقسام حول من يقاتل، ومن يدفع الثمن، وكيف تنتهي.
المصدر: الجزيرة نت
