مجلس الأمن يحسم اليوم مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء
يصوّت مجلس الأمن، بعد ظهر اليوم الجمعة بتوقيت نيويورك، على مشروع قرار أميركي يروم إجراء تغيير جوهري في طبيعة المهام التي أُنشئت من أجلها بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء "مينورسو". وبينما تُعتبر جلسة التصويت على مشروع القرار الخاص بالصحراء موعداً لاختبار قدرة مجلس الأمن على ترجمة التحولات التي عرفها المسار السياسي منذ اعتماد القرار رقم 2797، تقترح مسودة مشروع القرار الأميركي، الذي أصبح جاهزاً للتصويت بعد وضعه في صيغته النهائية المعروفة دبلوماسياً باسم "النسخة الزرقاء"، تمديد ولاية بعثة "مينورسو" حتى 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2027، مع تغيير اسمها، اعتباراً من الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، إلى "بعثة الأمم المتحدة في الصحراء" (مينورسو)، بحذف الإشارة إلى تنظيم الاستفتاء من تسميتها الرسمية.
تعمق أكثر
ولا يقتصر التغيير المقترح على التسمية، بل يتضمن كذلك مقتضى صريحاً يفيد بأن البعثة لن يكون لها بعد الآن أي دور في تنظيم استفتاء، مقابل توجيه مهامها أساساً نحو دعم المفاوضات السياسية، ومواكبة الجهود الرامية إلى بناء اتفاق بين الأطراف بشأن تسوية النزاع، خاصة في إطار الحكم الذاتي المغربي. وتطلب "النسخة الزرقاء" من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة، قبل 30 يناير/ كانون الثاني 2027، بشأن إعادة هيكلة البعثة وتقليص عدد أفرادها وإغلاق أو إدماج بعض مواقعها، على أن يبت مجلس الأمن لاحقاً في مستقبلها وإمكانية تعديل ولايتها، وفقاً لتطور العملية السياسية.
تنص مسودة المشروع على أن منح "حكم ذاتي حقيقي في إطار السيادة المغربية" يمثل "الحل الأكثر واقعية" لقضية الصحراء
وتبقى من أهم المقتضيات الواردة في المسودة، مطالبة المبعوث الشخصي للأمين العام بإجراء مشاورات مع مكونات صحراوية أوسع، بما فيها أطراف غير مشاركة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات. كما تدعو مسودة المشروع، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى استكمال تسجيل اللاجئين الصحراويين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفقاً للقانون الدولي ومعايير المفوضية، مع ضمان حرية التنقل والوصول من دون عوائق.
من جهة أخرى، تنص مسودة المشروع على أن منح "حكم ذاتي حقيقي في إطار السيادة المغربية" يمثل "الحل الأكثر واقعية" لقضية الصحراء. كما تعتبر المقترح المغربي للحكم الذاتي "الأساس الوحيد" لمواصلة المفاوضات، وتدعو الأطراف إلى تقديم ردود تستند إليه. في المقابل، تؤكد المسودة التزام مجلس الأمن بالتوصل إلى "حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين"، وفقاً لمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها حق تقرير المصير.
وكانت "مينورسو" قد أنشئت في إبريل/ نيسان 1991، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، أساساً للإشراف على وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء بشأن تقرير مصير الإقليم، قبل أن يتعثر تنظيم الاستفتاء بسبب الخلافات بين المغرب وجبهة البوليساريو حول شروطه والهيئة الناخبة. وتضطلع البعثة بمهامها من مقرها الرئيسي بمدينة العيون كبرى حواضر الصحراء، ولها 11 مركزاً في الصحراء وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف الجزائرية.
مسودة "جريئة ومتكاملة"
وبحسب القيادي السابق في جبهة البوليساريو، مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، فإن الولايات المتحدة الأميركية بصفتها حاملة القلم في ملف نزاع الصحراء، قدّمت هذه المرة مسودة "جريئة ومتكاملة"، ارتكزت على أن الحكم الذاتي هو النتيجة النهائية لحل نزاع الصحراء، معتبراً أن هذا التوجه يجعل من الاستفتاء آليةً لتقرير المصير، وبعثة "مينورسو" جهازاً ميسراً لتسوية النزاع منذ ما يزيد عن 35 عاماً، بدون مبرّر للاستمرار في الأخذ بهما في ظل التوجه الجديد.
ولفت ولد سيدي مولود، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنه انطلاقاً من نهجها البراغماتي، ذهبت الولايات المتحدة في وثيقتها مباشرة نحو الخطوات التي من شأنها تقريب حل النزاع من قبيل:
حصر المفاوضات في خيار الحكم الذاتي
تغيير طبيعة وهيكلة مهمة بعثة "مينورسو" لتواكب التوجه الجديد
التشديد على ضرورة وقف إطلاق النار
الدعوة إلى تسريع تسوية وضعية اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف في أجل ستة أشهر.
وقال: "المسودة المنتظر أن تُعرض للتصويت، تدفع بجدية نحو حسم نزاع الصحراء على أرضية الحكم الذاتي، حتى و لو لقي الأمر معارضة من بعض الأطراف. المجتمع الدولي سئم انتظار حل متوافق عليه بين أطراف النزاع لن يأتي أبداً، لأن السيادة لا تقبل التجزئة، ولذلك، بادرت حاملة القلم إلى اتخاذ قرار جريء نيابة عن المجتمع الدولي لدفع الأطراف نحو تسوية لا تعطي لأي طرف كل شيء". وأضاف: "سننتظر لنرى ردة فعل البوليساريو والجزائر على القرار الذي سيصدر، لنعرف اتجاه مسار التسوية، أما المسودة فقد باتت شبه معلومة للجميع، لكن المواقف لن تظهر قبل إقرارها من قبل مجلس الأمن".
تحوّل "جوهري" في مسار نزاع الصحراء
من جهته، قال رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، والنائب السابق لرئيس لجنة الخارجية في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) نبيل الأندلوسي، إن التعديلات التي تتضمنها النسخة النهائية من مشروع القرار الأميركي، المعروفة بـ"المسودة الزرقاء"، لا تمثل مجرد تغيير تقني في اسم بعثة "مينورسو"، وإنما تعكس توجهاً نحو إعادة صياغة المقاربة الأممية للنزاع، والانتقال من منطق تدبير مسار الاستفتاء، إلى منطق البحث عن تسوية سياسية واقعية.
وأوضح الأندلوسي، في حديث مع "العربي الجديد "، أن حذف عبارة "الاستفتاء" من التسمية الرسمية للبعثة، وإنهاء دورها المرتبط بتنظيمه، "يمثلان تحولاً سياسياً ومؤسساتياً مهماً وجوهرياً وعميقاً في مسار هذا النزاع"، فـ"مينورسو" استُحدثت سنة 1991 في سياق اتفاق وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لم يتمكن المجتمع الدولي من تنظيمه، بسبب الخلافات الجوهرية حول تحديد الهيئة الناخبة والخيارات المطروحة. وتبعاً لذلك، رأى أن التوجه نحو إنهاء هذه الوظيفة يعكس اعترافاً عملياً بأن الآلية التي تأسست عليها البعثة لم تعد قادرة على إنتاج حل للنزاع، وأن الاستمرار في الرهان عليها لم يعد خياراً واقعياً، ولا سيما مع مستجدات التبني الأممي لمقترح الحكم الذاتي واعتماده أساساً لأي عملية تفاوضية جدية.
وبحسب الأندلوسي، فإن التغيير المقترح لا يتعلق بالاسم فقط، بل بطبيعة الوظيفة الأممية ذاتها، من بعثة مرتبطة بالاستفتاء وحفظ السلام إلى بعثة ذات طبيعة سياسية تواكب المفاوضات وتدعم جهود التسوية، وهذا يعني أن الأمم المتحدة تتجه نحو الانتقال من إدارة نزاع ظل مجمداً لعقود، إلى محاولة إقرار حل سياسي نهائي وعلى أساس واضح وهو مبادرة الحكم الذاتي.
وشدد على أن التحول الحاصل اليوم على مستوى مقاربة المجتمع الدولي لهذا النزاع، "هو انتقال مبادرة الحكم الذاتي من مقترح تفاوضي إلى مرجعية مركزية أو للتسوية السياسية، بعدما أصبح مقترح الحكم الذاتي أساساً مرجعياً للمفاوضات". وشدد على أنه ينبغي هنا الانتباه إلى الفرق بين اعتبار الحكم الذاتي مجرد مبادرة من بين مبادرات أخرى، محسوبة على طرف من الأطراف، وبين اعتماده إطاراً مركزياً للتفاوض، معتبراً أنّ هذا التحوّل "مؤشر قوي على قرب إنهاء هذه المشكلة الذي كبّل المنطقة المغاربية لعقود".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗